أمجد يوسف، سفاح حيّ التضامن، في قبضة العدالة. عاطف نجيب، رئيس فرع الأمن السياسي في درعا عند اندلاع الثورة وابن خالة بشار الأسد، خلف القضبان يُحاكم. العميد عدنان حلوة، أحد المسؤولين عن مجزرة الكيماوي في الغوطة عام 2013، أُلقي القبض عليه. لقد بدأ مسار العدالة الانتقالية في سوريا.
مسارٌ أثار جدلاً قانونياً في البلاد، وارتياحاً شعبياً؛ فبعد أكثر من مليون ضحية خلال 14 عاماً من الثورة، استشعر السوريون نوعاً من الخلاص برؤية مسؤولين عن قتل أبنائهم يُحاكمون، بينما انقسمت آراء الحقوقيين بين من رأى أن المسار لا تشوبه شائبة، ومن رأى أن القوانين السورية لا تُلحِظ جرائم الحرب، وبالتالي كان من الأفضل تأجيل المحاكمات إلى أن يلتئم المجلس التشريعي ويسنّ قوانين تتعلق بهذا المسار.
وفي وقتٍ كان الجدل حول مسار العدالة الانتقالية يأخذ الحيّز الأكبر من نقاشات السوريين، بدأت تتسرّب فيديوهات، أو يُعاد نشر فيديوهات، لجرائم لم يعرف مثلها التاريخ الحديث: تعذيب، واغتصاب، وسرقة أعضاء معتقلين بكل دمٍ بارد؛ جرائم شارك فيها أطباء، كما عناصر أمنٍ وجيش في زمن الأسد.
في الأشهر الأولى للثورة، كان نظام الأسد يُسرّب بنفسه فيديوهات لانتهاكاتٍ تقوم بها عناصره، وكان يتقصّد أن تكون جميع الفيديوهات المُسرّبة لعناصر يتحدثون بلهجة الطائفة العلوية، في محاولةٍ لتحويل مسار الثورة من ثورةٍ من أجل الحرية والكرامة إلى نزاعٍ طائفيّ مسلّح. لم يكن هناك أي شك في أن الأسد هو المسؤول عن التسريبات؛ إذ لم يكن ممكناً لأي مواطن سوري أن يقف على مسافةٍ قريبة ويلتقط صوراً وفيديوهات بدقةٍ عالية، بينما عناصر الجيش والأمن تضرب وتُهين وتُعذّب المدنيين، ويتقصّدون توجيه خطابٍ طائفي.
تذكّرت، مع إعادة نشر فيديوهات التعذيب، المرحلةَ الأولى من الثورة، وكيف كانت تُسرّب فيديوهات إهانة وتعذيب المدنيين.
اليوم، وقد بدأ مسار العدالة، وبدأ السوريون برؤية بعض من شارك في قتلهم وتعذيبهم خلف القضبان، أثار موضوع نشر الفيديوهات بعض الريبة؛ ليس لأن أحداً ممن انخرطوا في الثورة قد نسي ما حلّ بالسوريين، ولكن لأن هذه التسريبات أعادت، مجدداً، الاحتقان الطائفي في سوريا إلى مستوياتٍ مرتفعة.
اليوم، وقد بدأ مسار العدالة، وبدأ السوريون برؤية بعض من شارك في قتلهم وتعذيبهم خلف القضبان، أثار موضوع نشر الفيديوهات بعض الريبة؛ ليس لأن أحداً ممن انخرطوا في الثورة قد نسي ما حلّ بالسوريين، ولكن لأن هذه التسريبات أعادت، مجدداً، الاحتقان الطائفي في سوريا إلى مستوياتٍ مرتفعة
إن رحلة التعافي التي بدأتها سوريا لا تتفق مع إثارة النعرات الطائفية، ومسار العدالة لا يتوافق مع دعوات الثأر، فكيف إذا كانت هذه الدعوات تريد الثأر من جميع أبناء الطائفة العلوية، لا من المرتكبين فحسب، ولا من المرتكبين بمختلف طوائفهم؟
حالة الغضب التي يشعر بها أهالي الضحايا والمفقودين محقّة، وحالة الصدمة عند فئةٍ لم تكن تعلم حقيقة ما كان يحصل في البلد خلال سنوات الثورة مفهومة؛ لكن غير المفهوم وغير المقبول هو أن تصدر دعوات للانتقام، لا من المجرم فحسب، بل أيضاً من عائلته وبيئته وقريته.
هل من داعٍ للتذكير بأن من استفاد من التسريبات في بداية الثورة هو المستفيد الأول اليوم من إعادة نشر الفيديوهات؟ وهل من داعٍ للقول إن أي اقتتالٍ طائفي لن تستفيد منه سوريا الجديدة ولا حكومتها؟ يحتاج المرء، في بعض الأحيان، رغم كل الألم والظلم الذي تعرّض له، إلى أن يفكر بعقلٍ بارد. لا بد أن يرى السوريون أن أي أعمالٍ ثأرية وانتقامية واقتتال طائفي ستعرقل مسار العدالة، وستعرقل مسيرة سوريا نحو النهوض والاستقرار.
ورغم الفيديوهات المُسرّبة، من قال إن كل من شارك الأسد في إجرامه بحق السوريين ينتمي إلى طائفةٍ واحدة فقط؟ يمكن لأي سوري أن يذكر أسماء عشرات ومئات الضباط الذين شاركوا في قتل السوريين وتعذيبهم وتهجيرهم من مختلف الطوائف، عدا عن العناصر طبعاً.
يقول مارتن لوثر كينغ: “الظلم في أي مكان هو خطر على العدل في كل مكان”، فأول ما سيعرقله مسار الانتقام هو مسار العدالة، وأول ما سيهدده خطاب التعميم والتحريض هو مشروع بناء دولة مستقرة لجميع أبنائها.
هذه ليست دعوةً لمسامحة المجرمين، بل دعوةٌ لمحاكمة جميع المرتكبين؛ دعوةٌ للعدالة لا للثأر، للدولة لا للطوائف، دعوةٌ كي لا يتحول المظلوم بالأمس إلى ظالمٍ اليوم.
بقدر ما يحتاج السوريون اليوم إلى العدالة، تحتاج سوريا إلى الاستقرار، والاستقرار ليس نقيضاً للعدالة، لكنه بالتأكيد نقيضٌ للثأر والتحريض الطائفي.
- المجلة






















