قال شابّ من ريف حلب إنّ يوم اعتقال أمجد يوسف كان أهمّ يوم في حياته بعد سقوط نظام الأسد. لم يكن الشابّ من التضامن، ولا يعرف الحفرة التي ابتلعت ضحاياها، لكنّه يعرف المعنى نفسه: الخوف والموت والرعب. الغالب أنّ وعي ذلك الشابّ تشكّل وهو يرى البراميل المتفجّرة تتساقط فوق رأسه وأهله وقريته.
في نيسان 2013، صوّر عنصر في الدفاع الوطنيّ قتلاً منظّماً ومتكرّراً: ضحايا معصوبي الأعين، مقيّدي الأيدي، يُقادون إلى حفرة أُعدّت مسبقاً، ثمّ يُقتلون بالرصاص وتُحرق جثثهم لإخفاء الأثر. كلّ شيء كان محضّراً: الحفرة، الإطارات، المازوت، الجرّافة، والكاميرا، وكأنّ المكان مسرح جريمة مكتمل الأدوات، وما يحدث ليس ردّة فعل غاضبة.
تدلّ هيئة الضحايا على أنّهم لم يكونوا معتقلين قدامى خرجوا من أقبية التعذيب، بل معتقلون حديثو الاعتقال، جرى توقيفهم على عجل في الحيّ أو عند الحواجز القريبة. تعزّز ثيابهم النظيفة والمرتّبة وغياب آثار الهزال والتعذيب الطويل أنّ القتل لم يكن نهاية مسار قضائيّ أو أمنيّ، بل إعدامات ميدانيّة لأشخاص صُنّفوا مسبقاً أعداءً محتملين.
بعد احتجازه، أصرّ “القاتل” أمجد يوسف في لقائه المصوّر مع وزير الداخليّة السوريّ على ما سبق أن تحدّث به للباحثة السوريّة أنصار شحّود، التي قادت فريق “قرابين التضامن”: ما فعله كان انتقاماً لمقتل شقيقه الأصغر نعيم يوسف، الذي قُتل بقذيفة هاون في معارك إدارة الدفاع الجوّيّ مطلع عام 2013.
تدلّ هيئة الضحايا على أنّهم لم يكونوا معتقلين قدامى خرجوا من أقبية التعذيب، بل معتقلون حديثو الاعتقال، جرى توقيفهم على عجل في الحيّ أو عند الحواجز القريبة
الجلّاد داخل المؤسّسة
شدّد أمجد يوسف، في مقابلته المقتضبة التي بثّتها وزارة الداخليّة، على أنّه قتل من دون أوامر مباشرة من رؤسائه، ويقول إنّ تحميل القيادة المسؤوليّة قد يخفّف عن كاهله، لكنّه يفضّل أن يتحمّل كامل المسؤوليّة. غير أنّ هذا لا يبرّئ المؤسّسة، فغياب الأمر المباشر لا يعني غياب البنية التي سمحت وحمت وبرّرت ووفّرت الأدوات. بل إنّ بقاءه على رأس عمله في شعبة الاستخبارات العسكريّة بعد تسريب الفيديوات وما نشرته الصحافة يعني أنّ المؤسّسة الأمنيّة تعاملت معه كأحد عناصرها المحميّين.
من الجانب السيكولوجيّ، لا يظهر أمجد قاتلاً فرديّاً فقط، بل هو نتاج تداخل بين انتقام شخصيّ وهشاشة تسعى إلى الاعتراف داخل المؤسّسة، وبنية أمنيّة تمنح الحصانة والحماية لعناصرها، فالقتل ليس انحرافاً عن وظيفة الفرع، بل أحد أشكالها القصوى.
ليس الشريط المصوّر الذي نُشر قبل أعوام سوى جزء من 27 شريطاً جرى تحليلها ضمن تحقيق “قرابين التضامن”. بلغ عدد القتلى في هذه الموادّ 288 ضحيّة مدنيّة، بينهم أطفال ونساء موزّعون على أربع حفر.
في المقطع الرئيس المتداوَل وحده، أُعدم 41 شخصاً في يوم واحد، بتاريخ 16 نيسان 2013. تذكر المادّة أنّ الضحايا قُتلوا جميعاً بإطلاق النار، باستثناء رجل كبير في السنّ قتله أمجد يوسف ذبحاً. تُظهر التسجيلات نساءً وأطفالاً قُتلوا أو جرى الحديث عنهم بوصفهم امتداداً عقابيّاً لأسرهم.
يُعدّ الفرع 227 في الاستخبارات العسكريّة، الذي ينتمي إليه أمجد يوسف، الفرع المسؤول أمنيّاً عن حيّ التضامن والأحياء المجاورة، وفق تقسيم المهمّات الأمنيّة في العاصمة.
التحق أمجد يوسف بالفرع عام 2006، وهو في العشرين من عمره، وهناك تَشكّل داخل واحدة من أقسى المؤسّسات الأمنيّة في سوريا، شعبة الاستخبارات العسكريّة، حيث يُعاد تعريف البشر والوطن والعدوّ والصديق، وتُدرَّب العناصر على الطاعة الصارمة، وعلى النظر إلى أنفسهم بوصفهم صفوة الجهاز الأمنيّ.
ليس الشريط المصوّر الذي نُشر قبل أعوام سوى جزء من 27 شريطاً جرى تحليلها ضمن تحقيق “قرابين التضامن”
العنف أداة ضروريّة؟!
في هذا السياق، لا يُقدَّم العنف خياراً أخلاقيّاً، بل أداة “ضروريّة” ضمن وظيفة أمنيّة، حيث تُستبدل أسماء المعتقلين بالأرقام، ويُختزل الأشخاص إلى فئات مشتبه بها أو معادية.
مع اندلاع الثورة السوريّة، وانتقال جزء كبير من عمل الاستخبارات إلى المدن والأحياء، صار العنف أكثر مباشرة وأقلّ خضوعاً لأيّ رادع. داخل هذه البيئة، تحوّل القتل المباشر إلى فعل يوميّ تحميه الأفرع الأمنيّة وتبرّره القيادة المتسلسلة، بما يجعل الجريمة نتاجاً لمؤسّسة لا لفرد منفلت فقط.
في التضامن، صُنّف الضحايا كأعداء. على الرغم من أنّ غالبيّة القتلى كانوا من خلفيّة سنّيّة، مع مؤشّرات إلى وجود عدد من المعارضين الإسماعيليّين بينهم، يشير ذلك إلى أنّ العنف لم يكن مذهبيّاً خالصاً، بل عنف مركّب يقوم على تداخل الهويّة المذهبيّة بالاشتباه السياسيّ.
لا تظهر الطائفيّة هنا كسؤال مباشر عن المذهب، بل كطريقة في تصنيف الناس قبل قتلهم. لقد استخدم نظام الأسد هويّات فرعيّة واتّهاميّة لتنميط المحتجّين والبيئات المعارضة، فقسّمهم إلى سنّة، مندسّين، عراعير، إرهابيّين، أو “حاضنة” معادية.
بهذا المعنى، كانت طائفيّة القتل كامنة في آليّة التصنيف نفسها، وفي المؤسّسة التي حوّلت هذا التصنيف إلى ممارسة. لا تُقتل الضحيّة لأنّها ارتكبت فعلاً مثبتاً، بل لأنّها أُلحقت بفئة متخيّلة. حين تتحوّل التسمية إلى إدانة، والإدانة إلى رخصة قتل، وتتكفّل المؤسّسة بالحماية والتنفيذ، نكون أمام عنف طائفيّ-سياسيّ منظّم، لا أمام جريمة فرديّة عابرة.
ذاكرة الحفرة
بالتزامن مع حالة الاستقطاب الطائفيّ الشديدة في سوريا، وخصوصاً بعد انتشار فيديوات لأطبّاء في المستشفيات العسكريّة وهم يعذّبون المرضى، ثمّن السوريّون ما قام به فريق بحث “قرابين التضامن”، الذي حقّق وكشف تفاصيل مجازر التضامن. تكوّن الفريق من باحثين من خلفياّت علويّة ودرزيّة وإسماعيليّة، بما يكسر فكرة أنّ كشف الجريمة استهداف لطائفة بعينها.
رُدمت حفرة التضامن الرئيسة، وصُبّ الإسمنت فوقها، فيما بدأت الحياة تتدرّج حول المكان كأنّ شيئاً لم يكن. لكنّ ردم الحفرة لا يلغي رمزيّتها، ولا يمحو ما ابتلعته من ضحايا. لذلك تقع على عاتق هيئة العدالة الانتقاليّة مسؤوليّة حفظ ذاكرة المكان، لا بوصفه موقع جريمة فحسب، بل بوصفه شاهداً على واحدة من أشنع جرائم النظام السوريّ ضدّ المدنيّين العزّل. إقامة نصب تذكاريّ للضحايا خطوة ضروريّة، كي لا يتحوّل الإسمنت إلى طبقة نسيان فوق الجريمة.
- أساس ميديا






















