تسعى سوريا للدخول في موجة واسعة من الاتفاقات والمشاريع التي تطاول قطاعات الكهرباء والمياه والصحة والطاقة والمرافئ والمطارات والاتصالات والتعدين، غير أن هذه الموجة تتحرك تحت ضغط فجوة مالية كبيرة وحاجة عاجلة إلى إعادة تشغيل المرافق العامة بعد سنوات من الانهيار الاقتصادي، في حين تعطي التطورات الأخيرة مؤشراً واضحاً إلى انتقال الملف الاقتصادي السوري من إدارة الطوارئ إلى إدارة عقود طويلة الأمد تمس معيشة السوريين وقدرة الدولة على ضبط الخدمات الأساسية.
وقد وافق البنك الدولي في 23 نيسان الفائت على تمويل بقيمة 225 مليون دولار لاستعادة خدمات المياه والصحة في سوريا، مع تقدير استفادة نحو 4.5 ملايين سوري من المشروعين، ثم أعلنت “رويترز” في 13 أيار الجاري أن برنامج الأغذية العالمي خفّض مساعداته الغذائية الطارئة في سوريا إلى النصف وأوقف برنامج دعم الخبز الذي كان يصل إلى أربعة ملايين شخص يومياً عبر أكثر من 300 مخبز، ما يضع أي نقاشات حول الاستثمار في المرافق أمام معادلة اجتماعية مباشرة، فالبلد الذي يحتاج إلى تشغيل الكهرباء والمياه والمشافي يحتاج أيضاً إلى حماية الفئات التي ستدفع كلفة هذا التشغيل عبر الفواتير والرسوم والتعرفة الجديدة.
اختبار العقود الطويلة
تملك المرحلة الانتقالية صلاحية إدارة التعافي وتسيير المرافق وفتح قنوات التمويل، غير أن العقود الممتدة في قطاعات المرافئ والطاقة والمياه والاتصالات تحتاج إلى ضوابط أكثر صرامة، لأنها ترتب التزامات تتجاوز عمر المرحلة نفسها وتؤثر في شكل العلاقة بين الدولة والاقتصاد لسنوات طويلة. وتنسجم هذه الحساسية مع القواعد الدستورية المتعارف عليها في التجارب الانتقالية، حيث تنحصر مهمة السلطات المؤقتة/الانتقالية عادة في منع الفراغ، وتأمين استمرارية المؤسسات، وإدارة الملفات العاجلة، مع تجنب القرارات التي تنشئ أعباء طويلة الأمد أو تمس الموارد والمرافق العامة من دون رقابة تشريعية مكتملة أو تفويض دستوري مستقر.
الخبيرة في القانون الدستوري، تمارا الخوري، أشارت خلال حديثها لموقع تلفزيون سوريا، إلى أن أي سلطات انتقالية، تملك في الفقه الدستوري المقارن، صلاحية إدارة المرافق العامة وضمان استمرار الدولة ومنع تعطل الخدمات الأساسية، لكنها لا تتمتع عادة بتفويض مفتوح لإبرام ترتيبات طويلة الأمد تمس الأصول العامة أو تعيد تشكيل العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص لمدد تتجاوز المرحلة الانتقالية نفسها. وتضيف “جوهر المسألة هنا لا يتعلق برفض الاستثمار أو تعطيل إعادة الإعمار، بل بحدود الاختصاص المؤقت، وبمدى خضوع العقود الكبرى لقواعد الشفافية والرقابة والمراجعة اللاحقة”.
ولفتت إلى أنه في التجارب الانتقالية، تظهر قاعدة غير مكتوبة لكنها راسخة مفادها بأن السلطة المؤقتة تدير الضرورة ولا تؤسس وحدها للمستقبل الدائم، لذلك تحتاج عقود المرافئ والطاقة والمياه والاتصالات إلى شروط واضحة تضمن استمرار الملكية العامة أو الرقابة العامة على المرفق، وتنص على مراجعة دورية، وتحدد أثر التعرفة على المواطنين، وتربط التزامات المستثمر بمؤشرات أداء قابلة للقياس. وزادت بالقول “كل عقد يمتد لعشرين أو ثلاثين عاماً يجب أن يحمل داخله آلية تصحيح، لأن المؤسسات المنتخبة لاحقاً يجب أن تملك حق تقييم ما جرى توقيعه في زمن انتقالي”.
المرفق العام بين الاستثمار والسيادة
وعليه فإن تطوير المرافئ أو الكهرباء أو المياه يمكن أن يشكل مدخلاً ضرورياً للتعافي الاقتصادي، لكن القيمة الدستورية للمرفق العام تفرض التعامل معه كجزء من وظيفة الدولة الاجتماعية والسيادية، وليس كأصل تجاري فقط، بحسب الخوري.
وفي الحالة السورية، تزداد الحساسية لأن المجتمع يمر بمرحلة هشاشة معيشية واسعة، والمؤسسات الرقابية لا تزال قيد التشكل، وهذا يفرض على الحكومة الحالية أن تختار صيغاً تعاقدية قابلة للمراجعة، وأن تنشر الحد الأدنى من المعلومات المتعلقة بمدة العقد، وآليات التسعير، وشروط التحكيم، والتزامات المستثمر تجاه الخدمة والعمالة المحلية وحماية الفئات محدودة الدخل.
في الحادي عشر من أيار الجاري كشفت “رويترز” بأن سوريا اختارت رقعة بحرية في شرق المتوسط لأول مشروع عميق للمياه في النفط والغاز بالتعاون مع شيفرون وUCC القطرية، ثم أعلنت بعد يوم واحد توقيع مذكرة تفاهم بين الشركة السورية للنفط وتوتال إنرجيز وقطر للطاقة وكونوكو فيليبس لإجراء مراجعة فنية لبلوك بحري قرب اللاذقية.
هذا ويرتبط ملف الطاقة البحرية بإدارة مورد سيادي يحتاج إلى خبرة دولية وتمويل كبير وتقنيات لا تملكها سوريا بالقدر الكافي في المدى القريب، لذلك تكتسب عقود الاستكشاف والإنتاج أهمية خاصة لأنها تحدد حصص العائدات والضرائب ومعايير السلامة وحماية البيئة وحقوق الدولة في البيانات الجيولوجية وشروط التحكيم، وتضع المرحلة الانتقالية أمام اختبار دقيق في ضبط الالتزامات الطويلة، فالمساحات البحرية قبالة الساحل السوري تتصل بموقع البلاد في شرق المتوسط وبعلاقاتها الإقليمية وبقدرتها على تحويل أي اكتشاف محتمل إلى مورد عام يخضع لرقابة واضحة، ويعزز الخزينة، ويموّل الخدمات، ويمنع حصر القرار الاقتصادي ضمن تفاهمات مغلقة يصعب تعديلها لاحقاً.
في حين تبدو الكهرباء والمياه والصحة أكثر القطاعات حساسية لأن السوري يتعامل معها كل يوم، ولأن أي تعديل في التعرفة أو التشغيل ينعكس فوراً على الدخل المنهك للأسر. وقد أُعلن في نيسان الفائت عن إنشاء كيانات جديدة للتعدين والكهرباء والمياه، مع توقعات رسمية بزيادة كبيرة في الإيرادات العامة خلال العام الجاري مدفوعة بقطاع النفط والغاز، وهذا التحول يعطي الدولة أدوات تنظيمية جديدة إذا ربطته بقواعد شفافة ووازنته مع حماية اجتماعية واضحة.
حدود السوق في إدارة الخدمات الأساسية
غير أن الكهرباء تحتاج إلى نموذج يربط الاستثمار بتحسين ساعات التغذية وخفض الفاقد وصيانة الشبكات، مع تعرفة تراعي الاستهلاك المنزلي المحدود وتحمّل القطاعات التجارية والصناعية قسطاً أعلى من الكلفة. في حين فإن المياه تحتاج إلى حماية أشد، لأن أي توسع في الجباية أو التشغيل الخاص يجب أن يحافظ على حد أدنى مضمون للوصول إلى المياه النظيفة في الأحياء الفقيرة والمناطق المتضررة. وأما قطاع الصحة فيحتاج إلى فصل واضح بين رفع كفاءة المشافي العامة وتحويل الخدمة إلى سوق مغلقة أمام محدودي الدخل، خصوصاً مع اتساع الفقر في سوريا.
من جانبه قال الخبير الاقتصادي د. فراس شعبو خلال حديثه لموقع تلفزيون سوريا، إن دخول القطاع الخاص إلى قطاعات البنية التحتية في سوريا يرتبط بحاجة اقتصادية ملحّة، بعد سنوات طويلة من تآكل المرافق وضعف التمويل العام وتراجع قدرة الدولة على تأمين التكنولوجيا والخبرة والتشغيل، موضحاً أن قطاعات الكهرباء والمياه والصحة والاتصالات والنقل تحتاج إلى استثمارات كبيرة لا تستطيع الخزينة العامة تغطيتها وحدها، وأن الشراكة مع القطاع الخاص يمكن أن تساعد في إعادة تشغيل المرافق، وتحسين مستوى الخدمات، شرط أن تبقى هذه الشراكات ضمن قواعد واضحة تمنع تحويل المرافق الأساسية إلى مشاريع ربحية مغلقة على الفئات القادرة على الدفع.
وأضاف شعبو أن الأثر الاجتماعي لهذه الشراكات يحتاج إلى ضبط اقتصادي صارم، لأن المستثمر يدخل بطبيعته بحثاً عن استرداد رأس المال وتحقيق الربح، ما قد يرفع كلفة الطاقة والرعاية الصحية والنقل والخدمات الأساسية على المواطنين، خصوصاً في بلد يعاني من هشاشة معيشية واسعة مثل سوريا، مشيراً إلى ضرورة وضع تعرفة واضحة، ودعم مباشر للفئات الهشة، وضمان تغطية عادلة للخدمات، حتى لا تتحول المياه والكهرباء والصحة والنقل إلى خدمات نخبوية يستفيد منها جزء محدود من المجتمع.
حماية المرافق من الاحتكار
وشدد شعبو في ختام حديثه على أن قطاعات الطاقة والنقل والاتصالات تحتاج إلى حماية خاصة من الاحتكار، لأن السيطرة المنفردة على هذه القطاعات تحمل كلفة اقتصادية واجتماعية عالية، لافتاً إلى أن النموذج الأنسب في الحالة السورية يقوم على الشراكة وليس الخصخصة المطلقة، من خلال صيغ مثل عقود البناء والتشغيل ونقل الملكية، حيث تحتفظ الدولة بالملكية والسيادة على المرفق، ويدخل القطاع الخاص في التمويل والتشغيل ونقل التكنولوجيا، ضمن رقابة صارمة، وشفافية في اختيار الشركات، وكشف لتاريخها وخبرتها ومدة التعاقد ومؤشرات الإنجاز.
في المحصلة، يمثل الاحتكار أخطر نقطة في عقود المرافق، خصوصاً عندما يمتلك المستثمر حق التشغيل والتسعير والتطوير داخل قطاع لا يستطيع المواطن الاستغناء عنه. لذلك تحتاج عقود الكهرباء والمياه والمرافئ والاتصالات إلى فصل صارم بين الملكية العامة والتنظيم والتشغيل، مع بقاء التعرفة والجودة وحقوق المستخدمين تحت رقابة جهة عامة مستقلة ومعلنة الصلاحيات.
وتستطيع الدولة أن تستعين بالشركات لتأمين التمويل والخبرة، لكنها تحتاج إلى إبقاء القرار التنظيمي في يد مؤسسات عامة قادرة على المحاسبة. لذا فإن الاستثمار ينجح عندما يرفع جودة الخدمة ويزيد إيرادات الخزينة ويقلل الهدر، ويفشل عندما يمنح الشركات مواقع محمية من المنافسة والرقابة.
- تلفزيون سوريا






















