تشهد منطقة الشرق الأوسط سباقاً متسارعاً لإعادة رسم خرائط النفوذ الاقتصاديّ والجيوسياسيّ عبر مشاريع الممرّات التجاريّة والطاقة العابرة للحدود، في ظلّ تنافس دوليّ وإقليميّ يتداخل فيه الاقتصاد بالأمن والسياسة. بينما أعادت حرب غزّة خلط أولويّات المنطقة وأثارت تساؤلات عن مستقبل مشاريع الربط الجديدة، يعود الحديث مجدّداً عن مشروع “البحار الأربعة” السوريّ بوصفه محاولة لإعادة تموضع دمشق داخل معادلات الترانزيت والطاقة الإقليميّة، وسط تحدّيات معقّدة وصراع مفتوح على الممرّات الاستراتيجيّة.
بعد أيّام من حرب غزّة في السابع من أكتوبر/تشرين الأوّل 2023، قال الرئيس الأميركي جو بايدن إنّ أحد أهداف الهجوم الذي شنّته حركة حماس كان تعطيل مسار التطبيع بين المملكة السعوديّة وإسرائيل. كشف هذا التصريح حجم الترابط بين الصراعات السياسيّة في الشرق الأوسط والمشاريع الاقتصاديّة والتحالفات الإقليميّة الجديدة.
لم تكن الحرب مواجهة عسكريّة بين إسرائيل و”حماس” وحسب، بل شكّلت زلزالاً جيوسياسيّاً أعاد خلط التوازنات الإقليميّة، ووجّه ضربة لمسار كانت الولايات المتّحدة تعمل على بنائه في المنطقة يقوم على دمج إسرائيل ضمن شبكة من الممرّات التجاريّة وممرّات الطاقة والنقل الممتدّة من الهند والخليج العربيّ نحو أوروبا. بهذا المعنى، بدا “الممرّ الاقتصاديّ بين الهند والشرق الأوسط وأوروبا” مشروعاً استراتيجيّاً لإعادة تشكيل الجغرافيا السياسيّة للمنطقة.
العودة إلى المعادلات
ارتبطت خطوط التجارة والترانزيت الكبرى تاريخيّاً بالحروب والصراعات والتنافس الدوليّ، بوصفها أدوات نفوذ وسيطرة على حركة التجارة والطاقة والاتّصال بين القارّات. الممرّات البرّيّة والبحريّة، خطوط السكك الحديديّة وأنابيب النفط والغاز غالباً ما تتحوّل إلى عناصر في الصراع بين القوى الكبرى والإقليميّة. لذلك تعرّضت مشاريع تاريخيّة، مثل طريق الحرير وسكّة حديد الحجاز وخطّ التابلاين، للتوقّف أو التعثّر بسبب الاستعمار والحروب العالميّة والصراعات الإقليميّة وتغيّر موازين القوى الدوليّة.
قد يُنظر إلى مشروع “البحار الأربعة” باعتباره منافساً لبعض الممرّات التي تسعى إلى دمج إسرائيل في شبكات النقل والطاقة الإقليميّة، وخصوصاً الممرّ الهنديّ – الخليجيّ – الأوروبيّ
أعادت مبادرة “الحزام والطريق” الصينيّة إحياء هذا التنافس، عبر محاولة بناء شبكة عالميّة من الموانئ والطرق وخطوط السكك الحديديّة في آسيا وإفريقيا والشرق الأوسط وأوروبا، بهدف توسيع نفوذ بكين الاقتصاديّ والسياسيّ داخل الدول النامية. ترى الولايات المتّحدة وحلفاؤها أنّ المبادرة أداة لتعزيز الحضور الصينيّ عبر القروض والاستثمارات والبنية التحتيّة. في مواجهتها، جاء مشروع الممرّ الاقتصاديّ الهنديّ – الخليجيّ – الأوروبيّ بوصفه محاولة لبناء مسار بديل يربط آسيا بأوروبا عبر الخليج وإسرائيل.
لهذا ربطت تحليلات وتقارير غربيّة وإسرائيليّة بين حرب أكتوبر 2023 ومحاولة تعطيل هذا المسار، خاصّة أنّ نجاحه كان يحتاج إلى درجة من الاستقرار السياسيّ والتقارب الإقليميّ، وهو ما كان يمكن أن يجعل القضيّة الفلسطينيّة طيّ النسيان، ويعزل دولاً مثل إيران وتركيا. زاد هذا الربط بعد تصريحات بايدن ووزير خارجيّته أنتوني بلينكن، اللذين اعتبرا أنّ تعطيل التطبيع قد يكون أحد دوافع الهجوم.
في خضمّ الصراع على الممرّات، عاد الحديث في سوريا عن مشروع “البحار الأربعة” الذي طرحه الرئيس السوريّ أحمد الشرع، بوصفه محاولة لإعادة البلاد إلى قلب معادلات التجارة والترانزيت في المنطقة. يقوم المشروع على ربط البحر المتوسّط بالخليج العربيّ والبحر الأسود وبحر قزوين، وتحويل سوريا إلى عقدة عبور للطاقة والنقل والتجارة بين آسيا وأوروبا. تعتمد الفكرة على الموقع الجغرافيّ السوريّ الذي شكّل تاريخيّاً نقطة وصل فعليّة بين الشرق والغرب، وعلى إمكان إحياء طرق الترانزيت البرّيّة وخطوط السكك الحديديّة والطاقة التي تعطّلت بسبب الحرب.
غير أنّ المشروع يواجه تحدّيات هائلة، في مقدَّمها غياب الاستقرار السياسيّ الكامل، استمرار آثار الحرب، ضعف البنية التحتيّة، والحاجة إلى استثمارات ضخمة وتفاهمات إقليميّة ودوليّة معقّدة. لا تقوم مشاريع الممرّات الكبرى على الجغرافيا وحدها، بل تحتاج إلى بيئة آمنة، ومؤسّسات مستقرّة، وضمانات طويلة الأمد للدول والشركات والمستثمرين. يشكّل الأمن أحد أبرز العوائق، إذ تحتاج الدولة السوريّة إلى موارد ضخمة لتأمين طرق الترانزيت وحماية البنية التحتيّة.
نجاح مشروع “البحار الأربعة” لن يتحدّد بجدواه الاقتصاديّة وحدها، بل بقدرة سوريا على إنتاج استقرار سياسيّ وأمنيّ مستدام، والتكيّف مع صراع الممرّات الكبرى الذي يعيد رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط
عقبات أكثر تعقيداً؟
من ناحية أخرى، قد يُنظر إلى مشروع “البحار الأربعة” باعتباره منافساً لبعض الممرّات التي تسعى إلى دمج إسرائيل في شبكات النقل والطاقة الإقليميّة، وخصوصاً الممرّ الهنديّ – الخليجيّ – الأوروبيّ. من منظور استراتيجيّ، أيّ مشروع يعيد لسوريا دوراً محوريّاً في حركة الترانزيت قد يُفهم باعتباره تقليصاً لأهميّة المسارات والموانئ الإسرائيليّة في الربط بين الخليج وأوروبا. من جهتها لا تخفي إسرائيل سعيها إلى توسيع نفوذها الأمنيّ في الجنوب السوريّ، وتعمل على فرض ترتيبات تمنحها دوراً أكبر في مستقبل المنطقة الحدوديّة.
لا تبدو هذه التحدّيات مختلفة كثيراً عن تجارب دول أخرى في المنطقة. في تركيا، على سبيل المثال، أعاق عدم الاستقرار الداخليّ والحرب مع حزب العمّال الكردستانيّ لسنوات طويلة تطوير شبكات النقل البرّيّة والسكك الحديديّة. حتّى بعد وصول حزب العدالة والتنمية إلى السلطة، واجهت أنقرة صعوبات كبيرة في تمويل مشاريعها الاستراتيجيّة، وتراجعت عن مشاريع كبرى مثل قناة إسطنبول، التي تربط البحر الأسود ببحر مرمرة، وأخّرت مشروع السكّة الحديديّة الشماليّة إلى أن تمكّنت من الحصول على قرض بقيمة 6.7 مليارات دولار من عدّة دائنين دوليّين.
في الحالة السوريّة، تبدو العقبات أكثر تعقيداً بسبب آثار الحرب والانقسام الإقليميّ والدوليّ على مستقبل البلاد. مع ذلك، تراهن القيادة السوريّة على أنّ سياسة تخفيف التوتّرات مع الجوار والانفتاح الإقليميّ قد تفتح الباب أمام عودة الاستثمار وإحياء مشاريع الترانزيت والطاقة.
لكنّ نجاح مشروع “البحار الأربعة” لن يتحدّد بجدواه الاقتصاديّة وحدها، بل بقدرة سوريا على إنتاج استقرار سياسيّ وأمنيّ مستدام، والتكيّف مع صراع الممرّات الكبرى الذي يعيد رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط.
- أساس ميديا






















