كغيرها من الأحداث المفصلية التي شهدتها المنطقة، في نصف القرن الماضي، بما في ذلك الثورة الإيرانية (1979)، والحرب العراقية – الإيرانية (1980- 1988)، وغزو العراق الكويت (1990-1991)، والاحتلال الأميركي للعراق (2003-2011)، وحروب الربيع العربي (2011- 2020)، والحرب على تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) (2014 – 2019)، فإنّ حرب إيران (2025 – 2026)، التي جاءت حلقةً في سلسلة حلقات حروب “طوفان الأقصى” (2023 – 2025)، تمثل نقطة تحوّل مفصلية أخرى في تاريخ منطقة الخليج العربي. وتنذر الحرب التي تشنّها الولايات المتحدة وإسرائيل على إيران، وردّ إيران بالهجوم على دول الخليج العربية، والصراع على مضيق هرمز، بتداعيات كبرى تطاول خريطة الطاقة، ومعادلات القوة والنفوذ في منطقة الخليج، والشرق الأوسط، والعالم، مع بروز رابحين وخاسرين كثر.
الرابحان الأبرز، وفق المعطيات الراهنة، هما روسيا والولايات المتحدة (إذا تمكّنت من فرض إرادتها على إيران). بالنسبة إلى روسيا، صرفت حرب إيران اهتمام واشنطن عن أوكرانيا، وحوّلت كلَّ إنتاج السلاح الأميركي، وجزءاً من السلاح الأوروبي، نحو الخليج، ما عزّز مواقع روسيا في الحرب الأوكرانية، ومكّنها من الاستيلاء على مساحاتٍ إضافيةٍ فيها، كما تستفيد روسيا من ارتفاع أسعار النفط، وإعفائها مؤقتاً من العقوبات الأميركية، واستعادة بعض مواقعها في أسواق الطاقة العالمية، بما في ذلك الأوروبية التي توشك أن تعود لتصبح تحت رحمة الإمدادات الروسية، في حال استمرّ إغلاق مضيق هرمز. لكنّ هذه المكاسب الروسية قد تتبخّر على المدى البعيد إذا نجحت الولايات المتحدة في إخضاع إيران، لأنّ روسيا تفقد بهذا ورقةً مهمّةً طالما ساومت الغرب عليها، وقد تتمكّن واشنطن من إحكام تطويق موسكو من خاصرتها الجنوبية الرخوة، بعد أن حاولت في جورجيا وفشلت. وإذا أضفنا إلى ذلك الخرق الذي أحدثته الولايات المتحدة في المنطقة، عبر دفعها إلى إنشاء “ممرّ ترامب”، الواصل بين أذربيجان وتركيا عبر ممرّ زنغزور في أرمينيا وإقليم ناختشيفان الأذري، فهذا سيمثّل خسارةً استراتيجيةً كبرى لموسكو في كلّ منطقة القوقاز. في المقابل، سوف تعاني الولايات المتحدة على المدى القصير ارتفاع أسعار الطاقة، لكنّها ستبرز على المدى البعيد باعتبارها الرابح الأكبر من الحرب إذا استطاعت، طبعاً، إخضاع إيران، حرباً أو سلماً. فقد صارت الولايات المتحدة، بسبب إغلاق مضيق هرمز، أكبر مصدّر للنفط في العالم، متجاوزة السعودية وروسيا، وستنجح، فوق هذا، في قضم حصص جديدة في أسواق الطاقة العالمية، إذ انتزعت جزءاً كبيراً من حصّة روسيا من الغاز الأوروبي، بعد حرب أوكرانيا، وتنتزع اليوم حصص دول الخليج العربية وإيران من النفط في الأسواق الآسيوية. الأهم من ذلك، إذا تمكّنت واشنطن من أخذ إيران بعيداً عن الصين وروسيا، فسنكون أمام أبرز تغيّر جيوسياسي على مستوى العالم منذ نهاية الحرب الباردة. الأثر هنا لن يقتصر على سيطرة الولايات المتحدة على ثالث أكبر احتياط للنفط في العالم (10%)، بعد أن سيطرت على نفط فنزويلا (18%)، وتبسط نفوذها على نفط الخليج (24%)، إضافةً إلى العراق (8%) وليبيا (3%)، بل يعني ذلك أنّ الصين صارت فعلياً تحت رحمة الولايات المتحدة. هذا يجعل الصين، التي كانت تأمل في توّرّط أميركي جديد، وطويل في العالم الإسلامي، تبرز باعتبارها الخاسر الأكبر على المدى البعيد من حرب إيران، ليس لأنّها مهدّدة بفقدان مصدر طاقة رخيص فحسب، وبسيطرة الولايات المتحدة على نحو 65% من احتياطات العالم من النفط، بل أيضاً لأنّ إيران تعدّ جزءاً أساسياً من مشروع الحزام والطريق الصيني، الذي يمثّل رؤيتها التجارية المقنّعة نحو الريادة العالمية.
إقليمياً أيضاً، تتفاوت النتائج على المديَين، القصير والبعيد، اعتماداً على النتيجة النهائية للصراع. آنياً، تبدو إيران، بعد شهرَين من الحرب، أضعف كثيراً، لكنّها لم تُهزم، وقد تبرز لديها فرصة، حال التوصّل إلى اتّفاق يرفع العقوبات ويفكّ الحصار، لإعادة بناء قدراتها بسرعة. في حين تبدو إسرائيل في وضع أفضل آنياً، لكنّها، على المدى البعيد، قد تصطدم بواقع أنّ تغيّر البيئة الاستراتيجية للصراع في المنطقة أتى بنتائج عكسية، تماماً كما حصل بعد احتلال العراق (2003)، نظراً إلى صعود دورَي تركيا وباكستان إقليمياً، واحتمال بروز دور عربي في المشرق، إذا أحسنت الأطراف العربية ذات الصلة قراءة المشهدَين الإقليمي والدولي، والاستثمار في حالة السيولة التي تعيشها المنطقة والعالم.
- العربي الجديد























