بعد أن كان منحصراً في تشخيصات نظرية وسجالات قانونية ومناظرات حقوقية، وتجسد قضائياً في مناسبة شبه وحيدة هي محاكمات مجازر الساحل السوري التي وقعت أواسط آذار/ مارس 2025، اتخذ مفهوم العدالة الانتقالية وجهة عملية جذرية من خلال واقعتين طرأتا خلال الأيام القليلة الماضية، وبالتالي فإنّ الأسئلة الشائكة التي اكتنفت المبدأ وُضعت على محك التنفيذ الفعلي في قاعات المحاكم.
الواقعة الأولى هي نجاح قوى الأمن السورية في اعتقال أمجد يوسف، المسؤول الأبرز عن مجزرة حي «التضامن» جنوب العاصمة دمشق، التي شهدت إعدامات صورية وحشية لنحو 280 ضحية، قُتلوا وقُذفوا في حفرة أضرمت فيها النار وتحولت إلى واحدة من عشرات المقابر الجماعية وجرائم الحرب التي ارتكبها نظام الأسد الأب والابن الوريث على امتداد 54 سنة.
الواقعة الثانية هي افتتاح الجلسة الأولى ضمن إجراءات تطبيق العدالة الانتقالية، وشهدتها غرفة محكمة الجنايات داخل القصر العدلي في العاصمة دمشق، وتضمنت محاكمة غيابية لعدد من المسؤولين الأمنيين والعسكريين في النظام البائد، بينهم بشار الأسد وشقيقه ماهر الأسد. كما انعقدت محاكمة عاطف نجيب حضورياً، واتسم وجوده في قفص الاتهام برمزية معنوية وسياسية عالية لأنه كان أول آمر بإطلاق النار على المتظاهرين واقتلاع أظافر الأطفال وتعذيب بعضهم حتى الموت في محافظة درعا، فضلاً عن كونه ابن خالة الأسد.
وإذا كانت «رحلة الألف ميل تبدأ بخطوة واحدة» كما في المثل الصيني الشهير، فإن طريق العدالة الانتقالية في سوريا الجديدة ليس طويلاً فقط، بل لعله يطول أيضاً، على غرار مسير الشاعر المتنبي، لأنه وعر وشاق ومعبد بالمصاعب والعراقيل. فليس غائباً عن ابتهاج السوريين باعتقال جزار حي «التضامن» أنه كان مجرد بيدق، في شطرنج نظام تبدأ جرائم الحرب عنده من الآمر الأعلى قبل أن تهبط إلى المرؤوس الأدنى.
وفي محاكمة عاطف نجيب، لم يكن الغائبون عن المحكمة أقل دموية منه أو أدنى مسؤولية، حتى إذا كان بعضهم مجرد بيدق بدوره، كما في نماذج فهد جاسم الفريج أو لؤي العلي، وأن بعضهم أو الأكبر منهم فداحة في الإجرام يواصلون اللجوء إلى دول الجوار أو العواصم ذاتها التي تستقبل الرئيس الانتقالي أحمد الشرع بالترحاب والتهليل. الأنكى من ذلك أن أحد المحاكمين غيابياً، طلال العيسمي الرئيس السابق لوحدة المهام الخاصة في وزارة داخلية النظام، لا ينعم بالأمان في كنف الشيخ حكمت الهجري فقط، بل عيّنه الأخير قائداً للأمن الداخلي في السويداء.
ولعل العقبة الأولى تظل غياب القانون الخاص بتنظيم محاكمات العدالة الانتقالية، رغم أن سنة كاملة توشك على الانتهاء بعد إصدار المرسوم الرئاسي بتشكيل «الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية»، وتكليفها بإحقاق العدالة لضحايا انتهاكات حقوق الإنسان التي ارتكبها نظام الأسد.
طريق العدالة الانتقالية طويل، خاصة في ضوء الأعباء الثقيلة والاستحقاقات الملحة والعوائق والاستعصاءات التي تواجه سوريا الجديدة، ولكن هل يتوجب أن يطول أيضاً، بسبب من حسابات تستدعي الاستمهال أو التأجيل أو التباطؤ؟
- القدس العربي

























