من الخطأ الشائع في الحوارات التي تتناول الوضع السوري الهش النظر إلى الهشاشة والعجز الراهنين بصفتهما نتائج عرضية لسنوات الصراع التي التهمت الأخضر واليابس ودمرت العمران والإنسان، لكن لو تتبعنا مسارات الوقائع سنلمس بشكل غير خفي أن الوضع الذي تدور فيه الحالة السورية هو نتيجة سياسات تعمل بشكل منهجي لإبقاء الوضع السوري في هذه الحلقة المعيبة وعدم إتاحة الفرصة لها للنهوض، كل ذلك لخدمة أجندات دولية وإقليمية لا تريد لسوريا انهياراً كاملاً ولا سيادة للفوضى كما أنها لا تريد لها أن تعود دولة متماسكة مستقرة.
المطلوب في هذه المرحلة أن تكون سورية دولة تراوح بين حدي الفشل والاستقرار، دولة منقوصة السيادة وعاجزة عن حماية حدودها من العدو الرئيسي “إسرائيل” التي لا تفتأ تنتهك السيادة السورية في الجنوب وتضرب هنا وهناك متى أرادت، وهذا يعني كنتيجة لازمة أن الشعب السوري نال حريته من حاكمه المستبد لكنه لم يسترد أمنه ولا سبيله إلى إعادة البناء الذي يشكل التحدي الأكبر للعيش الكريم.
هذه الهشاشة المتعمدة تبقي الوضع السوري رهينة لثلاث عقبات بآن واحد، ورقة ضغط يمكن استثمارها كل حين، وميدان مفتوح لصراع النفوذ، وعِلَّةً دائمة للتدخل الخارجي حين تستدعي الضرورة.
تبقي الهشاشة المتعمدة الوضع السوري رهينة لثلاث عقبات بآن واحد، ورقة ضغط يمكن استثمارها كل حين، وميدان مفتوح لصراع النفوذ، وعِلَّةً دائمة للتدخل الخارجي حين تستدعي الضرورة.
معلوم أن اللاعب الرئيسي في الشأن السوري هو الولايات المتحدة الأميركية التي تحرص على احتواء الوضع واستمرار التحكم الغير مباشر فيه بعيدا عن أي خطوة جادة للحل، فهي مع قدرتها الكاملة على التحكم بقرار قسد إلا أنها لم تبادر إلى حل جدي يساهم في بسط السيادة على كامل التراب السوري وغضت الطرف عن عشرات الانتهاكات التي ترتكبها قسد في الشمال السوري.
تتمحور المصالح الأميركية في سورية حول نقاط رئيسية أهمها، تحجيم النفوذ الروسي والإيراني دون اللجوء إلى مواجهة عسكرية مباشرة، وإبقاء شراكتها في شرق الفرات مع قوات سوريا الديمقراطية، وهي بهذا تحافظ على ورقة ضغط تستخدمها في مواجهة الحكومة السورية القائمة وتركيا وإيران، كذلك منع ظهور قوة إقليمية وازنة سواء كانت حكومة سورية موحدة تبسط سيطرتها على كامل أراضيها، أو حضورا تركيا يشكل عائقاً للتجاوزات الإسرائيلية المتكررة.
المصالح الروسية التي لم تحسم بعد فقد ثابرت روسيا على مدى عشر سنوات أو أكثر على إنقاذ النظام عسكريا دون أدنى تفكير في إعادة تأهيله اقتصاديا أو سياسيا وهذا لم يكن عجزا في السياسة الروسية، بل هو خيار مدروس ومنسجم مع مصالحها، فهشاشة الوضع السوري المستمر حتى يومنا هذا يمنح روسيا قاعدة نفوذ مجانية في حميميم وطرطوس دون أن تلتزم بمشروع إعمار على نمط مشروع مارشال الذي سيرهق اقتصادها المرهق أصلاً، كما يمنحها ورقة تفاوضية مع المصالح الغربية في الحرب مع أوكرانيا ومع ملف العقوبات. كما أنها تستخدم هذا النموذج في تناول الملف السوري في توجيه رسائل سياسية إلى دول أفريقية وأخرى في آسيا الوسطى مفادها أن روسيا تستطيع الفعل حين تريد الدفاع عن حلفائها وإنقاذ أنظمتهم المهددة بالسقوط.
المصالح التركية أكثر تعقيداً، فهي في جانب تتضرر من استمرار الهشاشة في المشهد السوري بسبب الأزمة التي تفرضها مسألة تدفق اللاجئين والبيئة التي يتمدد فيها نفوذ حزب العمال الكردستاني وحلفائه، بذات الوقت تتيح الورقة الكردية مبررات كافية للحضور العسكري الذي يحول دون قيام نفوذ أو مشروع كردي متماسك على حدودها الجنوبية، كما تتيح ورقة أكثر من ثلاثة ملايين لاجئ سوري في أراضيها فرصة مستمرة للضغط على أوروبا.
المصالح الإيرانية بالرغم من الانحسار شبه التام لحضور الميليشيات والحرس الثوري الإيراني من الساحة السورية إلا أنها لا تدخر جهداً في إثارة القلاقل على الحدود اللبنانية عبر أداتها “حزب الله” وستبقى تسعى إلى الحفاظ على ممر بري إلى لبنان الأمر الذي يقتضي استمرار الهشاشة في المشهد السوري.
المصلحة الإسرائيلية العليا وربما تكون بيضة القبان في الموقف الأميركي الذي يعتبر قضية أمن إسرائيل ومصالحها مقدمة على أي اعتبار، بما في ذلك المصالح الاستراتيجية الأميركية، وقد عملت بشكل سريع ومدروس بعناية على ضرب البنية العسكرية السورية فور هروب بشار الأسد وسقوط نظامه، وعزز من هذا غياب الجيش السوري إثر حله بشكل تعسفي وأصبح حلم إعادته أقرب إلى المستحيل وصار لزاما على سوريا كدولة خارجة من حرب طويلة وتعاني من عجز مالي كبير أن تقبل بكونها دولة منزوعة السلاح وما تزال إسرائيل تمارس انتهاكاتها المهينة بغية إيصال الإدارة السورية القائمة إلى القبول بأية تسوية تعصمها من استمرار الانتهاكات والاعتداءات المستمرة.
المصالح المتصارعة أو المتنافسة في الساحة السورية لا تغفل دور الفاعلين السوريين كشركاء في تعزيز الهشاشة بل في استمرارها لما لهذا الوضع المخلخل من فرص ذهبية لتجار الحروب والأزمات
هذه المصالح المتصارعة أو المتنافسة في الساحة السورية لا تغفل دور الفاعلين السوريين كشركاء في تعزيز الهشاشة بل في استمرارها لما لهذا الوضع المخلخل من فرص ذهبية لتجار الحروب والأزمات. فالمجموعات العسكرية والأمنية إنما تستمد مبرر وجودها وشرعيتها من خلال بقاء سيف الفوضى مسلطا على الشارع السوري عامةً، كذلك شبكات الاقتصاد الريعي التي تتحكم إلى اليوم في تهريب المخدرات ومشاريع إعادة الإعمار على النطاق المحدود والذي يتيح لهم تبييض أموالهم وإدخالها في الدورة المالية المأزومة أصلاً.
فوق كل هذا تجثم على صدور السوريين تركات تزيد من معاناتهم فهناك جيش هائل يعد بالملايين من الذين مروا بتجربة الاعتقال وخرجوا منها بندوب جسدية ونفسية، إضافة لجيل كامل من الأطفال الذين أُعيد تشكيلهم في أسوأ شروط وبات شطر كبير منهم من ضحايا الإدمان والعمل خارج أُطر القانون وخارج مؤسسات التعليم الوطنية، وذاكرة جماعية منكسرة يصعب تحديد إطار زمني قريب لمعالجتها والنجاة من عقابيلها، إضافة إلى أجيال من المهجرين والمتوزعين في دول أوروبية شتى يعيشون بين حدي التطرف والذوبان في تلك المجتمعات المضيفة، الأمر الذي يعزز الهشاشة المجتمعية. يبقى الفرق بين الهشاشة بالمعنى السياسي والهشاشة بالمعنى الاجتماعي كحالة إنسانية أن الأولى تخدم مصالح دول وقوى خارجية بينما تنتج الثانية ضحايا لا يأبه لهم أحد.
يزداد المشهد تعقيدا وربما يقترب من استحالة وجود حل عاجل بفعل ثلاثة عوامل أولها استحالة ولادة حل يرضي جميع الأطراف الخارجية بسبب التناقض الحاد بين مصالحها، ثانيها صعوبة استعادة الدولة لدورها المركزي والفاعل دون المرور بمرحلة انتقالية طويلة، ثالثها غياب إمكانية تحقيق عدالة انتقالية معزز بقرار محاسبة دولية. سيستمر الوضع السوري نهبة لتضارب المصالح الدولية والإقليمية إلى أن ينشأ وضع جديد تلتقي فيه تلك المصالح أو تخضع بعضها لقوة الأقوى، وإلى ذلك الحين ليس أمام السوريين إلا التكيف المستمر والجهد المقاوم لهذه الهشاشة التي تحاول الظهور بلبوس القدر الذي لا منجاة منه.
يزداد المشهد تعقيدا وربما يقترب من استحالة وجود حل عاجل بفعل ثلاثة عوامل أولها استحالة ولادة حل يرضي جميع الأطراف الخارجية بسبب التناقض الحاد بين مصالحها، ثانيها صعوبة استعادة الدولة لدورها المركزي والفاعل دون المرور بمرحلة انتقالية طويلة، ثالثها غياب إمكانية تحقيق عدالة انتقالية معزز بقرار محاسبة دولية
- تلفزيون سوريا

























