تشهد الساحة السورية السياسية في هذه الأيام تباينًا واضحًا في مواقف الرأي العام تجاه الدعوات إلى الاحتجاج والتظاهر وغيره للاعتراض على السياسات الاقتصادية والسياسية الراهنة للحكومة السورية، فبينما يرى البعض في هذه الدعوات تعبيرًا مشروعًا عن حق سياسي ناضلوا عشرات السنوات في الحقبة الأسدية من أجل الوصول اليه، يعتبرها آخرون خطوة غير ملائمة في توقيت حساس قد تخدم فلول النظام الأسدي البائد، مفضلين تأجيلها إلى حين استعادة الاستقرار الأمني وبناء الدولة السورية، غير أن هذا الطرح عند إخضاعه لتحليل سوسيولوجي وسياسي، يكشف عن قصور في فهم طبيعة العلاقة بين الدولة والمجتمع، إذ يُختزل مفهوم المعارضة بوصفه ترفًا سياسيًا، بينما هو في جوهره أحد الشروط البنيوية لشرعية أي نظام سياسي وطني قابل للاستمرار.
في السياق النظري لا يمكن تصور مجتمع من دون اختلافات في المصالح والرؤى السياسية والاقتصادية، بل إن هذا الاختلاف يشكل محركًا أساسيًا للتطور الاجتماعي والسياسي. الاختلاف، بهذا المعنى، ليس حالة مرضية مفككة للدولة والمجتمع كما كان يدعي أنصار النظام الأسدي البائد وبعض القلقين على استقرار النظام السياسي الحالي، بل ظاهرة طبيعية تُدار عبر آليات قانونية وسياسية، من أبرزها وجود المعارضة ممارسة دورها استنادًا إلى هذه الأليات القانونية، فهي الإطار الذي تنتقل من خلاله التوترات والاختلافات الاجتماعية والسياسية إلى المجال العام بشكل منظم وقانوني، بدل أن تتخذ أشكالًا عشوائية أو عنيفة خارج مؤسسات الدولة.
تؤكد الأدبيات الكلاسيكية في علم الاجتماع السياسي، كما عند عالم الاجتماع ماكس فيبر، أن شرعية السلطة لا تُبنى على احتكار القوة، بل على قبول المجتمع بها، وهذا القبول لا يتحقق إلا بوجود فضاء قانوني يشرعن ويسمح بالنقد والمساءلة. فحين يشعر المواطنون بإمكانية التعبير عن آرائهم السياسية وغيرها بحرية، حتى المعارضون منهم يتعزز شعورهم بالانتماء إلى النظام السياسي الحالي، ما يرسخ استقراره بدل أن يهدده بالتفكك.
وفي الإطار نفسه، يرى الفيلسوف يورغن هابرماس أن شرعية الدولة الحديثة تقوم على وجود فضاء عمومي مفتوح للنقاش الحر، حيث تتشكل الإرادة الجماعية عبر الحوار لا الإكراه. ووفق هذا التصور، تمثل المعارضة عنصرًا أساسيًا في هذا الفضاء، إذ تمنع احتكار الحقيقة وتفتح المجال لتعدد الرؤى، بما يعزز ديناميكية الحياة السياسية.
عند إسقاط هذه المقاربات على الحالة السورية، تتضح أهمية وجود المعارضة بشكل أكثر إلحاحًا. فالمجتمع السوري، بتنوعه الاجتماعي والثقافي والاقتصادي، ينتج بطبيعته تباينات في المصالح والتصورات حول قضايا الحكم والتنمية. وعندما تُغلق القنوات التي تتيح التعبير عن هذا التنوع، لا تختفي التوترات، بل تتراكم إلى أن تنفجر في لحظات حرجة.
لقد أظهرت التجربة السورية قبل عام 2011 أن غياب المعارضة السياسية الفاعلة لم يؤدِّ إلى استقرار حقيقي كما كان يدعي النظام الأسدي البائد، بل إلى تراكم أزمات كامنة. إذ أدى احتكار المجال السياسي إلى انقطاع قنوات التواصل بين الدولة والمجتمع، ما دفع الخلافات إلى الظهور خارج الأطر المؤسسية. وعليه، لم يكن غياب المعارضة عامل استقرار، بل أحد أسباب الهشاشة البنيوية التي ظهرت لاحقًا.
تؤدي المعارضة من منظور سوسيولوجي وظيفة ” صمام الأمان”، حيث تتيح تفريغ التوترات والاختلافات داخل المجال السياسي وتحويلها إلى عملية تفاوض مستمرة. وعندما تكون مؤسسية وفاعلة، فإنها تحدّ من نزعة السلطة إلى الانغلاق، وتدفعها إلى مراجعة سياساتها. أما في غيابها، فإن المجال السياسي يضيق، وتزداد احتمالات الانفجار أو الانكفاء الاجتماعي والسياسي.
ومن الضروري التمييز بين الدولة والسلطة، وهو تمييز غالبًا ما يغيب في الخطاب السياسي لدى معظم السوريين. فالدولة تمثل الإطار المؤسسي الجامع، بينما تعبر السلطة عن نمط إدارة هذا الإطار في مرحلة زمنية محددة. وعليه، فإن معارضة السلطة لا تعني معاداة الدولة، بل قد تكون تعبيرًا عن الحرص على حمايتها وتطويرها. إن الخلط بين المفهومين يؤدي إلى نزع الشرعية عن المعارضة، وتحويلها إلى تهديد، وهو ما يضعف الدولة بدل أن يحميها.
غير أن ضعف المعارضة في سوريا، وعدم تقبلها من قبل بعض السوريين في الوقت الراهن لا يمكن فصله عن الإرث التاريخي للإقصاء السياسي، حيث أدى احتكار العمل السياسي من قبل النظام البائد لعقود إلى تهميش الفاعلين المختلفين، وإضعاف الثقافة السياسية القائمة على التعدد والحوار، ومع اندلاع الثورة عام 2011، برزت الحاجة إلى إعادة بناء المجال السياسي، إلا أن هذه العملية واجهت تحديات كبيرة، من بينها استمرار أنماط التفكير الإقصائي، سواء داخل السلطة البائدة أو لدى بعض قوى المعارضة.
رغم هذه التحديات، تبقى المعارضة ضرورة لا غنى عنها في أي مسار لإعادة بناء الدولة السورية. فهي ليست مجرد أداة لمنافسة السلطة، بل فضاء لإنتاج البدائل، وآلية لتعزيز المشاركة السياسية، ومختبر لتطوير الأفكار والسياسات. كما تسهم في بناء وعي مدني يعزز دور المواطن كفاعل في الشأن العام، بدل أن يبقى متلقيًا سلبيًا.
إلا أن الإشكالية لا تكمن في وجود المعارضة بحد ذاتها، بل في طبيعة ممارستها. فالمعارضة، في إطار النظم السياسية التعددية، ليست هوية ثابتة، بل مرحلة سياسية ترتبط بخروج فاعل معين من السلطة، وهي في جوهرها، لحظة مراجعة ونقد ذاتي، تهدف إلى إعادة بناء الرؤية السياسية وتقديم بدائل قابلة للتطبيق. وعندما تتحول إلى تموضع دائم قائم على المعارضة والاعتراض فقط، تفقد وظيفتها، وتتحول إلى جزء من بنية تعيد إنتاج ذاتها من دون تقديم حلول.
إن الاكتفاء بالنقد من دون بناء مشروع سياسي واقتصادي بديل يحوّل المعارضة إلى موقع مريح أخلاقيًا، لكنه غير منتج سياسيًا. فالسياسة لا تقتصر على الاعتراض والاحتجاج وغيره، بل تقوم على تقديم رؤى وبرامج وأدوات اقتصادية وسياسية قابلة للتحقق. ومن هنا، فإن أي فاعل سياسي لا يتجاوز موقع المعارضة نحو بناء مشروع وطني واضح، يبقى أسير دور ناقص لا يرقى إلى الفعل السياسي الوطني المكتمل.
في ضوء ذلك، يصبح من الضروري إعادة تعريف المعارضة في السياق السوري، ليس بوصفها نقيضًا للسلطة، بل كجزء من عملية سياسية أوسع تهدف إلى إدارة الاختلاف وإنتاج البدائل. فالمجتمعات التي تسمح بتعدد الأصوات تكون أكثر قدرة على التكيف مع الأزمات، لأنها تمتلك آليات داخلية لتصحيح المسار. أما تلك التي تقصي المعارضة، فإنها تفقد هذه القدرة، وتصبح أكثر عرضة للجمود أو الانفجار.
في المحصلة، لا يمكن تحقيق استقرار مستدام في سوريا دون الاعتراف بالدور البنيوي للمعارضة، وإعادة دمجها ضمن إطار مؤسساتي يضمن فاعليتها ومسؤوليتها. فالمعارضة ليست ترفًا سياسيًا يمكن تأجيله، بل ضرورة وطنية تعكس حيوية المجتمع وقدرته على تنظيم ذاته. والسؤال لم يعد يتعلق بوجودها من عدمه، بل بكيفية بنائها على أسس قادرة على إنتاج بدائل واقعية، والمساهمة في إعادة صياغة العلاقة بين الدولة والمواطن على قاعدة الثقة والمشاركة.
- تلفزيون سوريا


























