ملخص
الدرس الذي تعلمه الجميع بثمن باهظ هو خطورة اندلاع حرب كبيرة في منطقة بالغة الأهمية والحساسية بالنسبة إلى العالم هي الخليج، حيث منابع النفط والغاز وطرق الإمداد عبر مضيق هرمز، بل حيث تعاظم دور الخليج في قيادة العالم العربي بعد عقود من تراجع أدوار مصر وسوريا والعراق، وعقود من اندفاع إيران في الصراع مع إسرائيل وتركیا على النفوذ فوق المسرح العربي.
الحروب لا تدور فقط في الميدان، و”حرب ما بعد الحرب أكثر صعوبة من الحرب”، بحسب الخبير الاستراتيجي الأميركي أنطوني کوردسمان. ولا شيء يوازي الظاهر في حرب إیران سوى المخفي، من دور بنیامین نتنياهو في إقناع الرئيس دونالد ترمب بالمشاركة في الحرب، إلى دور أمیرکا في الإمساك بقرار إسرائيل في الحرب وبعدها. ومن حال إيران بعد الحرب إلى حال أميرکا وإسرائيل، من حرب الظلال الأقوى من أصوات الصواريخ والمدافع، إلى لعبة الأرباح والخسائر الجيو اقتصادية وراء الصراخ العالمي من ارتفاع الأسعار وإغلاق مضيق هرمز أمام ناقلات النفط والغاز. ومن التراجع المخيف للنظام العالمي ودور الأمم المتحدة، إلى القرارات المحلية والإقليمية والدولية التي تفرضها المراجعات الشاملة للتحالفات والاستراتيجيات والنوم على حرب الضمانات.
وإذا كان منع إيران من حيازة سلاح نووي هو في طليعة الأهداف الأميركية والإسرائيلية من الحرب، فإن ما فجرته الحرب هو أكبر قنبلة استراتيجية وجيو سياسية وجيو اقتصادية في العالم. والدرس الذي تعلمه الجميع بثمن باهظ هو خطورة اندلاع حرب كبيرة في منطقة بالغة الأهمية والحساسية بالنسبة إلى العالم هي الخليج، حيث منابع النفط والغاز وطرق الإمداد عبر مضيق هرمز، بل حيث تعاظم دور الخليج في قيادة العالم العربي بعد عقود من تراجع أدوار مصر وسوريا والعراق، وعقود من اندفاع إيران في الصراع مع إسرائيل وتركیا على النفوذ فوق المسرح العربي.
ذلك أن ما كشفت عنه الحرب أخطر مما توقعه أهل الخليج، فليس أمراً قليل الدلالات أن تركز طهران على توجيه الصواريخ والمسيرات إلى أهداف في الخليج أكثر من الأهداف في إسرائيل، رداً على استباحة العمق الإيراني في الهجوم الأميركي – الإسرائيلي. وليس صاعقة في سماء صافية أو صدفة فرضتها الحرب اعتبار إيران أن المدن والمنشآت والأعيان المدنية في الخليج هي الميدان الأول والأقرب للتدمير، فـ”الحرس الثوري” الذي أسس وسلح ومول فصائل أيديولوجية مذهبية مرتبطة به في العراق وسوريا ولبنان، ودعم الحوثيين في اليمن و”حماس” و”الجهاد الإسلامي” في غزة لم يكن قادراً على تأسيس فصائل مماثلة في دول الخليج. ولا كان الخليج في حسابات “ولاية الفقيه” خارج المشروع الإقليمي الإيراني لضمه عندما تدق ساعته، وهي دقت في الحرب لبداية إلحاق ما يمكن من الأذى والضرر به.
ومن الطبيعي أن تبدأ ورشة كبيرة في الخليج لمراجعة العلاقات السابقة في ضوء ما كشفت عنه الحرب: العلاقات مع إيران، والعلاقات مع أمیرکا، والعلاقات الثنائية بين كل دولة وكل من واشنطن وطهران، والعلاقات على مستوى مجلس التعاون الخليجي، والنظام الأمني الإقليمي الذي يحتاج إلى إعادة هيكلة انطلاقاً من العلاقات المتطورة مع باكستان وشراكتها الاستراتيجية مع السعودية، ومن الدور التركي النشط، فضلاً عن العلاقات المفتوحة مع الصين وروسيا، وكذا البدء بتطوير المنظومة العسكرية والأمنية لمجلس التعاون وتقويتها.
والأسئلة في زحام مع الأجوبة وأحياناً مع الصمت: ما الذي فعلته القواعد العسكرية والضمانات الأميركية؟ هل هناك بديل منها أم أنها ضرورية وتحتاج إلى صيغة أقوى عبر نوع من المعاهدات الدفاعية؟ ما الذي على الجمهورية الإيرانية أن تفعله لكي “تستعيد الثقة التي خسرتها في الحرب” كما جاء في بيان القمة الخليجية الطارئة في جدة؟ وهل في الخليج سوق لبضاعة إيرانية قديمة ومستهلكة يتكرر الترويج لها على ألسنة المسؤولين؟
أحدث بيانات التكرار جاء مكتوباً باسم المرشد مجتبى خامنئي، الذي لم يظهر بعد ولا أحد يعرف وضعه. يقول البيان “إن الخليج يشهد بزوغ فصل جدید في تاريخه ومستقبله سيكون خالياً من الوجود الأميركي”، ويضيف “والآن بعد هزيمة أميركا المخزية أصبح واضحاً أن الوجود الأميركي في الخليج هو العامل الأساس لعدم الاستقرار، وأن قواعده لا تملك القدرة على تأمين نفسها، فكيف لها أن تؤمن الآخرين”، فضلاً عن القول إن “مصير إيران وجيرانها في الخليج وبحر عمان واحد، وإن مصير الآتين من آلاف الكيلومترات لنشر الفوضى والشر في الخليج هو الاستقرار في أعماقه”. وهذه دعوة قديمة إلى إخراج القوات الأميركية من الخليج لكي تتولى دوله الأمن، واللعبة مكشوفة، فلولا المطامع والأخطار الإيرانية على دول الخليج، لا فقط على البحرين، لما احتاجت هذه الدول إلى وجود عسكري أميركي، وما ضرب أمن الخليج أخيراً هو الاعتداءات الإيرانية عليه. أما مشروع الأمن الذي تقوده إیران فإنه نوع من تنظيم الهيمنة الإيرانية على الخليج في المرحلة الحالية، بعد العراق ولبنان واليمن، وسوريا قبل سقوط نظام الأسد، في انتظار أن تنضج ظروف المشروع الإقليمي الذي يتجاوز الهيمنة.
ولا مجال لإخفاء ما كشفت عنه الحرب من ثغرات ونواقص في القواعد المتحكمة بالوجود العسكري الأميركي في الخليج، ولا بالطبع لتغطية نقاط الضعف في منظومة الأمن الخليجية، إلى جانب نقاط القوة في القدرة على اعتراض الصواريخ والمسيرات الإيرانية. لكن ما له من أبعاد في ما كشفت عنه الحرب هو سقوط قناع الجيرة مع سقوط الصواريخ، وظهور الأنياب بعد الكلام الإيراني الناعم عن الأخوة في الخليج. ولم يعد ممكناً أن يتجاهل العالم خطورة سياسة طهران وتسلحها الصاروخي المفرط ولعبها بمضيق هرمز، بالتالي إيذاء الخليج وكل منطقة على الكرة الأرضية. فلا حل إلا بأن تصبح إيران دولة عادية مثل جيرانها من الدول العادية التي تعمل للتطور والتنمية والتكنولوجيا وبناء المستقبل، بدل بناء الصواريخ واستعمالها على أرض الخليج. وإذا لم يكن الخليج على طاولة المفاوضات بين أميركا وإيران، فإن له موقعاً وحصة في أية صفقة، كما كان له موقع في الحرب.
وقديماً قال مترنيخ مستشار النمسا الذي نظم “كونسرت أوروبا” وتوازن القوى بعد حروب نابليون في بدايات القرن الـ19 “لا سلام مع دولة ثورية”.
- إندبندنت























