توجهت عيون وقلوب السوريين، يوم أمس، إلى قاعة محكمة الجنايات في القصر العدلي بدمشق، التي استقبلت أول محاكمة علنية بحق شخصيات ورموز من نظام الأسد المخلوع، وعلى رأسهم عاطف نجيب، رئيس فرع الأمن السياسي بمحافظة درعا عام 2011، الذي ارتكب انتهاكات وجرائم بحق أطفال وأهالي المحافظة، والتي كانت سبباً في انطلاق الثورة السورية.
قاضي محكمة الجنايات في دمشق فخر الدين العريان، أعلن تأجيل جلسة المحاكمة الخاصة بنجيب الذي مثل حضورياً، وغيابياً بحق كلٍّ من: بشار الأسد، شقيقه ماهر، وعدد من رموز نظامه المخلوع، إلى العاشر من أيار المقبل.
لحظات وصفها البعض بـ”الحلم”، حيث يجلس المتهم داخل قفص الاتهام؛ تبدو على وجهه ملامح الانكسار والهزيمة محاصَراً بجرائمه، في حين امتلأت القاعة بالهتافات والأهازيج الحورانية؛ التي رددها متظاهرو درعا بداية الثورة السورية عام 2011.
تأتي أهمية المحاكمة، وهي الأولى من نوعها في سوريا، من عدة نقاط، أهمها أنها كسرت عُرف الإفلات من العقاب الذي تحول إلى ثقافة مارسها النظام المخلوع طوال سنوات حكمه، إضافة إلى أنها تعزز فكرة المحاسبة وفق القانون بدلاً من الانتقام، وهو الأمر الذي تحاول الدولة تطبيقه عملياً، تمهيداً للوصول إلى السلم الأهلي الذي يطالب به الجميع في سوريا، وتحصيل حقوق الضحايا وذويهم، لأنه، وبحسب فقه العدالة الانتقالية، “لا مصالحة من دون محاسبة”.
كما عززت الجلسة الأولى للمحاكمة شعور رد الاعتبار للضحايا، وذلك عبر وجود المجرم خلف القضبان، بوجود عدد من ضحايا الانتهاكات وعائلاتهم، كشهود على القضية، إضافة إلى أن مثول المجرم- اليوم- يمثل رادعاً لغيره، ما يدفع باتجاه بناء دولة قانون تكون فيها حقوق الإنسان مصونةً.
يضاف إلى ذلك أن المحاكمة تكشف وتوضح وتثبت الحقيقة لمن يدعي جهلها طوال 14 عاماً، وتوثق السردية الوطنية التي عمل النظام المخلوع على طمسها أو تشويهها خلال الفترة الماضية.
تزامن انعقاد الجلسة مع حالة الفرح التي عمّت الشارع السوري؛ في أعقاب إلقاء القبض على أحد أهم المطلوبين للعدالة في سوريا، المجرم أمجد يوسف، المدان الأول بارتكاب “مجزرة التضامن”، الأمر الذي أعاد الأمل إلى قلوب شريحة واسعة من السوريين بتحقيق العدالة، وتحصيل الحقوق المادية والمعنوية.
وعلى الرغم من أن الجلسة الأولى للمحاكمة كانت “تحضيرية” ومخصصة لـ”الإجراءات الإدارية والقانونية الخاصة بالتحضير”، وفق ما أعلن القاضي فخر الدين العريان، إلا أنها تشكل بداية طريق طويل شقّه السوريون بدمائهم، وتمثل إعلان مرحلة طال انتظارها، وستعقبها جلسات أخرى تمهيداً لبناء أرضية سياسية واجتماعية صلبة تسهم في استقرار الأوضاع في البلاد.
- الثورة السورية

























