من بين دول عديدة شهدت حروباً داخلية، وحكماً فرديّاً دمويّاً، تبرز إسبانيا باعتبارها الأقرب إلى الحالة السورية. ويمكن، تالياً، الاستئناس بتجربتها الفريدة في الانتقال من الاستبداد إلى الحكم الرشيد. ومما قد يشجّع دعاة “النزعة الأموية الجديدة”، من السوريين، على التمعّن في تجربة إسبانيا التشابه الكبير في المسارات التاريخية بين البلدين، نظراً إلى أن الأمويين حكموا إسبانيا أكثر من ثلاثة قرون (711-1031م) في حين أنهم لم يحكموا دمشق سوى تسعة عقود (661- 750م). لكن ما يعنينا في إسبانيا أكثر تجربتها السياسية المعاصرة التي انتشلت البلد من أتون حرب أهلية مدمّرة، بامتداداتٍ دولية، شارك فيها آلاف المتطوعين والمرتزقة، من جنسيات أجنبية مختلفة، وفدوا من أرجاء أوروبا، والأميركيتين، انتظموا في مليشيات توزّعت انتماءاتها بين اليسار الراديكالي واليمين الفاشي. انتهت الحرب الأهلية الإسبانية بانتصار اليمين والتأسيس لديكتاتورية فرانشيسكو فرانكو (1938- 1975)، انتشرت خلالها معسكرات الاعتقال، وجرى فيها إعدام عشرات آلاف المعارضين (مائة ألف بحسب أكثر المصادر) مات بعضهم بالرصاص وأكثرهم خنقاً بالغاز. وقد عُثر بعد وفاة فرانكو على نحو ألفي مقبرة جماعية منتشرة في طول البلاد وعرضها. كان نظام فرانكو نظاماً فاشياً بالمطلق، أدخل البلاد في عزلة دولية، وفقر مدقع، وصل إلى حد الجوع في أربعينيات القرن الفائت. وفرض نظامه منهجاً تعليميّاً صارماً يمجد شخصه، وحذف كل ما يتعارض مع روايته تاريخ البلاد. جرى في عهده أيضاً سرقة عشرات آلاف الأطفال من عائلاتهم المعارضة، ومنحهم لعائلات مؤيدة. وإذا تابعت القراءة في عهد الدكتاتور الإسباني تشعر كأنك تقرأ سورية في الحقبة الأسدية (1970- 2024)، لكن ما إن تتجاوزها حتى تبدأ الفوارق بالظهور.
مع وفاة فرانكو، والخلاص من حكمه، توافقت النخب الإسبانية على طي صفحة عهده، وفعل كل ما يلزم للحيلولة دون تكرار مآسيها. تمثلت الخطوة الأولى في وضع دستور توافقي يحدّد شكل الدولة ونظامها السياسي. وحتى يحظى هذا الدستور بالشرعية، تم بعد عامين من وفاة فرانكو، وبدء المرحلة الانتقالية، انتخاب جمعية تأسيسية شكّلت لجنة لصياغة الدستور، اشتملت على ممثلين عن أبرز القوى السياسية في البلاد، وقدّمت، بعد مداولات استغرقت أشهراً، مسودة دستور، وافقت عليها الجمعية التأسيسية، بعد تعديلات تقدمت بها مختلف الأطراف. وتمثلت المرحلة الأخيرة في عرض الدستور على الاستفتاء العام بعد 18 شهراً من انتخاب الجمعية التأسيسية، نظمت بعدها أول انتخابات عامة وفقا للدستور الجديد، لتنتهي بذلك المرحلة الانتقالية. وخلاف أن الدستور أعاد العائلة المالكة التي كانت تحكم إسبانيا قبل ديكتاتورية فرانكو، الأمر الذي مهد له فرانكو قبل وفاته، فإن بعض جوانب الدستور الإسباني تستحق فعلاً النظر فيها لما توفّره من حلول لعقدٍ ومشكلاتٍ كثيرة تعانيها سورية في حقبة ما بعد الأسد. من ذلك، مثلاً، إنشاء برلمان من غرفتين: مجلس النواب من 350 عضواً، ومجلس الشيوخ من 266 عضواً، ما يسمح باستيعاب أكبر عدد ممكن من النخب السياسية والاقتصادية والاجتماعية الطامحة. ومن أهم ما يميز الدستور الاسباني وصفه، في مادته الأولى، الدولة بأنها اجتماعية ديمقراطية يحكمها القانون. وبأنها دولة موحدة لكن شديدة اللامركزية إدارياً، إذ تتمتع كل ولاية (محافظة) بمجالس تمثيلية وسلطات منتخبة تدير شؤونها المحلية في قطاعات الصحة والتعليم والخدمات، في حين تبقى السياسات الخارجية والدفاع والاقتصاد الكلي (العملة وفرض الضرائب… إلخ) بيد المركز. وقد سمح هذا الدستور بتحوّل إسبانيا إلى واحدة من أكثر الديمقراطيات الأوروبية رسوخاً وازدهاراً بعد أن كانت من أكثرها استبداداً وفقراً. تحتل إسبانيا اليوم المرتبة 14 بين الاقتصادات الكبرى في العالم، بناتج إجمالي محلي يزيد على تريليوني دولار (تقديرات صندوق النقد الدولي لعام 2026). يجب أن نعرف أخيراً أن إسبانيا بلد متنوّع الهويات والثقافات، المذاهب والإثنيات (الباسك، الكاتلان، الغاليين، القشاتلة، الأندلسيون…) وقد عانى تاريخياً بسبب فشله في إدارة هذا التنوّع إلى أن توصل إلى إقرار المادة الأولى التي نص عليها الدستور. كتابة دستور توافقي يمثل، إذاً، الخطوة الأولى نحو نظام سياسي مستقر سمته الرئيسة التشاركية، التعاقد، والرضا. لكن التجربة الاسبانية تعلمنا أن الدساتير لا تأتي وحياً، بل يخطّها رجال ونساء مسؤولون، يضعون مصلحة الوطن، بقاءه واستقراره، فوق كل اعتبار، وهو ما فعله الإسبان بعد سقوط الطغيان.
- العربي الجديد























