أفادت مصادر خاصة “المدن”، بأن هناك لقاءً مرتقباً يجري العمل عليه بين الرئيس السوري أحمد الشرع وبابا الفاتيكان ليو الرابع عشر. وقال مصدر دبلوماسي سوري لـِ “المدن”، إن فريقاً داخل الرئاسة السورية عمل خلال الأسابيع الماضية على إعداد الرسائل السياسية التي سيحملها الشرع إلى الفاتيكان، مضيفاً أن “العنوان الرئيسي الذي ترغب دمشق بإيصاله واضح: سوريا تريد السلام لا الحرب، وتبحث عن استقرار طويل الأمد لا عن صراعات جديدة”.
هذا اللقاء إن حدث لن يكون حدثاً بروتوكولياً عادياً للحكومة السورية الجديدة وهي حكومة ذات بعد إيدلوجي معين وخلفية إسلامية ملتزمة. فبالنسبة للسلطة السورية الجديدة، فإن الصورة التي ستخرج من الفاتيكان تحمل ما هو أكبر من لقاء دبلوماسي أو مجاملة سياسية، كما ان دمشق تحاول من خلالها القول إنها غادرت، أو تريد أن تغادر، صورة الدولة المرتبطة بالحرب المستمرة لمدة أكثر من خمسة عشر عاما، وتبحث عن موقع جديد عنوانه الاستقرار والانفتاح.
وكثّفت دمشق اتصالاتها الخارجية خلال الأشهر الماضية، بهدوء، بعيداً من الضجيج الإعلامي. بعض هذه الاتصالات كان أوروبياً، وبعضها الآخر جرى عبر قنوات دينية وسياسية غير معلنة، في محاولة لترتيب لقاء يمنح السلطة السورية مساحة أوسع للتحرك في الغرب، الذي لا يزال ينظر بحذر إلى التحولات التي شهدتها البلاد بعد التغييرات السياسية الأخيرة.
ما الذي تريده دمشق؟
تسعى السلطة السورية عملياً إلى أكثر من مجرد كسر العزلة السياسية. حيث تعيش سوريا حتى الآن، أزمة اقتصادية ناتجة خصوصاً عن استمرار آثار العقوبات الاقتصادية، إضافة إلى انخفاض سعر صرف الليرة السورية أمام الدولار، والبنية التحتية التي ما تزال تعاني آثار سنوات الحرب، فيما تبدو الحاجة ملحّة لجذب استثمارات خارجية وفتح قنوات تمويل جديدة لإعادة الإعمار.
وتقول مصادر مطلعة لـ”المدن”، إن دمشق تعتقد أن تغيير خطابها السياسي المؤدلج بات ضرورة، خصوصاً بعد سنوات من الثورة حيث كان الخطاب الرسمي لنظام الأسد قائماً على المواجهة والصراع المفتوح. كما أن السلطة الجديدة تريد تقديم نفسها كشريك للاستقرار الإقليمي والدولي، وتحاول طمأنة الغرب بأنها لن تكون منصة لصراعات إقليمية جديدة.
هذا التحول لا يرتبط فقط بالخارج، بل أيضاً بحسابات داخلية. السوريون المنهكون اقتصادياً لم يعودوا معنيين بالشعارات الكبرى بقدر اهتمامهم بتحسين الواقع المعيشي، وسط ارتفاع معدلات الفقر وتراجع الخدمات الأساسية.
ما هي أبرز ملفات اللقاء؟
أحد أهم الملفات الأساسية المتوقع طرحها خلال اللقاء، يتعلق بحاضر ومستقبل المسيحيين في سوريا، وهو ملف يحظى بحساسية كبيرة لدى الفاتيكان. فخلال سنوات الحرب، شهدت مناطق واسعة مثل حلب وحمص ودمشق والساحل موجات نزوح وهجرة واسعة للمسيحيين بسبب انعدام الامان، وتراجع الأوضاع المعيشية. وبحسب تقديرات بحثية، كان عدد المسيحيين في سوريا قبل عام 2010، حوالي 1.5 إلى 2.1 مليون شخص؛ أي ما يعادل تقريباً 8% إلى 10% من تعداد السكان، بينما يُقدَّر عددهم حالياً بحوالي 300 إلى 500 ألف داخل سوريا.
ويسعى الفاتيكان للحصول على ضمانات تتعلق بحماية الوجود المسيحي وضمان استمرار التعددية الدينية في البلاد، وهو ما تحاول دمشق استثماره سياسياً لإظهار نفسها كسلطة قادرة على حماية التنوع السوري.
أوروبا المترددة
على الرغم من الزيارات المتكررة بين دمشق والعواصم الاوربية، لا تزال أوروبا منقسمة تجاه العلاقة مع سوريا. بعض الدول ترى أن الانفتاح قد يكون ضرورياً لمنع انهيار إضافي في سوريا، بينما ترفض دول أخرى تقديم شرعية مجانية حيث العلاقة لا تزال محكومة بتوازنات دقيقة، تختلط فيها الحسابات السياسية مع الاعتبارات الإنسانية، من دون أن يستقر الأمر على اتجاه واحد.
ففي أروقة القرار الأوروبي، هناك إدراك بأن سياسة الجمود الكامل لم تعد كافية للتعامل مع الواقع السوري، خصوصاً مع استمرار التدهور في بعض الملفات الاقتصادية والإنسانية. لكن هذا الإدراك لا يُترجم إلى خطوات واضحة، بقدر ما يبقى في إطار النقاشات والحذر.
بعض الدول تميل إلى فكرة الانخراط التدريجي، أي فتح قنوات محدودة واختبار السلوك السياسي لدمشق قبل الذهاب أبعد من ذلك. في المقابل، هناك دول أخرى ما تزال ترى أن أي انفتاح مبكر قد يكون غير مبرر، ما لم يسبقه تغيير واضح وملموس داخل سوريا نفسها.
وبحسب سياسيين، فاللقاء مع الفاتيكان سيكون محط متابعة دقيقة، ليس بسبب طابعه الديني فقط، بل لأنه يعكس -ولو بشكل غير مباشر- اللغة السياسية التي بدأت دمشق تستخدمها مؤخراً. فالنبرة وطريقة تقديم الرسائل لا تقل أهمية عن مضمونها، لأنها تعطي مؤشرات عن الاتجاه العام، حتى لو كان غير مكتمل بعد.
ومع ذلك، يبقى الحذر هو السمة الأبرز في الموقف الأوروبي. فالتجربة السورية خلال السنوات الماضية جعلت من الصعب التعامل مع أي تغيير بسرعة، أو بناء ثقة على أساس الإعلانات وحدها، ما يجعل كل إشارة جديدة تُقرأ أكثر من مرة قبل الوصول إلى أي استنتاج.
كيف ستكون صورة اللقاء بين البابا والشرع
تدرك دمشق أن صورة اللقاء ستحمل حساسية خاصة داخل بعض الأوساط الإسلامية المؤدلجة، سواء من الشخصيات أو التنظيمات، وهو ما يجعل طريقة تنظيم الزيارة وشكلها البروتوكولي جزءاً من الحسابات السياسية المهمة لدمشق.
لكن العالم الذي تابع الحرب السورية طوال سنوات، لا يتعامل مع التطورات من زاوية الانطباع العام فقط، بل من زاوية ما يحدث فعلياً على الأرض. هناك انتظار لخطوات ملموسة: تحسن اقتصادي حقيقي، استقرار سياسي يمكن قياسه وانفتاح داخلي يعكس تغييراً في طريقة إدارة الدولة، لا فقط في خطابها.
ولهذا يبدو اللقاء محاولة لإعادة تقديم سوريا بلغة جديدة، أقل صداماً وأكثر براغماتية. صحيح أن مشهد لقاء الرئيس السوري مع بابا الفاتيكان سيحمل وزناً رمزياً مختلفا، لكن هذا الوزن لا يغيّر الواقع تلقائياً، ولا يكفي لإقناع الخارج بأن شيئاً جوهرياً قد تبدل.






















