تحاول تركيا التمسُّك بالحياد في خضمِّ حربٍ إقليمية متصاعدة، لكنها تكتشف أنَّ البقاء خارج الصراع لا يعني الإفلات من تداعياته. فالحرب الإيرانية تُعيدُ رسم موازين القوى بطريقةٍ تضع أنقرة أمام اختباراتٍ صعبة على أكثر من جبهة.

بذلت تركيا قصارى جهدها لتفادي الانخراط في الحرب الإيرانية، متمسّكةً بسياسة حيادٍ دقيقة تعكس تقليدًا راسخًا في ديبلوماسيتها. وفي هذا السياق، تستحضر أنقرة باستمرار تجربتها خلال الحرب العالمية الثانية، التي تُعدّ لدى صناع القرار الأتراك نموذجًا ناجحًا للموازنة السياسية. آنذاك، كان قادة الجمهورية الفتية يدركون تمامًا عزلتهم الجيوسياسية وضعفهم العسكري، فحرصوا على عدم تكرار خطَإِ أسلافهم العثمانيين الذين اختاروا الجانب الخاطئ في الحرب العالمية الأولى، ما أدى إلى انهيار الإمبراطورية. وبين ضغوط متزايدة من الحلفاء وألمانيا، نجحت تركيا في المناورة بحذر، محافظة على حيادها رغم احتدام الحرب على حدودها.
اليوم، تفرض الحرب في إيران على أنقرة حسابات لا تقل تعقيدًا. غير أنَّ السياق تغيّر؛ فتركيا لم تعد تكتفي بدور المتفرّج، بل تسعى إلى ترسيخ موقعها كقوة إقليمية فاعلة. وقد بدا أنَّ سقوط الرئيس السوري بشار الأسد على أيدي جماعات مسلحة مدعومة من تركيا وفصائل أخرى في أواخر عام 2024 منحها دفعةً من الثقة في هذا الاتجاه. ومع ذلك، لا تزال أنقرة تفتقر إلى القدرة الاقتصادية والعسكرية الكافية لفرض مسار الأحداث وفق شروطها الخاصة، فيما تبقى علاقاتها مع القوى الكبرى شديدة الحساسية: فهي في طور إعادة ضبط علاقتها مع الولايات المتحدة، في وقتٍ تدهورت علاقاتها مع إسرائيل بشكل ملحوظ.
ويزداد هامش الحركة التركي تعقيدًا بفعل اعتمادها المستمر على أطراف خارجية في مجال الدفاع. فقد أدى قرار شراء منظومة الدفاع الصاروخي الروسية “أس-400” عام 2019 إلى فرض عقوبات أميركية واستبعادها من برامج حيوية داخل حلف شمال الأطلسي (الناتو)، ما أضعف قدرتها على صيانة بعض معداتها العسكرية المتطورة. ورغم ذلك، لم تُفعّل أنقرة هذه المنظومة، لتبقى قدراتها في مجال الدفاع الجوي غير مكتملة، خصوصًا في مواجهة الصواريخ الباليستية الإيرانية التي بدأت اختراق مجالها الجوي في آذار (مارس). ففي حادثة لافتة، لم تكن الأنظمة التركية هي التي تصدّت للخطر، بل صواريخ اعتراضية تابعة لحلف “الناتو” نجحت في إسقاط أربعة صواريخ إيرانية استهدفت نظام رادار تابع للحلف وقاعدة إنجرليك الجوية في جنوب البلاد، حيث تتمركز قوات أميركية.
مع ذلك، حرصت أنقرة على النأي بنفسها عن الصراع الدائر. فلم تنخرط في الحملة الأميركية–الإسرائيلية كما فعل بعض دول الخليج، ورفضت السماح باستخدام مجالها الجوي لتنفيذ ضربات ضد إيران. ويعكس هذا الموقف طبيعة العلاقة المركّبة التي تربط تركيا بطهران، وهي علاقة تمتد جذورها لقرون، تجمع بين التنافس التاريخي والاستقرار البراغماتي. فإيران، رغم كونها خصمًا تقليديًا، لم تكن يومًا طرفًا تسعى أنقرة إلى مواجهته مباشرة. ولهذا، أمضت تركيا الأشهر الأولى من عام 2026 في محاولة احتواء التصعيد، قائدةً جهودًا إقليمية لإقناع طهران وإدارة دونالد ترامب بإعطاء المفاوضات النووية فرصة جديدة. فاندلاع حرب مفتوحة في إيران لا يحمل لتركيا سوى مخاطر متعددة، من تدفقات محتملة للاجئين إلى اضطرابات اقتصادية، وصولًا إلى تهديد الاستقرار الداخلي.
غير أنَّ هذا المسار الديبلوماسي لم يصمد طويلًا. فقد شنّت الولايات المتحدة وإسرائيل هجومًا على إيران، لتجد أنقرة نفسها أمام واقع جديد تحاول فيه، مرة أخرى، تفادي الانجرار إلى المواجهة. لكن الحياد، في ظل هذا التصعيد، لم يعد ضمانة كافية لتجنيب تركيا تداعيات الحرب. فالصراع يهدد بإرباك توازنها الدقيق مع طهران، ويقوّض مسار السلام الكردي داخلها، كما قد يمنح إسرائيل—الخصم الاستراتيجي الأبرز لأنقرة—نفوذًا إقليميًا أكبر. وبينما لا تملك تركيا القدرة على توجيه مسار الحرب، فإنَّ الاكتفاء بالحياد لم يعد خيارًا كافيًا لحماية مصالحها. فالتحدي لم يعد في تجنُّب الصراع بحد ذاته، بل في كيفية إدارة تداعياته والتحرّك استباقيًا لضمان الخروج منه بأقل الخسائر، وربما بمكاسب نسبية.
أصدقاء-أعداء تاريخيون
في هذا السياق، تبدو العلاقة التركية–الإيرانية مفتاحًا لفهم خيارات أنقرة. فهي ليست علاقة تحالف، ولا عداءً صريحًا، بل نمط من “التعايش التنافسي” الذي صاغته قرون من التاريخ المشترك. فقد تنافست الإمبراطوريتان العثمانية والصفوية طويلًا على النفوذ في المنطقة، بوصف الأولى مركزًا للسلطة السُنّية، والثانية قطبًا شيعيًا رئيسًا. وبعد عقود من الصراعات المتقطعة، توصّل الطرفان إلى صيغة استقرار عبر معاهدة قصر شيرين عام 1639، التي رسمت الحدود بينهما على امتداد جبال زاغروس، وأرست قاعدة غير مكتوبة لا تزال تحكم علاقتهما حتى اليوم: تجنّب الحرب المباشرة والامتناع عن التدخّل في الشؤون الداخلية للطرف الآخر.
اليوم، تطغى حالة من انعدام الثقة العميق على العلاقة بين أنقرة وطهران، رغم استمرار قنوات التواصل بينهما. فقد وقفت الدولتان على طرفي نقيض في عدد من النزاعات الإقليمية، من العراق وسوريا إلى جنوب القوقاز، حيث دعمت كلٌّ منهما معسكرات متنافسة. ومع ذلك، وعلى خلاف بعض حلفاء الولايات المتحدة في الخليج، لا ترى تركيا في إضعاف إيران إلى حدِّ الانهيار مصلحة لها. فأنقرة، رُغمَ قلقها المستمر من البرنامجين النووي والصاروخي الإيرانيين وحرصها على كبح تمدّدهما، تخشى في المقابل سيناريو التفكك أو الفوضى داخل إيران. إذ إنَّ انهيار الدولة هناك قد يفتح الباب أمام موجات لجوء جديدة نحو الأراضي التركية، ويغذّي النزعات الانفصالية لدى الجماعات الكردية في المنطقة، ويحوّل حدودها الشرقية إلى مصدرٍ دائم لعدم الاستقرار. من هذا المنظور، تبدو الفوضى في إيران أكثر تهديدًا لتركيا من بقاء نظامٍ مُعادٍ لكنه قائم.
لهذا السبب، تعاملت أنقرة بحذر شديد مع تطوّرات الداخل الإيراني. فعندما اندلعت الاحتجاجات الشعبية في كانون الثاني (يناير)، تجنّب المسؤولون الأتراك توجيه انتقادات مباشرة لقمع النظام، ولم يُبدوا دعمًا علنيًا للمتظاهرين، في خطوةٍ تعكس حرصهم على عدم الانخراط في الشأن الداخلي الإيراني. ومع تصاعد التوتر وصولًا إلى اندلاع الحرب في نهاية شباط (فبراير)، كثّفت تركيا اتصالاتها الديبلوماسية، داعيةً واشنطن إلى البحث عن مخرجٍ قبل أن تنزلق إيران نحو انهيار الدولة.
في المرحلة الراهنة، قد تجد أنقرة بعض الارتياح في عدم تحقق أسوَإِ سيناريوهاتها، أي تفكك الدولة الإيرانية. كما إنها لن تأسف للضربات التي أضعفت البرنامج النووي الإيراني وقدرات طهران الصاروخية وشبكة وكلائها، نتيجة القصف الأميركي–الإسرائيلي المتواصل. غير أنَّ هذا لا يلغي أسباب القلق؛ إذ يبدو أنَّ النظام الإيراني الذي خرج من هذه المواجهة قد ازداد تصلبًا، وأصبح أكثر ارتهانًا للحرس الثوري، مع تضاؤل مساحة البراغماتية السياسية والدينية داخله.
ضمن هذا المشهد، تُفضّل تركيا بوضوح بقاء إيران مستقرة ولكن مُقيَّدة، أي ضمن إطار اتفاق طويل الأمد يحد من طموحاتها النووية ونفوذها الإقليمي. وترى أنقرة أنَّ نموذجًا قريبًا من اتفاق عام 2015 هو الأكثر انسجامًا مع مصالحها، مقارنة بالنهج المتقلب الذي طبع ديبلوماسية ترامب. فمثل هذا الاتفاق من شأنه أن يحقق جملة من الأهداف التركية: منع تجدد الحرب، الحد من النفوذ الإيراني في القوقاز، وفتح مسارات أوسع للتجارة عبر جنوب القوقاز نحو آسيا الوسطى. كما إنَّ أيَّ تخفيف تدريجي للعقوبات على طهران قد يعزز موقع تركيا كشريكٍ تجاري رئيس لإيران، ويمنحها هامشًا أوسع لتعزيز دورها كقوة اقتصادية إقليمية.
الجبهة الكردية
سلّطت الحرب في إيران الضوء على هشاشة مسار السلام الذي تقوده أنقرة مع حزب العمال الكردستاني، التنظيم المسلح الذي خاض تمردًا طويلًا ضد الدولة التركية. وكان هذا المسار قد تلقى دفعة مهمة في عام 2025 بعد دعوة الزعيم الكردي المسجون عبد الله أوجلان إلى وقف إطلاق النار، في خطوةٍ كان يُفتَرَض أن تفتح الباب أمام حلّ الحزب وإنهاء الصراع. غير أنَّ هذا الهدف لا يزال بعيد المنال، في ظل بطء تنفيذ الإصلاحات القانونية المطلوبة من جانب أنقرة، وتداعيات الاضطرابات الإقليمية. ورُغمَ ذلك، لا تزال الأطراف المعنية حريصة على إبقاء قنوات الحوار مفتوحة لتجنُّب العودة إلى المواجهة المسلحة. بالنسبة إلى الرئيس رجب طيب أردوغان، لا يقتصر هذا الملف على البُعدِ الأمني، بل يتداخل مع حساباتٍ سياسية داخلية؛ إذ يحتاج إلى دعم الكتلة البرلمانية المؤيدة للأكراد لتعديل الإطار القانوني بما يتيح له الترشُّح مجددًا، بعد بلوغه الحد الأقصى لفتراته الدستورية.
غير أنَّ اندلاع الحرب على حدود تركيا الشرقية يهدد بتقويض هذا المسار برمته. فقد أثار طرح دونالد ترامب، بعيد الضربات الأميركية–الإسرائيلية الأولى، فكرة توظيف القوات الكردية الإيرانية لإشعال انتفاضة داخل إيران، قلقًا بالغًا في أنقرة. ورأت القيادة التركية في هذا الطرح مؤشّرًا إلى احتمال إحياء مشاريع الحكم الذاتي الكردي، بما يعيد العلاقات الأميركية–التركية إلى أجواء التوتر التي سادت قبل نحو عقد، حين دعمت واشنطن القوات الكردية السورية المرتبطة بحزب العمال الكردستاني في مواجهتها مع تنظيم “الدولة الإسلامية”. وفي كواليس النقاشات، عبّر مسؤولون أتراك عن خشيتهم من أنَّ أيَّ دعم خارجي للأكراد الإيرانيين—ولا سيما المرتبطين بحزب العمال الكردستاني—قد يدفع الحركة إلى التشدد ويقلل من استعدادها لتقديم تنازلات في مسار التسوية مع الدولة التركية.
ويذهب هذا القلق إلى ما هو أبعد من الساحة الإيرانية. فإحياء تحالف أميركي–كردي جديد قد يشجع الطموحات الانفصالية لدى الأكراد في عموم المنطقة، بما يهدد بتقويض مسار السلام الهشّ داخل تركيا، ويعقّد في الوقت نفسه جهود دمج الأكراد السوريين في النظام السياسي الجديد في دمشق. وفي أسوَإِ السيناريوهات، تخشى أنقرة من نشوء كيان كردي مدعوم خارجيًا على حدودها، قد يتحول إلى نقطة ارتكاز جديدة لحزب العمال الكردستاني.
حتى الآن، تراجعت حدة هذه المخاوف نسبيًا. فقد عدل ترامب عن فكرة فتح جبهة كردية داخل إيران، كما أشار لي مسؤول تركي رفيع إلى أنَّ “الأكراد اتخذوا خيارًا استراتيجيًا” بعدم الانخراط في الحرب. كذلك، اختار الفرع الإيراني لحزب العمال الكردستاني، وهو أحد أبرز الفصائل الكردية في البلاد، عدم اللجوء إلى السلاح أو قبول دعم خارجي. ومع ذلك، كشفت هذه التطورات عن نقطة ضعف أساسية في المقاربة التركية: إذ يمكن لعوامل خارجية، خارجة عن سيطرة أنقرة، أن تُعيدَ إحياء القضية الكردية في أيِّ لحظة. وفي ظلِّ هذا الواقع، تبدو التسوية الشاملة مع حزب العمال الكردستاني الخيار الوحيد القادر على توفير ضمانة طويلة الأمد ضد عودة التصعيد.
اختلال موازين القوى
إلى جانب حساباتها تجاه إيران، تراقب أنقرة بقلق متزايد تنامي الدور الإقليمي لإسرائيل وتعاظم نفوذها في واشنطن. فالعلاقة بين البلدين شهدت تحوُّلًا جذريًا خلال العقود الأخيرة؛ بعدما كانت شراكة وثيقة في تسعينيات القرن الماضي وبداية الألفية، قامت على تبادل المعلومات الاستخباراتية والتعاون العسكري وشراء تركيا لمنظومات تسليح إسرائيلية، أصبحت اليوم علاقة تنافس مفتوح، بل وخصومة متصاعدة. وقد عمّقت الحرب في غزة هذا الشرخ، إذ عارضتها تركيا بشدة، ما أدى إلى تجميد العلاقات التجارية بين الطرفين.
غير أنَّ مصدر القلق الأكبر لأنقرة يتمثّل في ما تعتبره استعراضًا متكررًا للقوة من جانب إسرائيل، لا سيما في لبنان وسوريا عقب سقوط نظام الأسد، وهو ما عزّز صورتها كقوة عسكرية مهيمنة في المنطقة. ومن هذا المنطلق، لا تنظر تركيا إلى الضربات الإسرائيلية ضد إيران بوصفها عملية معزولة، بل كجُزءٍ من استراتيجية أوسع لإعادة تشكيل التوازنات الإقليمية بالقوة. وفي الداخل التركي، يتزايد الاعتقاد لدى عددٍ من السياسيين والمحللين بأنَّ هذه الاستراتيجية تحمل، في أحد أوجهها، محاولة لتطويق تركيا والحد من نفوذها.
وتستند هذه المخاوف إلى مؤشّرات متعددة: فقد استهدفت إسرائيل مواقع في سوريا كانت أنقرة تدرس استخدامها، كما عززت تعاونها الدفاعي مع اليونان وقبرص في إطار يُنظر إليه في تركيا على أنه مُوَجَّه مباشرة ضدها. وفي المقابل، بدأ الخطاب في بعض الأوساط الإسرائيلية يُصنّف تركيا كتهديدٍ طويل الأمد، ما زاد من حدة التوتر. وفي حال انتهت الحرب بإسرائيل أكثر قوة وجرأة، مقابل إيران أضعف، تخشى أنقرة من تضييق هامش حركتها الإقليمي، سواء في سوريا، حيث يتشكل نظام جديد، أو في شرق المتوسط، حيث تتصاعد المنافسة على موارد الطاقة، فضلًا عن احتمال تراجع قدرتها على إعادة بناء علاقاتها مع واشنطن.
هذا الواقع يضع الرئيس رجب طيب أردوغان أمام معادلة معقّدة. فتركيا لا ترغب في صعود نفوذ إيراني مهيمن، لكنها في الوقت نفسه لا تريد نظامًا إقليميًا تُحدده الهيمنة الإسرائيلية أو تحكمه سياسات أميركية متقلّبة. ومن هنا، يمنحها البقاء خارج الحرب هامشًا ديبلوماسيًا لمحاولة التأثير في مسارها، سواء عبر دفع واشنطن نحو تسوية تفاوضية تُقيّد البرنامجين النووي والصاروخي الإيرانيين من دون إسقاط الدولة، أو من خلال التحذير من أنَّ تشدد إسرائيل في سوريا ولبنان قد يجر المنطقة إلى صراعات طويلة الأمد. وفي هذا السياق، دعمت أنقرة جهود الوساطة التي تقودها باكستان بين إيران والولايات المتحدة.
وفي الميدان، سعت تركيا إلى احتواء احتمالات الاحتكاك المباشر مع إسرائيل، عبر إنشاء قناة تنسيق عسكرية في سوريا بوساطة أميركية، هدفها تجنّب أي اشتباك غير مقصود مع توسُّع وجود الطرفين هناك. غير أنَّ هذه القناة تبقى تقنية ومحدودة، ولا تعكس أي توجه نحو تطبيع العلاقات. فمع استمرار حكومة بنيامين نتنياهو في إسرائيل، وحكومة أردوغان في تركيا، يبدو أنَّ فرص التقارب السياسي ضئيلة، خصوصًا في ظل الاعتبارات الداخلية، بما في ذلك السياق الانتخابي الإسرائيلي. وحتى في حال تراجع حدة الحرب مع إيران، فإنَّ التنافس التركي–الإسرائيلي مرشّح للاستمرار، بوصفه جُزءًا من معادلة استراتيجية أعمق وأطول أمدًا في المنطقة.
حرب تأسيسية ثالثة
لطالما شكّلت الحروب الكبرى لحظات مفصلية في إعادة تعريف الدولة التركية ودورها. فالحرب العالمية الأولى أنهت الإمبراطورية العثمانية وقلّصت نفوذها في الشرق الأوسط، مُمَهّدةً لقيام الجمهورية الحديثة. أما الحرب العالمية الثانية، فرُغم حياد أنقرة خلالها، فقد أسهمت في ترسيخ نظامٍ داخلي سلطوي في تلك المرحلة، لكنها في الوقت نفسه دفعت تركيا لاحقًا إلى الالتحاق بالمعسكر الغربي، واضعة إياها على مسار الانضمام إلى حلف شمال الأطلسي (الناتو) والمجتمع الأطلسي. واليوم، تبدو الحرب الراهنة مُرَشَّحة لإنتاج تحوّل مشابه، قد يفضي إلى نظامٍ إقليمي جديد تجد فيه تركيا نفسها إما أكثر أمنًا أو أكثر عُرضةً للمخاطر.
في هذا السياق، يصبح الركون إلى الجمود خيارًا محفوفًا بالمخاطر. فأنقرة لا تستطيع الاكتفاء بسياسة التحوّط التكتيكي إذا أرادت تجاوز هذه المرحلة المضطربة. ورُغمَ محدودية قدرتها على التحكُّم في مسار الاضطرابات الإقليمية، فإنَّ بإمكانها العمل على تقليص المخاطر وتعزيز موقعها. في مقدمة هذه الأولويات، يأتي دفع عملية السلام مع الأكراد، لما لها من انعكاسات مباشرة على الاستقرار الداخلي، وكذلك على توازنات الصراع في العراق وسوريا. فالتوصُّل إلى تسوية شاملة مع حزب العمال الكردستاني من شأنه أن يُغلقَ الباب أمام استغلالِ أيِّ تصعيد خارجي لإعادة إشعال أخطر بؤر التوتر داخل تركيا. ويمكن للبرلمان التركي، في هذا الإطار، أن يخطو خطوة حاسمة عبر إقرار تشريع يسمح لمقاتلي الحزب بإلقاء السلاح والعودة، إلى جانب توسيع المشاركة السياسية للأكراد، بما في ذلك تمكين عبد الله أوجلان من الانخراط في الحياة السياسية، وتعزيز صلاحيات البلديات الكردية، والإفراج عن المعتقلين السياسيين. مثل هذه الإجراءات من شأنها ترسيخ مسار السلام بغضِّ النظر عن تقلّبات الإقليم.
بموازاة ذلك، تحتاج تركيا إلى العمل على تثبيت الاستقرار في المناطق التي تمتلك فيها نفوذًا مباشرًا، مع تكثيف جهودها الديبلوماسية حيثما أمكن. ففي سوريا، يتطلب الأمر دعم إعادة دمج قوات سوريا الديمقراطية (قسد)، ذات الغالبية الكردية، في بنية الدولة الجديدة، ومساندة دمشق في إدارة مرحلة ما بعد الحرب، مع الحفاظ على قنوات اتصال مفتوحة مع إسرائيل لتجنُّب تحوُّل الساحة السورية إلى نقطة احتكاك مباشر بين الطرفين. أما في العراق، فيستدعي الوضع تعميق التنسيق الأمني مع بغداد في مواجهة تنظيم “الدولة الإسلامية”، إلى جانب موازنة النفوذ الإيراني سياسيًا، وحماية مسارات التجارة والطاقة التي تربط تركيا بالخليج.
إنَّ استقرار العراق وسوريا لا يشكل فقط مصلحة إقليمية عامة، بل يُعَدُّ عنصرًا أساسيًا في أمن تركيا القومي، إذ يسهم في تهدئة حدودها الجنوبية والشرقية، ويعزز موقعها التفاوضي في أيِّ ترتيبات إقليمية مقبلة. وفي نهاية المطاف، قد تجد أنقرة نفسها مضطرة إلى فتح حوار مباشر مع إسرائيل حول قضايا الأمن الإقليمي ومستقبل سوريا، في محاولة لإدارة التنافس القائم وتفادي تحوّله إلى مواجهة مفتوحة في مرحلة ما بعد الحرب.
في هذا الإطار، يكتسب البُعدُ الاقتصادي–الجيوسياسي أهمية متزايدة في حسابات أنقرة. ففتح الحدود مع أرمينيا من شأنه أن يُعزّز ما يُعرف بـ”الممر الأوسط” الممتد عبر جنوب القوقاز وآسيا الوسطى، وهو مسارٌ ترى فيه تركيا فرصة استراتيجية لتقليل اعتمادها على طرق التجارة الجنوبية الأكثر عرضة للاضطرابات، في ظل التقلبات الحادة التي تشهدها المنطقة، لا سيما في قطاعي الطاقة والشحن. كما إنَّ ترسيخ الاستقرار على حدودها المباشرة سيمنح تركيا موقعًا متقدّمًا كمركزٍ تجاري إقليمي، ويعزز دورها في نظام ما بعد الحرب، الذي قد يقوم على الترابط الاقتصادي وتدفقات التجارة بدلًا من الأزمات المزمنة.
على صعيدٍ آخر، يبقى العامل الأميركي عنصرًا حاسمًا في رسم خيارات أنقرة. فمن الناحية النظرية، قد يؤدي حل الخلافات العالقة مع واشنطن إلى تخفيف العقوبات وإعادة فتح قنوات التعاون الدفاعي. وهذه الخلافات معروفة: العقوبات المفروضة بسبب شراء منظومة “أس-400” الروسية، واستبعاد تركيا من برنامج مقاتلات “أف-35” التابع لحلف “الناتو”، إلى جانب التوتر المتصاعد في موقف أنقرة من إسرائيل، الحليف الرئيسي للولايات المتحدة. غير أنَّ التعويل على تحوّلٍ سريع في هذا المسار يبدو محدودًا، في ظل نهج دونالد ترامب الذي يميل إلى إطلاق تعهدات كبرى من دون متابعة تنفيذها بشكلٍ منهجي. لذلك، يبدو الخيار الأكثر واقعية أمام تركيا هو تعزيز اعتمادها على حلف “الناتو” وأوروبا، بالتوازي مع تطوير قدراتها الدفاعية، خصوصًا في مجالي الدفاع الجوي والصاروخي. وفي المدى الأبعد، لا مفرَّ لأنقرة من المضي نحو قدر أكبر من الاكتفاء الذاتي في صناعاتها الدفاعية.
في المحصّلة، تحتاج تركيا إلى صياغة استراتيجية متماسكة تُوازِن بين ضرورات الداخل وتحديات الخارج: الحفاظ على الاستقرار الداخلي، لا سيما في الملف الكردي، وتأمين حدودها، وتعزيز موقعها كمركز إقليمي للطاقة والتجارة. ويتطلب ذلك إدارة دقيقة لتقلبات الحرب وتنافس القوى الكبرى، من دون الاكتفاء بالسعي إلى تحسين العلاقات مع واشنطن وحدها. صحيح أنَّ إعلانَ الحياد قد يبدو الخيار الأنسب في لحظةٍ مضطربة كهذه، لكن التجربة تشير إلى أنَّ الحياد، بحد ذاته، لا يكفي. فإذا أرادت أنقرة الخروج من هذه المرحلة أكثر قوة واستقرارًا، فعليها أن تكون فاعلًا محسوبًا، لا مجرّد مراقبٍ حَذِر.
- أصلي أيدينتاشباش هي زميلة في معهد بروكينغز ومديرة مشروع تركيا فيه.
- يَصدُرُ هذا المقال بالعربية في “أسواق العرب” توازيًا مع صدوره بالإنكليزية في “فورِن أفّيرز” الأميركية.























