علمت “العربي الجديد” من مصدر مطلع في وزارة الخارجية السورية أن وزير الخارجية أسعد الشيباني أمر أمس الأربعاء بحل الأمانة العامة للشؤون السياسية ودمج كوادرها ضمن وزارة الخارجية وبعض الوزارات الأخرى. وأوضح المصدر أنه لم يصدر حتى عصر أمس قرار رسمي بحل الأمانة، ولكن مسؤوليها أُبلغوا بأن الأمانة العامة قد حُلَّت وسيُنقَل معظمهم إلى وزارة الخارجية ووزارات أخرى في الدولة. وأوضح أن قرار الحل جاء نتيجة اللغط الحاصل حول ماهية عمل الأمانة ونتيجة عدم التجانس بين فروعها في المحافظات السورية، مضيفاً أن عمل النقابات ومنظمات المجتمع المدني التي كانت تخضع لإشراف الأمانة ستكون تابعة لهيئة مستقلة ستُشكَّل بهذا الخصوص.
حل الأمانة العامة للشؤون السياسية في سورية
وأكد مصدر مطلع من الأمانة العامة لـ”العربي الجديد” حل الأمانة، مكتفياً بالقول: “لقد أبلغنا بحل الأمانة، ولكن لم يصدر قرار رسمي بهذا الخصوص”. وكانت الأمانة العامة للشؤون السياسية قد شكلت بموجب القرار 53 الذي اصدره الشيباني في مارس/ آذار 2025 بهدف إدارة أملاك حزب البعث والمنظمات التابعة له والإشراف على النقابات ومنظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى إدارة العمل السياسي الداخلي. وأثار قرار تشكيل الأمانة الكثير من اللغط حين صدوره، سواء لناحية قانونيته، أو لناحية المهام التي أوكل إلى الأمانة القيام بها. فمن الناحية القانونية لا يحق لوزير الخارجية تشكيل هيئة سياسية لإدارة العمل السياسي الداخلي وشؤون الأحزاب التي ستشكل لاحقاً، وكذلك لا يحق له بموجب مهامه وفق القانون السوري الإشراف على النقابات ومنظمات المجتمع المدني. أما من ناحية المهام التي أوكلت إلى الأمانة العامة للشؤون السياسية، فمن بينها مهمة إدارة أملاك حزب البعث الذي حُلّ، وهي أملاك تقدَّر بمليارات الدولارات تتوزع في كل الجغرافيا السورية، بعضها مبانٍ وأراضٍ كانت تُستخدَم مقرات ومعسكرات خاصة بحزب البعث والمنظمات التابعة له، وبعضها عبارة عن منشآت استثمارية كانت تستثمر لمصلحة حزب البعث، الأمر الذي أثار الكثير من التساؤلات عن الجهة التي ستستثمر تلك الأموال وآليات هذا الاستثمار.
أوكل للأمانة العامة عند تأسيسها مهمة إدارة أملاك حزب البعث الذي حُلّ، وهي أملاك تقدَّر بمليارات الدولارات
أما لناحية مهمة الأمانة المرتبطة بالإشراف على النقابات ومنظمات المجتمع المدني، فإلى جانب المخالفة القانونية لهذه المهمة، هناك تعارض بينها وبين طبيعة عمل النقابات والمنظمات التي يفترض أن تكون أجساماً مستقلة تتبع إدارياً لوزارة الشؤون الاجتماعية للعمل، فيما مهمة النقابات الأساسية الدفاع عن حقوق منتسبيها أمام الجهات الحكومية وغير الحكومية، الأمر الذي يفقد هذه الأجسام علة وجودها الأساسية ويعيد تكريس تجربة البعث المنحل وأدواره السيئة، ومنها مصادرة العمل النقابي. وكذلك الأمر بالنسبة إلى دور الأمانة العامة في إدارة العمل السياسي الداخلي، فقد أثار هذا الدور الذي أعطاها الحق في تنظيم الأحزاب السياسية وتوجيهها، وربط أي اجتماع أو فعالية سياسية داخل سورية بموافقتها، حفيظة كل المشتغلين بالشأن السياسي الذين رأوا فيه مصادرة للحقوق السياسية وفرص رقابة حكومية على عمل الاحزاب السياسية حتى قبل تشكيلها.
دلالات حل الأمانة
ورأى الدكتور المحاضر في العلوم السياسية والعلاقات الدولية في جامعة أكستر البريطانية، سامر بكور، أن حل الأمانة العامة ليس مجرد قرار إداري عابر يتعلق بإلغاء مؤسسة أو إعادة تنظيم جهاز حكومي، بل يبدو كأنه إعلان رمزي لنهاية مرحلة كاملة وبداية مرحلة جديدة. وأضاف بكور في حديث لـ”العربي الجديد”: “الهيئة السياسية خرجت من رحم الثورة والحرب السورية، ومن “تجربة الحكم في إدلب” تحديداً، حين كانت المعارضة المسلحة والقوى المدنية تحاول بناء شكل من أشكال الإدارة في منطقة خارجة عن سيطرة النظام”. وأوضح أن “الهيئة تحولت لاحقاً إلى ما يشبه العقل السياسي للإدارة في إدلب. كانت تدير العلاقات مع القوى المحلية، وتشرف على النشاط المدني والسياسي، وتراقب المجال العام، وتعيد تشكيل الحياة السياسية وفق منطق المرحلة. كانت انعكاساً لطبيعة السلطة التي تشكلت في الشمال السوري خلال سنوات الحرب: سلطة هجينة تجمع بين الثورة، والأمن، والإدارة، والتعبئة السياسية”. وتابع بكور: “بعد سقوط نظام الأسد، ودخول قوى الثورة إلى دمشق، حملت الحكومة الجديدة خبرتها الإدارية والسياسية التي تشكلت في إدلب. وظهرت الأمانة العامة للشؤون السياسية بصلاحيات، بدت وكأنها النسخة الوطنية من الهيئة السياسية السابقة”.
سامر بكور: حل الأمانة العامة قرار إيجابي، لأننا في هذا الحلّ نفتح المجال حول كيفية بناء دولة، وأمام التعددية والأحزاب
وأوضح أن قرار حلّ الأمانة العامة يبدو وكأنه اعتراف ضمني بأن مرحلة “إدارة الثورة” لا يمكن أن تستمر بالطريقة نفسها بعد سقوط النظام. وتابع: “أعتقد أن حل الأمانة العامة قرار إيجابي، لأننا في هذا الحلّ نفتح المجال حول كيفية بناء دولة، وأمام التعددية والأحزاب والمجتمع المدني بعد عقود من الاستبداد والحرب، وهذا إيجابي وصحي”، معتبراً أن هذا الحل “وكأنه محاولة للانتقال من عقلية الحركة إلى عقلية الدولة، ومن منطق الإدارة الثورية المؤقتة إلى منطق المؤسسات الدستورية الدائمة”، مستدركاً بأنّ “هذا يشير إلى أن السلطة الجديدة باتت تدرك أن شرعيتها المستقبلية أصبحت تُبنى على قدرتها في إقناع السوريين بأنها لا تعيد إنتاج نموذج الحزب الواحد أو السيطرة السياسية المغلقة بصيغة جديدة… إنها محاولة لفتح صفحة مختلفة، صفحة تقول إن مرحلة الثورة المسلحة انتهت، وأن مرحلة التحول إلى دولة سياسية بدا واقعا وطبيعياً”.
- العربي الجديد


























