في ظل بدء تحركات قضائية داخلية وإشارات إلى ملاحقات دولية مرتبطة بملفات الانتهاكات في سوريا خلال السنوات الماضية، يبرز سؤال جوهري في الأوساط القانونية والحقوقية: متى يمكن أن تصدر الأحكام بحق ما يعرف بـ”رموز النظام السابق”؟ وما هي المعايير التي يجب أن تتوفر حتى تكون هذه المحاكمات ذات مصداقية قانونية وقابلة للاعتراف داخلياً ودولياً؟
وتؤكد جهات حكومية أن ما يجري من محاكمات داخلية وملاحقات دولية ليس سوى بداية لمسار طويل، ما يفتح الباب أمام تساؤلات حول ما إذا كنا فعلاً أمام سنوات ممتدة من الإجراءات القضائية، أم أن طبيعة الملف بما يحمله من تشابك وتعقيد، لا تسمح باختزاله في محاكمات سريعة لعدد محدود من الشخصيات.
مسار طويل
مصادر قانونية تؤكد أن تحديد سقف زمني لإصدار الأحكام في قضايا تتعلق بانتهاكات جسيمة وواسعة النطاق يعد أمراً بالغ الصعوبة، نظراً لتعدد الوقائع وتداخل مستويات المسؤولية وتشعب الأدلة والشهادات.
وفي هذا الصدد، يقول المحامي المختص بالقانون الدولي، المعتصم الكيلاني في حديثه لـ”المدن”، إنه فيما يتعلق بتوقيت النطق بالأحكام، من المبكر تحديد موعد دقيق، لأن هذا النوع من القضايا، بحكم طبيعته وتعقيده، يخضع لمسار إجرائي قد يمتد لعدة جلسات، تشمل عرض الأدلة وسماع الشهود وتمكين الدفاع من ممارسة حقوقه كاملة.
وأوضح أنه في القضايا المرتبطة بانتهاكات جسيمة، لا يكون عامل الزمن مؤشراً سلبياً بحد ذاته، بل قد يكون ضمانة لعدالة الإجراء، وبالتالي فإن الأهم من التوقيت هو توافر معايير المحاكمة العادلة، وفي مقدمتها استقلال القضاء وعلنية الجلسات وحق الدفاع وتكافؤ الفرص بين الأطراف وتسبيب الأحكام بشكل واضح، وهي مبادئ تكرّسها المعايير الدولية التي تعتمدها الأمم المتحدة وتشكل أساس أي محاكمة ذات مصداقية.
وأشار إلى أن ما يطرح حول أن هذه المحاكمات ليست سوى بداية لمسار طويل، فهو توصيف دقيق وواقعي، فنحن أمام ملف ضخم ومعقّد لا يمكن اختزاله بمحاكمة عدد محدود من الرموز مهما كانت أهميتهم، وبالتالي فإن العدالة في هذا السياق لا تعني فقط إصدار أحكام، بل تشمل أيضاً كشف الحقيقة وجبر ضرر الضحايا وإصلاح المؤسسات وضمان عدم التكرار.
وأكد على أنه لا ينبغي أن يتحول طول المسار إلى مبرر لإبطائه أو تفريغه من مضمونه، إذ أن التحدي الحقيقي هو تحقيق توازن دقيق بين عدالة متأنية تضمن الحقوق وعدالة فعّالة لا تفقد زخمها.
واعتبر أن محاكمة الرموز تمثل خطوة مهمة، لأنها ترسل رسالة واضحة بأن المساءلة ممكنة، لكنها تظل خطوة ضمن مسار أوسع يجب أن يتسع ليشمل مستويات مختلفة من المسؤولية.
تقييم أولي وثغرات إجرائية
بحسب مراقبين، فإن الجلسات الأولى في مثل هذه القضايا عادة ما تكون اختباراً أولياً لصلابة الملف من الناحية الإجرائية، وقد تكشف عن ثغرات تتعلق بترتيب الأدلة أو توصيف التهم وآليات الربط بين المتهمين والأفعال المنسوبة إليهم.
وتطرح في ذا السياق إشكالية دمج المتهمين بين أدوار مختلفة مثل التحريض والاشتراك والتدخل في عمليات القتل، وهي توصيفات قانونية تختلف في طبيعتها من حيث مستوى المسؤولية والعقوبة، ما يجعل التدقيق في التفريق بينها ضرورة أساسية قبل إصدار أي حكم.
وتتباين التعريفات حول مصطلح “رموز النظام”، إذ يشير البعض إلى القيادات السياسية والأمنية والعسكرية العليا، بينما يرى آخرون أن دائرة المسؤولية يجب أن تشمل مستويات أوسع من المنفذين والمخططين والموظفين المرتبطين بسلسلة القرار.
وفي المقابل، يطرح القانونيون سؤالاً أكثر تعقيداً: أين تنتهي مسؤولية الرمز وتبدأ مسؤولية العنصر أو المُنفذ المباشر؟ وهل يمكن مساواة من أصدر قراراً ومن نفذه في تهيئة بيئة التنفيذ؟
وتثار أيضاً تساؤلات حول الجهة القضائية المختصة، ولا سيما ما إذا كانت محكمة الجنايات كافية للتعامل مع هذا النوع من القضايا، أم أن الأمر يتطلب محاكم استثنائية أو آليات خاصة ضمن مسار العدالة الانتقالية.
تقول جهات حكومية، إن هذه المسارات ليست سوى البداية، ما يعزز الانطباع بأن الملف قد يمتد لسنوات طويلة، وهو ما يراه خبراء أمراً طبيعياً بالنظر إلى حجم الانتهاكات وتعقيد الوقائع وتعدد مستويات المسؤولية.
لكن هذا الطول لا يعني تعطيل العدالة، بل على العكس فإن طبيع العدالة الانتقالية التي لا تقتصر على إصدار الأحكام، بل تشمل الحقيقة وجبر الضرر وإعادة بناء الثقة بالمؤسسات.
إشكالية الاعترافات
تطرح بعض القضايا الفردية مثل تصريحات مهتمين في ملفات بارزة كـ “قضية أمجد يوسف” الملقب بـ “مجرم حي التضامن”، أو ملف “عاطف نجيب” ابن خالة رئيس النظام السابق بشار الأسد، إشكالية قانونية حساسة، خصوصاً عندما يدّعي المتهم تنفيذ أفعال دون تلقي أوامر.
وفي هذا السياق، يحذر قانونيون من تحويل القضية إلى جرم فردي معزول، إذ إن طبيعة الجرائم واسعة النطاق، غالباً ما ترتبط بسياقات مؤسسية أو هرمية معقدة، ما يستدعي تتبع سلسلة القرار وليس الاكتفاء باعترافات منفردة.
من جهته، يشير رديف مصطفى، رئيس إدارة المساءلة وعضو الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية في حديثه لـ”المدن”، إلى أن توقيت الأحكام مرتبط بطبيعة كل ملف وحجم الأدلة والإجراءات القضائية المرتبطة به، مؤكدا أنه لا يوجد إطار زمني محدد.
وقال مصطفى: “إن توقيت صدور الأحكام مرتبط بطبيعة كل ملف وحجم الأدلة والإجراءات القضائية المرتبطة به، لذلك لا يمكن تحديد إطار زمني موحد لجميع القضايا، وما يجري العمل عليه هو ضمان أن تتم هذه المحاكمات وفق معايير قانونية واضحة، تراعي أصول المحاكمات العادلة، وحقوق الضحايا، وحق الدفاع، واستقلال القضاء، إضافة إلى الاعتماد على أدلة موثقة وقابلة للاعتماد القضائي”.
وأضاف: “كما أن طبيعة الجرائم والانتهاكات الجسيمة المرتكبة تفرض مستوى عالياً من التدقيق القانوني، نظراً لحساسية هذه الملفات وأثرها الكبير على المجتمع السوري”.
وأكد على أن: “العدالة الانتقالية ليست مرتبطة فقط بمحاكمة عدد من الشخصيات، بل هي مسار شامل ومعقّد يتضمن آليات غير قضائية أيضا يتعامل مع إرث واسع من الانتهاكات والجرائم التي تراكمت على مدى سنوات طويلة”.
ولفت إلى أن: “المحاسبة تمثل جزءاً أساسياً من هذا المسار، لكنها ليست الجزء الوحيد، إذ يشمل أيضاً كشف الحقيقة، وإنصاف الضحايا، وجبر الضرر، والإصلاح المؤسسي، وضمان عدم التكرار وتخليد الذكرى وبالتالي بناء السلام”.
وختم بالقول: “لذلك نعم، نحن أمام ملف كبير يحتاج إلى وقت وجهد وعمل مؤسسي متدرّج، لأن الهدف ليس فقط إصدار أحكام، بل بناء مسار عدالة مستدام يعيد الثقة بالقانون والمؤسسات، ويؤسس لاستقرار حقيقي قائم على الحقوق والمساءلة”.
ووسط كل ذلك، وفي ظل التعقيدات القانونية وتعدد مستويات المسؤولية وتباين أدوات العدالة بين المحلي والدولي، يبدو أن ملف محاكمة رموز النظام السابق في سوريا ليس مجرد قضية قضائية تقليدية، بل مسار طويل ومعقد يتداخل فيه القانوني بالسياسي والحقوقي.






















