دمشق – “القدس العربي”: وجّه القضاء السوري، الأحد، إلى عاطف نجيب، الرئيس السابق لفرع الأمن السياسي في درعا وابن خالة الأسد، اتهامات بجرائم قتل وتعذيب واعتقال تعسفي “ترقى الى جرائم حرب”، كما جرد ثمانية من قادة النظام السابق، بينهم بشار وماهر الأسد من حقوقهم المدنية.
نجيب وراء القضبان
مَثُل نجيب الأحد أمام محكمة الجنايات الرابعة في دمشق، في إطار جلسات بدأتها السلطات الانتقالية الشهر الماضي لمحاكمة رموز الحكم السابق في مقدمهم الرئيس المخلوع بشار الأسد الذي يُحاكم غيابيا مع شقيقه ماهر وعدد من أركان حكمه.
بعد افتتاح الجلسة التي بثّ التلفزيون السوري الرسمي جزءا منها، توجّه قاضي محكمة الجنايات الرابعة في دمشق فخر الدين العريان الى نجيب الذي وقف في قفص الاتهام بتلاوة ملخص الاتهام.
وقال “يرتبط اتهامك بأحداث محافظة درعا مطلع عام 2011، حيث قوبل الحراك السلمي باستخدام القوة المفرطة ويُنسب اليك بصفتك رئيس فرع الامن السياسي آنذاك تحمل مسؤولية قيادية مباشرة ومشتركة عن افعال منهجية استهدفت المدنيين شملت القتل والتعذيب والاعتقال التعسفي”.
وعدد العريان من بين الانتهاكات المنسوبة للمتهم والتي أسفرت عن سقوط قتلى، اعتقال وتعذيب أطفال بسبب “كتابات سياسية على الجدران”، والمشاركة في “قمع الاحتجاجات بالقوة المفرطة”، و”إطلاق النار المباشر” على معتصمين سلميين داخل المسجد العمري، إضافة الى “التعذيب المفضي الى الموت” داخل مراكز الاحتجاز التابعة لفرع الأمن السياسي الذي ترأسه.
عدد العريان من بين الانتهاكات المنسوبة للمتهم والتي أسفرت عن سقوط قتلى، اعتقال وتعذيب أطفال
وتابع القاضي بينما كان نجيب يستمع بإنصات وهو يقف داخل قفص الاتهام “كنت الآمر الناهي في محافظة درعا وتُنسب اليك المسؤولية المباشرة عن اصدار اوامر بالقتل والاعتقال والتعذيب والاشتراك مع قيادات امنية وعسكرية وسياسية ضمن بنية هرمية منظمة بارتكاب هذه الانتهاكات الجسيمة”.
وشدد على أن الأفعال المنسوبة إليه مع باقي المتهمين الفارين “ترقى إلى جرائم حرب. وجرائم ضد الإنسانية”.
وإثر تلاوة ملخص الاتهام علنا، استمعت المحكمة الأحد الى إفادة نجيب وعدد من الشهود، بعدما طلب القاضي من ممثلي وسائل الإعلام مغادرة القاعة ووقف البث المباشر.
وهذه ثاني جلسة تعقدها المحكمة منذ 26 نيسان/ابريل في إطار “جلسات العدالة الانتقالية” لمحاكمة مسؤولين سابقين وجاهيا وغيابيا.
واستهلت جلسة الأحد بتلاوة أسماء ثمانية متهمين غابوا عن الجلسة الأولى، في مقدمهم بشار الأسد وشقيقه ماهر. وأعلنت المحكمة الشروع “بمحاكمة المتهمين الفارين وتجريدهم من الحقوق المدنية ووضع أموالهم المنقولة وغير المنقولة أينما وجدت تحت إدارة الحكومة”.
استهلت جلسة الأحد بتلاوة أسماء ثمانية متهمين غابوا عن الجلسة الأولى، في مقدمهم بشار الأسد وشقيقه ماهر
وحسب، رئيس الهيئة الوطنية للعدالة الانتقالية عبد الباسط عبد اللطيف، فإن محاكمة نجيب خطوة تؤكد أن مسار المساءلة مستمر، وأن الجرائم والانتهاكات الجسيمة بحق السوريين لا تسقط بالتقادم.
لكن المحامي البارز في مجال حقوق الإنسان، وعضو في “لجنة الدفاع عن معتقلي الرأي والضمير” ميشال شماس، رأى أن القيمة الحقيقية لهذه الخطوة لا تقاس بمجرد عقد جلسات علنية، بل بمدى قدرة القضاء السوري على معالجة الجرائم المنسوبة إلى المتهمين ضمن إطار قانوني متماسك ومتوافق مع المعايير الدولية.
وحذّر في تصريح لـ”القدس العربي” من أن المحاكمة، رغم أهميتها الرمزية، لا تزال تواجه ثغرات قانونية ومؤسساتية قد تؤثر على مصداقيتها وعلى قدرتها في تحقيق عدالة فعلية للضحايا.
واعتبر أن “انطلاق الجلسات العلنية لمحاكمة عاطف نجيب يشكّل حدثا قضائيا مهما في سوريا، لكنه في الوقت نفسه يكشف عن فجوة كبيرة بين الشكل القانوني للمحاكمة وبين مضمونها الحقيقي. فالعلنية بحد ذاتها خطوة إيجابية، لكنها لا تكفي لتأكيد جدية الدولة في التعامل مع الجرائم الخطيرة خصوصاً عندما تظهر منذ الجلسات الأولى أخطاء جوهرية في التكييف القانوني للاتهامات”.
شماس أكد أن “نجاح هذه المحاكمات يتوقف على مجموعة من العوامل القانونية والمؤسساتية، أهمها التكييف القانوني الصحيح للجرائم، واستقلال القضاء عن الأجهزة الأمنية”
وطرح مثالا عن هذه الأخطاء بـ”الخلط بين جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية، وإغفال جرائم أساسية كالإخفاء القسري والاضطهاد، لأن إغفالها قد يؤدي إلى تبرئة المتهم من أخطر الجرائم، وتستبعد فئات واسعة من الضحايا”.
أما عن قدرة القضاء السوري الحالي على النظر في الجرائم الدولية الخطيرة، فأكد شماس أن القضاء السوري ما زال غير مؤهل بعد، لثلاثة أسباب رئيسية: أولا، غياب تشريعات وطنية تعرّف الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الحرب والإبادة، ما يجعل القضاة يعتمدون على اجتهادات غير مستقرة. ثانيا، غياب محاكم خاصة مستقلة عن السلطة التنفيذية، وهو شرط أساسي في كل تجارب العدالة الانتقالية. ثالثاً، ضعف الخبرة القضائية في القانون الدولي الإنساني والقانون الجنائي الدولي”.
وحول العوامل القانونية والمؤسساتية التي يتوقف عليها نجاح هذه المحاكمات في تحقيق العدالة وإنصاف الضحايا وضمان محاكمات عادلة للمتهمين، قال شماس إن “نجاح هذه المحاكمات يتوقف على مجموعة من العوامل القانونية والمؤسساتية، أهمها التكييف القانوني الصحيح للجرائم، واستقلال القضاء عن الأجهزة الأمنية، وحماية الشهود والضحايا من الترهيب، وضمان شفافية الإجراءات وإتاحة المعلومات للرأي العام”.
أي خلل في هذه العوامل سيؤدي، حسب قوله إلى “محاكمة غير عادلة، وإلى فقدان ثقة الضحايا والمجتمع، وإلى تكريس الانطباع بأن المحاكمة مجرد خطوة سياسية لا أكثر”.
نصح شماس بـ”إقرار قانون وطني للعدالة الانتقالية يحدد آليات المحاسبة وجبر الضرر”
ونصح شماس بـ”إقرار قانون وطني للعدالة الانتقالية يحدد آليات المحاسبة وجبر الضرر، وإنشاء محاكم خاصة مستقلة للنظر في الجرائم الدولية الخطيرة، وتعديل قانون العقوبات وقانون أصول المحاكمات لإدراج الجرائم الدولية وتعريفها بشكل واضح، وتوجيه الاتهامات الصحيحة، بما في ذلك الإخفاء القسري والاضطهاد، باعتبارهما من الجرائم ضد الإنسانية، وضمان علنية الجلسات وشفافية الإجراءات، وحماية الشهود والضحايا وفق المعايير الدولية، والاستعانة بخبراء متخصصين في القانون الدولي لدعم القضاة في فهم الجرائم المعقدة”.
محطة مفصلية
وفي المقابل، أكد المحامي عبد الناصر حوشان، أن الإجراءات الجارية أمام محكمة الجنايات في دمشق، تستند إلى قواعد قانونية وطنية واضحة، وتوفر الضمانات الأساسية للمحاكمة العادلة، سواء للمتهمين أو للضحايا، بما يجعلها محطة مفصلية في مسار إعادة بناء الثقة بالمؤسسة القضائية في سوريا.
واعتبر في حديث مع “القدس العربي” أن انطلاق الجلسات العلنية لمحاكمة عاطف نجيب يأتي في إطار التطبيق العملي لمسار العدالة الانتقالية في سوريا، مشيرا إلى أن الدلالات القانونية لهذه المحاكمة تكمن في أنها تمثل بداية فعلية لمحاسبة الأشخاص الذين أُلقي القبض عليهم بتهم تتعلق بارتكاب جرائم جسيمة، وذلك استنادا إلى القانون الوطني السوري وضمن الولاية القضائية الوطنية، التي تشكل الأساس الطبيعي والأصيل لأي عملية عدالة انتقالية.
وأوضح أن محكمة الجنايات المختصة تنظر في هذه القضايا باعتبارها ملفات ذات طبيعة خاصة، وأن تشكيل المحكمة وآلية عملها يمنحانها القدرة على التعامل مع هذا النوع من الجرائم، مضيفا أن المحكمة تمتلك خبرة قضائية تراكمت خلال السنوات الماضية، وأن استقلال القضاء يشكل الركيزة الأساسية لتحقيق العدالة، مؤكداً أن هيئة المحكمة تمارس صلاحياتها وفقاً لقانون أصول المحاكمات الجزائية.
وأشار إلى أن المحكمة باشرت أيضا إجراءات المحاكمة الغيابية بحق بشار الأسد وعدد من المتهمين الآخرين، حيث يجري تبليغهم أصولا بالقرارات الصادرة بحقهم، وبعد انقضاء المهل القانونية يُعدّون فارين من وجه العدالة، الأمر الذي يتيح إصدار مذكرات قبض بحقهم وتعميمها على جميع الجهات المختصة بإنفاذ القانون، بما قد يترتب عليه تجريدهم من حقوقهم المدنية والعسكرية، واتخاذ إجراءات تحفظية على أموالهم أو وضعها تحت تصرف الدولة.
الحكم الغيابي الذي قد يصدر بحق بشار الأسد ستكون له آثار قانونية وسياسية مهمة
وأضاف أن الحكم الغيابي الذي قد يصدر بحق بشار الأسد ستكون له آثار قانونية وسياسية مهمة، معتبرا أنه من شأنه أن يؤثر على الوضع القانوني للحماية التي منحتها له روسيا، في ضوء المبادئ المنصوص عليها في المادة 14 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان المتعلقة بحق اللجوء وعدم شموله للأشخاص المتهمين بارتكاب جرائم جسيمة.
وفي تقييمه لأداء وزارة العدل، قال إن الوزارة بدأت فعليا بتطبيق أحد أهم مسارات العدالة الانتقالية، من خلال إعادة هيكلة المؤسسات القضائية، واتخاذ إجراءات لعزل عدد من القضاة الذين وجهت إليهم اتهامات بالمشاركة في انتهاكات جسيمة، ولا سيما قضاة محاكم الإرهاب والقضاة العسكريين الذين عملوا في المحاكم الميدانية الاستثنائية.
خبرة ونزاهة
وأكد أن البنية القضائية الحالية تضم قضاة مشهودا لهم بالكفاءة والخبرة والنزاهة، وهم قادرون على إدارة هذه المحاكمات بكفاءة قانونية عالية. أما فيما يتعلق بضمانات المحاكمة العادلة، فأوضح أن هيئة المحكمة تلتزم بتوفير جميع الضمانات القانونية الأساسية، بما في ذلك حق المتهم في المثول أمام القضاء، والدفاع عن نفسه، والاستعانة بمحامٍ، إضافة إلى علنية الجلسات التي تتيح للرأي العام متابعة الإجراءات والتأكد من نزاهتها.
حوشان: البنية القضائية الحالية تضم قضاة مشهودا لهم بالكفاءة والخبرة والنزاهة
وفيما يخص حقوق الضحايا، شدد على أن القانون السوري يكفل لهم حضور جلسات المحاكمة أو توكيل محامين للمطالبة بحقوقهم الشخصية والمدنية، موضحا أن الدعوى الجزائية تتضمن شقين: الحق العام المتعلق بالعقوبة الجزائية، والحق الشخصي المتعلق بالتعويض وجبر الضرر.
وأشار إلى أن الدعوى العامة تحركت أساسا بناء على شكاوى الضحايا وادعاءاتهم، ثم انتقلت إلى النيابة العامة والتحقيق القضائي وصولا إلى محكمة الجنايات، الأمر الذي يؤكد أن حقوق الضحايا مصونة قانونا، وأن الأحكام النهائية المتوقعة ستشمل إلى جانب العقوبات الجزائية تعويضات مدنية تهدف إلى إنصاف المتضررين وجبر الأضرار التي لحقت بهم.
- القدس العربي


























