اتسمت العلاقة بين تركيا والعراق وسوريا في العقود الماضية بالتوتر، في ظل النفوذ الكبير الذي امتلكته إيران على قرار العراق وسوريا خصوصاً منذ عام 2014 إلى 2024، وما أتاحه هذه النفوذ من دفع بغداد ودمشق إلى مواقف إقليمية تخدم النفوذ الإيراني وتهدد المصالح التركية اقتصادياً وأمنياً.
منذ سقوط نظام الأسد آواخر عام 2024، وفقدان إيران لموقعها في سوريا مع تبدل نظام الحكم السياسي فيها، ظهرت تحولات في السياسة الخارجية السورية واتجهت دمشق إلى تحالف استراتيجي مع أنقرة، ومع استمرار التراجع الإيراني بعد الحرب الأميركية الإسرائيلية الأخيرة ضد إيران، اتسعت مساحات النشاط التركي خاصة في الساحة العراقية، بالتوازي مع تحسن نسبي في علاقات العراق مع سوريا الجديدة رغم كل الموقف العراقي الرسمي وشبه الرسمي الداعم سابقاً لنظام الأسد.
الاعتبارات الجيوسياسية
تجمع أنقرة وبغداد ودمشق مصالح مشتركة بحكم الاعتبارات الجيوسياسية، حيث تمتلك الدول حدوداً مشتركة مع بعضها البعض، كما أن سوريا وتركيا يتيحان للعراق الغني بالنفط الوصول المختصر إلى شواطئ البحر المتوسط.
قبل تراجع الصناعة في سوريا اعتباراً من 2011، وفّر للعراق مصدراً مهماً لبعض السلع مثل المنسوجات والمواد الغذائية، كما أن تركيا بما تمتلكه من صناعات متقدمة يمكن أن توفر للسوق العراق منتجات أرخص نسبياً من المنتجات الأوروبية.
في ظل توتر علاقات بغداد مع واشنطن بسبب استمرار النفوذ الإيراني وإن كان بوتيرة أقل من السابق، يبرز دور أنقرة وما يمكن لها أن تقوم به من وساطة لتخفيف التوتر وإعادة نوع من الاستقرار للساحة العراقية، بالمقابل فإن خروج دمشق من المحور الإيراني، يشكل فرصة للعراق الرسمي من أجل العمل على إصلاح العلاقات مع واشنطن التي تهدد مؤخراً بعدم التعامل بشكل شرعي مع أي حكومة عراقية لا تلتزم بإنهاء نفوذ الفصائل المسلحة المرتبطة بإيران، كما أن الساحة السورية باتت نقطة التقاء للمصالح التركية والخليجية خصوصاً المملكة العربية السعودية وقطر، والتفاعل مع سوريا بشكل إيجابي من طرف بغداد، يساعدها إلى حد جيد على تصحيح مسار علاقاتها مع دول الخليج العربي.
ملف مكافحة الإرهاب
منذ سنوات طويلة تعاني تركيا والعراق وسوريا من تهديدات تنظيم داعش، ومع تقليص الوجود الأميركي في المنطقة تزداد الحاجة إلى التنسيق وتبادل المعلومات بين الأطراف الثلاثة من أجل احتواء هذه التهديدات.
بالمقابل، فقد أتاح العراق آخر عقدين من الزمن مساحة تحرك لواسع لحزب العمال الكردستاني في مناطق شمال البلاد، وشكل تهديداً للأمن التركي، وبعد تغيير نظام الحكم في سوريا، بات الحزب يشكل تهديداً أيضاً للدولة السورية الناشئة، وهذا ما يزيد الحاجة إلى التعاون الفاعل مع العراق لتقليص مساحات نشاط الحزب.
ومن الواضح أن الحرب الإيرانية الأميركية الإسرائيلية الأخيرة زادت من عوامل التقارب بين بغداد وأنقرة ودمشق، فمع إغلاق مضيق هرمز اتجهت العراق إلى الاعتماد على الموانئ السورية من أجل تصدير النفط والفيول، كما يدور الحديث في الأوساط العراقية عن توجه لترميم أنبوب كركوك/ بانياس السورية، بالإضافة إلى زيادة استطاعة أنبوب كركوك/ ميناء جيهان التركي، لزيادة كمية النفط المصدر دون المرور بالمضيق.
وبحسب قيادات عراقية رفيعة في الجيش، فإن بغداد لديها خطط لشراء منظومات دفاع جوي تركية بهدف تقليص حجم انتهاك الأجواء العراقية من قبل الطيران المسير من مختلف الأطراف بهدف حماية البنية التحتية وحقول الغاز والنفط، ويبدو أن من ضمن الأطراف التي يريد الجيش العراقي تجنب هجماتها هي الفصائل المدعومة من إيران.
تفاهمات أمنية
وسيتحتم على العراق إذا ما أراد تطوير علاقاته مع الجانبين التركي والسوري توسيع التفاهمات الأمنية التي تضمن مصالح أنقرة الأمنية، بما يتيح إضعاف نفوذ العمال الكردستاني وامتداداتها خصوصاً في سوريا، حيث يمكن لبغداد أن توافق بشكل رسمي على توسيع تركيا لعملياتها الأمنية شمال العراق، كما أن قوى الإطار التنسيقي الحاكمة في العراق لديها تأثير على بعض الأطراف الكردية خصوصاً في السليمانية التي تشكل امتداداً وعمقاً لمجموعات العمال الكردستاني التي تنشط في سوريا.
وأرسل العراق مؤخراً رسائل إيجابية إلى أنقرة فيما يتعلق ببذل جهد أكبر لإنهاء التهديدات العابرة للحدود، كما أنه يبدي استعداده لتطوير علاقاته مع سوريا في الشق السياسي وليس فقط أمنياً واقتصادياً، ومع هذا فإن الشكل الذي ستستقر عليه العلاقات التركية العراقية السورية مرتبط بحد كبير إلى مآل نظام الحكم الإيراني، والمصير النهائي للحرب الأميركية الإسرائيلية الإيرانية، وما إذا كان سينتج عنها المزيد من الحضور الإيراني في الساحة العراقية أم لا، بالإضافة إلى مدى قناعة إيران بضرورة تغيير سياساتها الإقليمية والاستفادة من مخاوف بعض دول المناطق من التهديدات الإسرائيلية وبالتالي إيجاد أرضية للتعاون، ومن ضمنها التراجع عن استخدام اليمن والعراق منطلقاً لتهديد أمن تركيا وسوريا ودول الخليج العربي.
ومن المحتمل أن تشهد العلاقات التركية العراقية تطوراً أوضح وأسرع من العلاقات بين العراق وسوريا، نظراً لمصالح بغداد الأوسع مع أنقرة منها مع دمشق، ولأن بعض التيارات داخل النظام الحاكم العراقي لا تزال متقيدة بالرؤية الإيرانية تجاه سوريا الجديدة.
- المدن


























