لطالما تباهى الناطقون باسم جيش الاحتلال الإسرائيلي بتوصيفه على أنه الجيش الأكثر أخلاقية في العالم! لكن الوقائع التي تخرج عن ممارساته في كل الأمكنة التي تواجد فيها، أو قام بالهجوم عليها، تكشف عن أن الصيغة التي يتم استهلاكها للأخلاق صارت بالية جداً، ولا يمكن لها أن تغطي الوجه الحقيقي للآلة العسكرية.
الآن، يجري الحديث في الصحافة الإسرائيلية عن قيام الجنود بنهب بيوت قرى الجنوب اللبناني، ويقال إن ثمة تحقيقا تتولاه أجهزة الجيش مع من قاموا بهذه الأفعال، وهذا يشبه ما قرأنا عنه قبل شهر، حين سرت فضيحة سرقة جنود آخرين في جبهة أخرى، هي المنطقة العازلة في الجولان السوري المحتل قطيع ماشية يقدر بـ 250 رأس.
هذه الممارسات، يتذكر السوريون شيئاً مماثلاً عاشوه طوال 14 سنة على يد جيش الأسد الهارب، إذ ارتبطت صورة قطعان عساكره وضباطه بالأدوات المنزلية التي كانوا ينهبونها من بيوت السوريين! حيث يتذكر الضحايا الذين فقدوا بيوتهم بأن كل شيء فيها قد جرت سرقته، حتى أن فرق التعفيش كان قد قسمت العمل تبعاً لاختصاصات ينظمها القادة! فبعد تفريغ البيوت من الأغراض، يأتي دور سارقي النحاس والمعادن الأخرى والخشب، الأمر الذي يحول البيت إلى مجرد هيكل!
المؤسسة العسكرية، ومنذ البداية، كرست جهداً من أجل نهب المكتبات الفلسطينية، وفي بيروت استولوا على شريحة ذاكرة عملاقة، إذ أفرغوا مقار المنظمات الفلسطينية من كل شيء، فلم يبق فيها وثيقة أو لوحة أو فيلم!
القصة لا تنتهي هنا، إذ يختتم المشهد بآخرين ينتمون لميليشيات الدفاع الوطني يشرعون بهدم السقوف من أجل الاستيلاء على حديدها! مما أدى إلى تحويل قرى كثيرة إلى مناطق غير صالحة للسكن، وهذا ما يعوق حالياً عودة عشرات الآلاف إذا لم نقل المئات من المخيمات في الشمال إلى بيوتهم!
إشراف الضباط على هذه الأفعال التي لن ينساها أحد في الحالة السورية مثبت، غير أنه في الحالة الإسرائيلية مازال غير ذلك، لكن هذا لم يمنع المتابعين من السؤال عمن تعلم من الآخر؟ جيش الدفاع أم حماة الديار؟
في الحروب، الأخلاق لا تختفي دفعة واحدة، وإنما تتآكل تدريجياً. حيث تبدأ المسألة برفع شعارات كبرى، كالدفاع عن الحدود، وحماية الأمن، وصون السيادة. ثم، شيئاً فشيئاً، تنفصل هذه الشعارات عن الممارسة اليومية على الأرض، إلى أن يتحول الفعل العسكري نفسه إلى ما يشبه “العمل” الخالي من أي أفق أخلاقي.
وعند هذه النقطة تحديداً، يصبح هاجس الضباط والجنود هو الاستيلاء على ما يملكه “العدو”، أي أن ما كان يندرج تحت صيغة “الواجب” يتحول إلى صيغة الاستفادة والارتزاق!
لكن، إذا كانت الصيغة المؤسسة للجيش تقوم على مؤسسات مسروقة من أصحابها، وأرض مسلوبة من سكانها، فإن الوصول إلى المنحدر الأخلاقي سيكون سريعاً! وهذا ما يلفت الانتباه عند المقارنة بين الحالة الأسدية والحالة الإسرائيلية، فمقابل تحويل الجيش الوطني إلى مجرد مؤسسة لنهب مقدرات السوريين بحجة استعادة الجولان المحتل، كان الجيش الإسرائيلي يقوم تاريخياً على حماية نهب الوطن الفلسطيني، من دون أي رادع أخلاقي.
كما أن التقارير تتحدث عن أن الجيش الإسرائيلي حين يدخل إلى مناطق نزاع تحت عنوان “الدفاع”، ثم تتسرب أخبار عن نهب بيوت أو ممتلكات، فإن المسألة تتجاوز “تجاوزات فردية”. وتشير إلى لحظة انفصال بين الخطاب الإعلامي والممارسة الفعلية.
يخبرني قريب لي أن بيت عائلته في مدينة القنيطرة كان مبنياً من الحجر البازلتي المصقول، وأن الإسرائيليين اتخذوه مقراً لهم بين عامي 1967 و1974، وحين قرر زيارة المكان بعد انسحابهم منه بعد توقيع اتفاقية وقف إطلاق النار، لم يجد البيت! فعلياً لم يجد سوى أرضيته، وذلك لأن المحتلين قاموا بتفكيك حجارته حجراً حجراً ونقلوها إلى إسرائيل!
وفي كتب ودراسات شتى يتحدث باحثون، ومنهم إسرائيليون، عن أن المؤسسة العسكرية، ومنذ البداية، كرست جهداً من أجل نهب المكتبات الفلسطينية، وفي بيروت استولوا على شريحة ذاكرة عملاقة، إذ أفرغوا مقرات المنظمات الفلسطينية من كل شيء، فلم يبق فيها وثيقة أو لوحة أو فيلم!
في المرحلة ذاتها، قبلها بقليل ربما، كان جيش الأسد يترك بصمته في الأمكنة التي دخلها في لبنان، حيث اشتهر عن عناصره وضباطه قيامهم بسرقة كل ما استطاعوا حمله ونقله معهم في سيارات المبيت من أثاث وأغراض بيوت اللبنانيين!
“عسكرة النهب” لحظة كاشفة وليست تفصيلاً عابراً. وحين تتكرر هذه اللحظة، في أكثر من مكان وزمان، يفقد سؤال “من تعلّم من الآخر” معناه، لأن الإجابة تصبح ماثلة في الوقائع: حرب تُعيد تشكيل من يدخلها، وتدفعه نحو المنحدر ذاته.
ربما يجيب هذا التزامن على سؤال من تعلّم من الآخر؟ وعما إذا كانت ممارسات النهب انتقلت من تجربة إلى أخرى، أم أن الحروب نفسها تعيد إنتاج السلوك ذاته، مهما اختلفت الجيوش والشعارات؟
المسألة لا تكمن في تتبّع خطّ تأثير مباشر بقدر ما تكمن في فهم الشروط التي تجعل هذا السلوك ممكناً. حين تتآكل الضوابط، وتُفرغ الشعارات من مضمونها، وتُترك القوة بلا مساءلة حقيقية، فإن النتيجة تكاد تكون واحدة: انزلاق نحو منطق الغنيمة.
عندها، لا يعود مهماً من بدأ أولاً، لأن الحرب نفسها تصبح المدرسة التي يتخرّج منها الجميع، وتفرض على من يدخلها قواعدها القاسية، حيث يتراجع الفرق بين التجارب، وتتقدّم آلية واحدة تتكرر بأشكال مختلفة.
في النهاية، يمكن القول إن الحكم على أخلاق الجيوش يقوم على الآثار التي تتركها خلفها. وليس الشعارات التي ترفعها؛ الحفاظ على سلامة المدنيين، أو طحنهم وقتلهم وتشريدهم، وجود البيت القائم أو دماره بعد نهبه، أن تبقى القرية قابلة للحياة أو أن تتحول إلى مساحة مفرغة من سكانها، ذاكرة محفوظة أو أرشيف مسلوب، هذه هي اللغة الفعلية التي تتحدث بها الحروب.
“عسكرة النهب” لحظة كاشفة وليست تفصيلاً عابراً. وحين تتكرر هذه اللحظة، في أكثر من مكان وزمان، يفقد سؤال “من تعلّم من الآخر” معناه، لأن الإجابة تصبح ماثلة في الوقائع: حرب تُعيد تشكيل من يدخلها، وتدفعه نحو المنحدر ذاته.
- تلفزيون سوريا


























