ليس الأردن بلداً يمكنه ترف تجاهل ما يجري حوله. فالمملكة تقف في قلب إقليم مضطرب، على تماس مباشر مع سوريا والعراق وفلسطين وإسرائيل، ما يجعل أي اهتزاز في الجوار مشروع تهديد مباشر لأمنها واستقرارها. ومن هنا، لا تنظر واشنطن إلى عمّان باعتبارها حليفاً عادياً، بل بوصفها ركناً ثابتاً في معادلة إقليمية شديدة السيولة: دولة تستضيف حضوراً عسكرياً أمريكياً، وتحافظ على معاهدة سلام مع إسرائيل، وتؤدي دوراً وازناً في الملف الفلسطيني، وتجاور في الوقت نفسه أكثر من بؤرة قابلة للاشتعال، لذلك، فإن استقرار الأردن ليس تفصيلاً في حسابات المنطقة، بل شرط من شروطها الأساسية.
في هذا السياق تحديداً، يمكن فهم القلق الأردني المتزايد من حدوده الشمالية، ومن حالة التفكك التي تتسع في جنوب سوريا، ولاسيما في السويداء. ففي المرحلة التي سبقت سقوط نظام الأسد، انصبّ الاهتمام الأردني على أخطار محددة ومعروفة: نفوذ الميليشيات المدعومة من إيران، والأنشطة المرتبطة بـ«حزب الله»، وشبكات تهريب الكبتاغون التي ازدهرت برعاية النظام واتخذت من الجنوب السوري ممراً رئيسياً إلى الداخل الأردني.
يدرك الأردن أنه لا يريد أن يجد نفسه غارقاً في التفاصيل المعقدة للصراع السوري الداخلي، ما يريده واضح: دولة سورية مستقرة، قادرة على بسط سلطتها وضبط حدودها
أما اليوم، فعلى رغم أن هاجس أمن الحدود وتهريب المخدرات ما زال قائماً، فإن طبيعة الخطر نفسها أخذت تتبدل. فبسقوط النظام لم تسقط معه شبكات التهريب، بل بقيت هذه الشبكات حيةً وقادرة على التكيّف، كأنها نجت من راعيها واستقلت عنه. وهذا بالضبط ما يثير قلق عمّان: أن يتحول الجنوب السوري إلى فضاء مفتوح للفوضى، بلا سلطة رادعة ولا توازن مستقر.
لم تعد السويداء، في نظر الأردن، مجرد محافظة سورية تشهد اضطراباً داخلياً يمكن احتواؤه ضمن الجغرافيا السورية، ما يجري هناك بات يعني عمّان مباشرة، لأن المسألة تجاوزت حدود التنافس المحلي، وباتت تتصل بتهريب السلاح والمخدرات، وضعف مؤسسات الدولة، وتكاثر الجماعات المسلحة، واحتمالات النزوح، فضلاً عن تزاحم الأدوار الإقليمية والدولية على ساحة رخوة ومفتوحة. ومن هذه الزاوية، يكتسب الاتفاق الأردني – السوري بشأن أمن الحدود، الذي أُعلن خلال لقاء الملك عبدالله الثاني بالرئيس السوري أحمد الشرع في عمّان في فبراير 2025، دلالته الحقيقية. فالاتفاق ليس مجرد إجراء تنسيقي، بل تعبير واضح عن قناعة أردنية بأن انفلات الجنوب السوري لم يعد مسألة بعيدة، بل خطر مباشر على الأمن الوطني الأردني. وخلال الأشهر الماضية، شهدت السويداء تبدلات متسارعة في موازين القوة، وفي شكل السلطة المحلية. وقد بلغ التوتر ذروته في يوليو 2025، حين اندلعت مواجهات دامية بين فصائل درزية ومجموعات عشائرية بدوية، سرعان ما انخرطت فيها قوات الحكومة السورية، مخلّفة مئات القتلى. وفي أعقاب تلك الأحداث، عزز الشيخ حكمت الهجري، وهو الأبرز بين المرجعيات الروحية الدرزية في المحافظة، موقعه بوصفه الصوت الأعلى في مواجهة دمشق، داعياً إلى دولة درزية مستقلة حليفة لإسرائيل، غير أن المشهد الدرزي نفسه ليس موحداً، وهذه نقطة أساسية كثيراً ما يجري إغفالها. فالهجري لا يمثل كل الدروز، ولا تختصر مواقفه مجمل المزاج السياسي في السويداء. ثمة شخصيات دينية واجتماعية أخرى لا ترفض التفاهم مع دمشق من حيث المبدأ، وتفضّل بقاء الدروز ضمن دولة سورية موحدة، بدلاً من الذهاب بعيداً في خيارات القطيعة، أو الرهان على الحمايات الخارجية، هنا تحديداً تتعقد الصورة أكثر، فقد رحب الهجري علناً بالتدخل الإسرائيلي، ودعا إلى حماية دولية للطائفة الدرزية، في وقت كثّفت فيه إسرائيل ضرباتها على مواقع للجيش السوري قرب دمشق، وقدّمت ذلك في سياق الدفاع عن دروز سوريا. وبغض النظر عن صدقية هذه الذريعة، فإن دخول إسرائيل على هذا الخط يضيف إلى المشهد طبقة جديدة من التعقيد، لأن الأمر لم يعد يتعلق فقط بتوتر محلي بين قوى متنازعة داخل المحافظة، بل أيضاً بصراع سيادة ونفوذ على أرض سورية مفتوحة على احتمالات شتى.
من جهة أخرى، لا يكف المسؤولون الأردنيون عن التحذير من اتساع عمليات التهريب على الحدود السورية، لا من حيث الحجم فقط، بل من حيث الأساليب أيضاً. فالجنوب السوري بات ممراً رئيسياً لتهريب المخدرات والأسلحة، مستفيداً من ضعف الرقابة والانهيار الاقتصادي، وتعدد الجهات المسلحة الخارجة عن أي مرجعية واضحة. وما يقلق عمّان أكثر هو أن هذه الشبكات لم تعد تعمل بالوسائل التقليدية وحدها، بل باتت تستخدم الطائرات المسيّرة، ومسارات موجهة عبر أنظمة تحديد المواقع، وحتى البالونات، إلى جانب أنماط تهريب أكثر تشتتاً ومرونة. بمعنى آخر، لم يعد الأردن يواجه مجرد مهربين، بل بنية عابرة للحدود تتطور باستمرار وتكتسب أدوات أكثر احترافاً.
في الوقت نفسه، يدرك الأردن أنه لا يريد أن يجد نفسه غارقاً في التفاصيل المعقدة للصراع السوري الداخلي، ما يريده واضح: دولة سورية مستقرة، قادرة على بسط سلطتها وضبط حدودها، لكنه لا يريد أن يتحول إلى طرف داخل شبكة النزاعات المحلية المتداخلة في الجنوب السوري، بين فصائل درزية، وعشائر بدوية، ودمشق، وشبكات تهريب، وأطراف خارجية لكل منها حساباته وأجندته. فعمّان تعرف أن الانزلاق إلى هذا المستنقع أسهل بكثير من الخروج منه. ويزداد هذا المشهد حساسية مع الحضور الإسرائيلي المتصاعد في الجنوب السوري منذ سقوط الأسد، فالضربات الإسرائيلية التي استهدفت مواقع عسكرية سورية، بما فيها مواقع قريبة من الحدود الأردنية، لم تثر قلق دمشق وحدها، بل أثارت أيضاً قلق عمّان من أن يؤدي هذا المسار إلى مزيد من التشظي وإضعاف ما تبقى من قدرة الدولة السورية على الإمساك بجنوبها. وليس من قبيل المصادفة أن يدين الملك عبدالله، خلال لقائه مع الشرع في فبراير 2025، تلك الضربات علناً، في إشارة إلى أن الأردن لا يرى في التمدد الإسرائيلي عاملاً للاستقرار، بل عنصراً إضافياً في تعميق الأزمة. إزاء ذلك، جمع الأردن بين الدبلوماسية والتشدد الأمني. فمن جهة، عزز تنسيقه مع دمشق. ومن جهة أخرى، نفذ ضربات عبر الحدود استهدفت شبكات تهريب المخدرات والسلاح في جنوب وشرق السويداء، وطالت مستودعات ومواقع تصنيع وبنى لوجستية مرتبطة بالتهريب قرب الحدود. وهذه العمليات لا تهدف فقط إلى تعطيل حركة التهريب، بل تحمل أيضاً رسالة سياسية واضحة: الأردن لن يقف متفرجاً على تحوّل حدوده الشمالية إلى شريط فوضى دائم.
ثمة بالفعل أطرٌ متعددة الأطراف وآلياتُ تن سيقٍ قائمة يمكن البناء عليها، تجمع الأردن بسوريا والعراق وتركيا ولبنان في مواجهة التحديات الإقليمية المشتركة. وإلى جانب ذلك، تبلور المسار الثلاثي بين سوريا والأردن والولايات المتحدة خلال صيف 2025، قبل أن يتكرّس رسمياً في سبتمبرمن العام نفسه، بما رسّخ التزام الأطراف الثلاثة بشراكة فعلية في جهود استقرار سوريا، من إعادة الإعمار وبناء المؤسسات إلى مكافحة الإرهاب والمصالحة الوطنية. غير أن قيمة هذه الأطر ستبقى محدودة إن لم تتحول إلى سياسة جدية ومستدامة. وهنا يقع العبء على واشنطن، فالولايات المتحدة مطالبة بأن تتعامل مع استقرار الأردن باعتباره أولوية استراتيجية حقيقية، لا مجرد بند ثابت في خطابها الإقليمي. فالأردن واحد من أهم حلفاء واشنطن في الشرق الأوسط، وأي خلل كبير في استقراره سيعني إضعاف بنية أمنية إقليمية استثمرت فيها الولايات المتحدة على مدى عقود. وهذا يقتضي، عملياً، تعزيز التعاون الأمني مع عمّان في مجالات تبادل المعلومات، والمراقبة، ومكافحة التهريب، بالتوازي مع استخدام الإطار الثلاثي لمساعدة دمشق كي تبسط حضوراً فعلياً في السويداء وتمنع انزلاقها نحو مزيد من التفكك.
في النهاية، لا يستطيع الأردن وحده أن يحصّن حدوده الشمالية، كما لا يمكن احتواء اضطراب الجنوب السوري بالقوة العسكرية وحدها. فالمشكلة، في جوهرها، ليست أمنية فقط، بل سياسية ومؤسساتية أيضاً، ومن دون جهد أوسع يعيد شيئاً من فاعلية الدولة إلى الجنوب السوري، ومن دون انخراط أمريكي مستمر مع عمّان ودمشق معاً، فإن خطر ارتداد الفوضى إلى الأردن سيبقى قائماً، بل مرشحاً للتفاقم. وعندها لن يكون الحديث عن أزمة حدود فحسب، بل عن ضغط متزايد على واحدة من أكثر دول المنطقة انكشافاً، وأشدها حاجة إلى بيئة إقليمية أقل اضطراباً.
محللة سياسية مصرية- أمريكية
- القدس العربي
























