ملخص
الواقع أن ماوتسي تونغ هو الذي بدأ فتح اللعبة المغلقة مع أميركا منذ انتصار الثورة الشيوعية وقيام جمهورية الصين الشعبية عام 1949.
قمة “معبد السماء” الذي بنته أسرة مينغ قبل 600 عام بدت في الخطب كأنها صلاة رهبان مثالية، فالرئيس الصيني شي جينبينغ حذّر من الوقوع في “فخ ثوسيديديس“، ودعا إلى أن “نكون شريكين لا خصمين”، بينما قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن العلاقات بين واشنطن وبكين دخلت “مرحلة رائعة”، وأوحى أنه ينتقل مع خصومه “من التنافس إلى التعاون”، ومع الحلفاء في أوروبا وكندا من التفاهم إلى التنمر، والذين يستعيدون ما جرى خلال الشهور الماضية من حروب تجارية ورسوم جمركية يرون نوعاً من “الفخ الصيني” على الطريق.
أما “فخ ثوسيديديس” فإنه ما وقعت فيه أثينا وإسبرطة، وهو خوف قوة مهيمنة من قوة صاعدة، بحسب رؤية المؤرخ الإغريقي، وأما دبلوماسية التواطؤ بدلاً من التنافس بين القوى الكبرى، فإن ترمب الذي علّمه والده أن “العالم ميدان صراع” صار يؤمن بها، كما قال ستاسي غودارد في مقالة عنوانها “صعود التنافس بين القوى الكبرى وسقوطه”.
وأما “الفخ الصيني”، فإن أميركا تقع فيه إذا “عاكست جهود الصين في العالم من دون تقدير ما تريده الحكومات المحلية والمجتمعات”، بحسب جسيكا تشن ويس، ذلك أن شي يعترف مثل ترمب بأن “العلاقة بين الصين والولايات المتحدة هي الأهم في العالم، والتوافق بينهما يحدد مستقبل البشرية ومصيرها”، لكنهما يعرفان أن ما تراهن عليه الصين هو إبطاء الهبوط الأميركي، وما تراهن عليه أميركا هو إبطاء الصعود الصيني.
في وداعه قبل مدة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، قال شي ووافقه بوتين، إن “هناك متغيرات لم نرها منذ 100عام، ونحن القوى الدافعة لتلك المتغيرات”، وفي بداية القمة مع ترمب تحدث شي عن بناء علاقة قائمة على “الاستقرار الإستراتيجي”، ومن الصعب الجمع بين المتغيرات والاستقرار.
عند الانتقال من الخطابة ورفع كأس النخب إلى الكلام السياسي على مواضيع الخلاف، فإن الرئيس الصيني قال بصراحة لضيفه الأميركي إنه “إذا جرى التعامل بصورة خاطئة مع تايوان فقد يتصادم البلدان ويدخلان في صراع يدفع العلاقات إلى وضع شديد الخطورة”، فالصين تريد استعادة تايوان بالحوار أو القوة، وأميركا ملتزمة بدعم تايوان من دون أن تعلن الاستقلال أو تندمج مع الصين، على رغم التزام واشنطن منذ سبعينيات القرن الماضي “سياسة صين واحدة”.
الواقع أن ماوتسي تونغ هو الذي بدأ فتح اللعبة المغلقة مع أميركا منذ انتصار الثورة الشيوعية وقيام جمهورية الصين الشعبية عام 1949، ففي أعقاب حادثة دموية عند نهر أوسوري على الحدود بين روسيا والصين عام 1969، سأل ماو في اجتماع قيادي: ما العمل؟ هل نحارب الاتحاد السوفياتي؟ وكان رد المارشال تشن يي “أن السوفيات أقوى منّا”، واقترح فكرة غير مألوفة، وهي الانفتاح على أميركا.
ماو أعجبته الفكرة فكلّف صديقه وكاتب سيرته الأميركي إدغار سنو توجيه دعوة إلى الرئيس ريتشارد نيكسون، الذي التقط الفكرة وأرسل الدكتور هنري كسينجر إلى بكين، ثم زارها بنفسه في مايو (أيار) 1972، حين وصفه ماو بأنه “الزميل الجيد رقم واحد في العالم”، وهكذا جرى تبادل الاعتراف الدبلوماسي بين أميركا والصين، وأعيد لبكين مقعدها الدائم في مجلس الأمن بعدما كانت تمسك به حكومة تشان كاي تشيك في تايوان أو فرموزا.
لكن ما حدث كان أبعد من ذلك، شيء من التحالف الأميركي – الصيني في مواجهة الاتحاد السوفياتي، وشيء من الانفتاح الاقتصادي على الصين جرت تقويته أيام دينغ شياو بينغ، وليس سراً أن في أميركا من يلوم الإدارات المتعافية في التسعينيات، بعد انهيار الاتحاد السوفياتي، على “استخدام دبلوماسية التجارة لإزالة الحواجز التي تمنع التوسع الصيني، بدلاً من الحؤول دون صعود الصين”، لكن المنطق الأميركي تعلّم المثل الصيني القديم عن “الجلوس على قمة الجبل ومراقبة قتال نمرين”، وبعد نصف قرن وجدت أميركا نفسها مع ترمب تنزل من الجبل وتقاتل كل نمر في ملعبه، وأحياناً تواجه النمرين معاً.
لا مجال للوهم حول تفاهم مع الصين على حساب الروس أو مع بوتين على حساب شي، وحتى مطالبة أميركا لأوروبا قبل القمة الأميركية – الصينية بالوقوف مع ترمب في الحرب التجارية مع بكين، فإن القارة القديمة رفضت الأمر، ولولا الغزو الروسي لأوكرانيا لكان من المستحيل إقناع أية دولة أوروبية بالامتناع من شراء الغاز والنفط من موسكو، وفرض العقوبات الاقتصادية عليها، والدول الـ 10 الأساس في شرق آسيا رفضت، ولا تزال، أن تفرض عليها أية عاصمة كبرى مقاطعة عاصمة كبرى أخرى، فاللعبة تغيرت في العالم، والكل يفضل علاقات مفتوحة مع الجميع، بحسب الحاجة، وكذلك فمن المستحيل اليوم أن تمشي بكين وموسكو ضد واشنطن بالمعنى الإستراتيجي، وكذلك الأمر بالنسبة إلى أن تمشي أميركا والصين ضد روسيا أو واشنطن وموسكو ضد بكين.
أيام الإغريق قال الشاعر أرخيلاوس في قصيدة، “الثعلب يعرف أشياء كثيرة، لكن القنفذ يعرف شيئاً واحداً كبيراً “، والمؤرخ البريطاني نيال فيرغسون استشهد بالقصيدة ليقول “في عالم اليوم قوتان عظميان: أميركا والصين”.
“أميركا هي الثعلب والصين هي القنفذ”، لكن ما يشاهده العالم هو مغامرة تجربة جديدة: التفاهم بين الثعلب والقنفذ، ودبلوماسية التواطؤ بين الكبار على أمل النجاح، و”الأمل فطور جيّد، لكنه عشاء فقير”، كما يقول المثل الأميركي.
- إندبندنت






















