منذ آذار 2011 ارتبط اسم عاطف نجيب بالانفجار السوري الكبير، الذي بدأ من درعا، بعد اعتقال أطفال المدينة وتعذيبهم، ثم إهانة وجهائها ورفض الإفراج عنهم. كانت تلك الحادثة عود الثقاب الذي أشعل شرارة الاحتجاجات الأولى، قبل أن تمتد إلى مختلف المحافظات، وتتحول لاحقاً إلى نزاع مسلح ارتُكبت خلاله انتهاكات واسعة، من القصف بالبراميل المتفجرة إلى استخدام الأسلحة الكيماوية، مروراً بأنماط ممنهجة من الاعتقال والتعذيب والإخفاء القسري. وعلى امتداد أربعة عشر عاماً، بقي الجناة خارج أي مساءلة، لأن المنظومة القانونية السورية صُممت أصلاً لحماية الأجهزة الأمنية ومنحها حصانة معلنة بالمرسوم التشريعي رقم 14 لعام 1968 والمرسوم التشريعي 64 لعام 2008.
اليوم، ومع انعقاد الجلسة الأولى لمحاكمة عاطف نجيب، يسأل كثير من السوريين: كيف يمكن لمحكمة وطنية أن تحاكم مسؤولين عن جرائم مصنّفة دولياً كجرائم ضد الإنسانية وجرائم حرب، بينما التشريع السوري يخلو من أي تعريف لهذه الجرائم ولا يعترف بمسؤولية القيادة ولا بالطابع المنهجي للانتهاكات؟
هذا السؤال لايتعلق بالبنية القانونية فقط بل وأيضا بجوهر النقاش حول مستقبل العدالة في سوريا، وحول قدرة الدولة على التعامل مع إرث الانتهاكات الواسعة التي شكّلت جزءاً من بنيتها السياسية والأمنية لعقود.
الإجابة على ذلك تكمن في اللجوء إلى القانون الدولي العرفي، الذي يشكل مصدراً ملزماً للدول حتى في غياب التشريع الوطني. فمنذ محاكمات نورمبرغ، استقر مبدأ قانوني على “أن الجرائم الدولية كالجرائم ضد الإنسانية، لا تحتاج إلى نص وطني لكي تكون جرائم، وأن الشخص يُحاسَب على الجرائم التي يعاقب عليها القانون الدولي، حتى لو لم يجرّمها القانون الداخلي”.
التجربة الأقرب للحالة السورية هي رواندا بعد إبادة 1994. فالقانون الرواندي كان خالياً تماماً من تعريف الجرائم الدولية، ومع ذلك اعتمدت المحاكم الوطنية على القانون الدولي العرفي لتوصيف الجرائم. في حكم أكايسو (1998) قالت المحكمة الجنائية الدولية لرواندا بوضوح: “غياب التشريع الوطني لا يمنع المحكمة من تطبيق القانون الدولي العرفي. وفي قضية كايشيما وروزيندان (1999) أكدت المحكمة أن مبدأ مسؤولية القيادة مبدأ راسخ في القانون الدولي.
هذه السوابق تمنح المحاكم السورية أساساً قانونياً يمكن البناء عليه، لكنها لا تُلغي الإشكاليات التي ستظهر حتماً في الحالة السورية. فالقانون الدولي يقدّم تعريف الجريمة، لكنه لا يقدّم العقوبة. وهذا بالضبط ما واجهته رواندا بعد الإبادة. فالمحاكم الرواندية بدأت محاكماتها فوراً بالرغم من أنَّ قانونها الوطني لم يكن يتضمن أي عقوبات خاصة بالجرائم الدولية، فاضطرت إلى اعتماد القانون الرواندي التقليدي لتحديد العقوبة، بينما استعانت بالقانون الدولي لتعريف الجريمة. وقد كرّست المحكمة الجنائية الدولية لرواندا هذا النهج في حكم “روتاغاندا “حين أكدت أن القانون الدولي يستخدم لتعريف الجريمة، لكن العقوبات تُستمد من القانون الوطني الساري وقت ارتكاب الفعل.
هذا يعني أن المحاكم السورية، حتى لو كيفت الأفعال كجرائم ضد الإنسانية استناداً إلى القانون الدولي العرفي، ستظل محكومة بالإطار العقابي التقليدي المنصوص عليه في القانون السوري الذي يقتصر على جرائم مثل القتل والتعذيب وإساءة استعمال السلطة والحرمان من الحرية. وهي عقوبات لا تعكس بطبيعتها خطورة الجرائم الدولية ولا حجم الانتهاكات التي ارتُكبت، لكنها تبقى الخيار الوحيد المتاح في ظل غياب تشريع وطني خاص بالجرائم الدولية.
ومع أنَّ هذا القصور في البنية العقابية يمثل مشكلة بحد ذاته، إلا أنَّ الإشكالية الأكبر تكمن في عقوبة الإعدام التي ينص عليها القانون السوري، التي ستتحول إلى عائق قانوني وسياسي حقيقي أمام أي محاولة لاسترداد المتهمين الفارين خارج البلاد. فمعظم الدول، ولا سيما الأوروبية منها، تلتزم التزاماً صارماً بعدم تسليم أي شخص قد يواجه خطر الإعدام، انسجاماً مع قواعد القانون الدولي لحقوق الإنسان والاتفاقيات التي تحظر التسليم في مثل هذه الحالات. وهذا يعني أن صدور حكم بالإعدام سيغلق عملياً الباب أمام أي تعاون قضائي دولي، وسيجعل تنفيذ الأحكام أو استرداد كبار المتهمين شبه مستحيل، حتى لو كانت الأدلة دامغة والمسؤوليات واضحة.
ولتجاوز هذا المأزق، تحتاج الدولة السورية إلى معالجة مسألة عقوبة الإعدام قبل طلب تسليم أي متهم موجود خارج البلاد. إما أن تعلق تنفيذ عقوبة الإعدام رسمياً، أو تلغيها نهائياً. كما فعلت رواندا حين أوقفت تنفيذ عقوبة الإعدام أولاً ثم ألغتها نهائياً عام 2007. وهو ما سمح حينها بقبول طلبات التسليم وفتح باب التعاون القضائي الدولي. وبالمثل، فإنَّ أي مسار قضائي سوري يسعى إلى محاكمة مسؤولين فارّين لن يكون قابلاً للتنفيذ ما لم تُقدَّم ضمانات واضحة بهذا المعنى، وإلا سيظل كبار المتهمين مثل بشار الأسد وشقيقه وعلي مملوك في منأى عن أية محاكمة.
إنَّ محاكمة عاطف نجيب، بالرغم من رمزيتها الكبيرة، تشكّل اختباراً حقيقياً لقدرة الدولة السورية على بناء عدالة بلا إطار تشريعي، وعلى التعامل مع إرث ثقيل من الانتهاكات التي رافقت بنيتها لعقود. فالمحاكمة لا تُقاس بالعلنية ولا بالضجيج الإعلامي، بل بقدرتها على سدّ الفراغ التشريعي، وتثبيت المسؤولية القيادية، وتقديم نموذج قضائي قادر على الصمود أمام القانون الدولي، لا نموذج هشاً ينهار عند أول طعن.
السوريون يحتاجون مساراً قضائياً واضحاً ومحصّناً من الثغرات؛ مساراً يضمن ألا يفلت أي مسؤول من المحاسبة، وألا تتحول الجرائم الكبرى إلى ملفات شكلية. فإما أن تكون هذه المحاكمة بداية لعدالة انتقالية حقيقية، وإما أن تبقى خطوة لا تغيّر شيئاً في بنية الإفلات من العقاب التي حكمت سوريا لعقود.
والاختبار الحقيقي يبدأ الجلسة المقبلة في العاشر من أيار، حين تكشف المحكمة عن الإطار القانوني الذي ستعتمده، وعن قدرتها على مواجهة الفراغ التشريعي بشجاعة ومسؤولية، بانتظار أن يقر مجلس الشعب في أول جلسة له قانوناً للعدالة الانتقالية يتيح إنشاء محاكم خاصة مستقلة عن وزارة العدل، وأن يعتمد تعديلات جوهرية على قانوني العقوبات وأصول المحاكمات الجزائية، بحيث تصبح منظومة الجرائم الدولية الخطيرة جزءاً من التشريع الوطني السوري ويلغي معها عقوبة الاعدام. عندها فقط يمكن القول إن سوريا بدأت فعلاً السير في طريق العدالة.
- المدن
























