سوريا معيار نجاح الرؤية الأمريكية الجديدة في الإقليم، فتثبيتها يعني إغلاق أكثر من باب أمام الفوضى، أما اهتزازها فيعيد فتح ملفات كانت واشنطن تعتقد أنها دخلت مرحلة احتوائها.
قدّم قائد القيادة المركزية الأمريكية، الأدميرال تشارلز برادفورد كوبر، في 14 أيار/مايو 2026، إفادته أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ الأمريكي بشأن وضع القيادة المركزية، تحت عنوان يتصل بـ«الاضطراب والتغيير والفرص في المنطقة الوسطى». ويضع هذا العرض سوريا في صدارة التحولات التي تبدّل موازين القوة في المشرق. ففي القراءة الأمريكية، تبدو سوريا عقدة مكافحة الإرهاب وممر النفوذ بين العراق ولبنان والساحة التي يُختبر فيها تراجع إيران وقدرة حزب الله على ترميم خطوط إمداده.
وبعد أيام قليلة على تلك الجلسة، التي شدد فيها كوبر على مركزية دمشق في الحرب على الإرهاب، جاءت العملية المركبة في باب شرقي لتبدو، في أحد أبعادها، اختباراً أمنياً لمسار الشراكة الناشئة بين دمشق وواشنطن، ومحاولة لضرب صورة الدولة السورية الجديدة في قلب العاصمة، في موقع شديد الدلالة: قريب من حي الدويلعة الذي شهد تفجير كنيسة مار إلياس في حزيران/يونيو الماضي، وأمام مبنى إدارة التسليح، وعلى مدخل القوس الأثري لحي باب شرقي.
وتكتسب عضوية سوريا في التحالف الدولي ضد تنظيم «الدولة الإسلامية»، منذ تشرين الثاني/نوفمبر الماضي، دلالة خاصة في هذا السياق. فدمشق، التي ظلت لسنوات موضوعاً للعقوبات والعزلة والخلافات الدولية، تظهر في التقدير الأمريكي طرفاً مطلوباً في معادلة مكافحة الإرهاب، لا مجرد ساحة عمليات أو مشكلة مؤجلة. ومع ذلك، يقرّ العرض الأمريكي بأن مناطق من البلاد ما زالت خارج السيطرة المحكمة للدولة، ما يجعل الانخراط معها مشروطاً بقدرتها على تثبيت الأمن.
بهذا المعنى، تصبح سوريا معيار نجاح الرؤية الأمريكية الجديدة في الإقليم؛ فتثبيتها يعني إغلاق أكثر من باب أمام الفوضى، أما اهتزازها فيعيد فتح ملفات كانت واشنطن تعتقد أنها دخلت مرحلة احتوائها. وتنطلق مقاربة كوبر من فرضية أن مرحلة ما بعد الأسد تفتح فرصة أمنية وسياسية، لكنها تبقى مشروطة بقدرة الإدارة السورية الجديدة على سدّ الفراغات التي قد تستغلها التنظيمات الجهادية أو شبكات النفوذ الإيراني.
سوريا والعراق: إدارة الخطر
تبرز العلاقة بين سوريا والعراق في مقاربة كوبر من بوابة ملفين متداخلين: نقل مهمة «العزم الصلب» إلى صيغة جديدة والتعامل مع آلاف المحتجزين من عناصر تنظيم «الدولة الإسلامية». ففي الرؤية الأمريكية، لم يعد العراق الحلقة الأضعف كما كان في سنوات صعود التنظيم، إذ بات أكثر قدرة على استيعاب الخطر.
وحسب ما عرضه كوبر، نقلت القيادة المركزية 5704 مقاتلين من تنظيم «الدولة الإسلامية» من مراكز الاحتجاز في سوريا إلى العراق، مع تسجيل بياناتهم الحيوية. ومن الواضح أن هذه الخطوة ليست إجراءً تقنياً فقط، وإنما محاولة لتخفيف الضغط عن السلطات السورية، خصوصاً في ظل العلاقة المعقدة بين دمشق وقوات سوريا الديمقراطية، حيث ظل ملف الاحتجاز في شمال شرق البلاد من أكثر الملفات قابلية للاشتعال. كما يعكس النقل إعادة توزيع للمخاطر داخل المشرق: العراق مساحة احتواء أكثر استقراراً، وسوريا ساحة انتقالية تحتاج إلى تقليل الضغوط المتراكمة عليها.
وتمنح التطورات الأمنية الأخيرة في دمشق هذه القراءة بعداً ميدانياً واضحاً، بعد تفجير سيارة مفخخة قرب موقع حساس في باب شرقي، واغتيال فرحان حسن المنصور، خطيب مقام السيدة زينب، بعبوة ناسفة استهدفت سيارته جنوبي دمشق، في عملية أعلن تنظيم «الدولة الإسلامية» مسؤوليته عنها لاحقاً. بالطبع لا تعني هذه الوقائع أن التنظيم استعاد قدرته السابقة، لكنها تكشف قابلية الساحة السورية للاختراق في نقاط شديدة الحساسية، قرب مؤسسات أمنية ورموز دينية ذات حمولة سياسية وطائفية.
وتكمن خطورة هذه العمليات في توقيتها ومكانها. فهي تأتي بعد انتقال دمشق إلى موقع جديد في معادلة مكافحة الإرهاب، وبعد حديث أمريكي واضح عن الانخراط معها بوصفها شريكاً ضرورياً. كما أنها توجه رسالة مزدوجة: التشكيك في قدرة السلطة الجديدة على حماية العاصمة، وفتح الباب أمام توترات يمكن أن تتجاوز البعد الأمني إلى المجالين السياسي والطائفي.
في المقابل، يقدم التقدير الأمريكي القوات العراقية بوصفها أكثر قدرة على إدارة تهديد تنظيم «الدولة الإسلامية» داخل العراق، وأن العلاقة مع بغداد تتجه تدريجياً من منطق عمليات التحالف إلى علاقة دفاعية تقليدية. وهذا التحول يمنح العراق موقعاً مختلفاً في الرؤية الأمريكية، بينما تبقى سوريا الساحة التي يتداخل فيها خطر التنظيم مع هشاشة الدولة وتعقيدات الانتقال السياسي.
ويمتد الربط بين العراق وسوريا إلى ما هو أبعد من ملف التنظيم، فالحدود السورية-العراقية، التي كانت جزءاً من الطريق الطويل بين طهران والبحر المتوسط، تتحول الآن إلى ساحة اختبار لقدرة واشنطن وشركائها على قطع خطوط الإمداد الإيرانية ومنع إعادة وصل ما يصفه النص بسلسلة تسليح الوكلاء.
لبنان وحزب الله: اختبار الممرات
في قراءة كوبر، يصعب فصل سوريا عن لبنان. فكل حديث عن تراجع قدرة إيران على تسليح حزب الله يمر ضمناً عبر الجغرافيا السورية. وإذا كانت طهران، وفق هذا التقدير، لم تعد قادرة بصورة موثوقة على تزويد الحزب أو الميليشيات العراقية بأسلحة متقدمة، فإن إحدى أهم وظائف سوريا السابقة، أي كونها ممراً نحو لبنان، باتت موضع استهداف أمريكي مباشر. ومن هنا يصبح ضبط الحدود السورية شرطاً غير معلن لأي محاولة جدية لتقليص قدرة حزب الله على تعويض خسائره.
ولا يتعلق الأمر بالحدود وحدها. فالدور السوري في العلاقة بين إيران وحزب الله كان على الدوام مزيجاً من الجغرافيا والسياسة والأمن. لذلك فإن أي تحوّل في وضع دمشق، أو في قدرتها على ضبط أراضيها، سينعكس على لبنان. فإذا استقرت سوريا الجديدة، وتقلصت قدرة شبكات التهريب على الحركة، ستصبح قدرة حزب الله على ترميم مخزونه العسكري أكثر كلفة وتعقيداً. أما إذا عادت الفوضى إلى أجزاء واسعة من البلاد، فقد تجد إيران وحلفاؤها ثغرات جديدة لإعادة تشغيل خطوط بديلة.
ويتقدم النقاش هنا من الجغرافيا إلى السياسة اللبنانية الداخلية. فحزب الله يظهر في النص جزءاً من شبكة التهديد الإيرانية، وفي الوقت نفسه قوة تعيق قيام الدولة اللبنانية بسلطتها الكاملة. من هنا يبرز التركيز على الجيش اللبناني بوصفه المؤسسة التي تراهن عليها واشنطن في أي مسار لنزع سلاح الحزب أو تقليص قدرته على فرض معادلة موازية للدولة.
غير أن هذا الرهان بالغ الحساسية، إذ لا يتحرك الجيش اللبناني في فراغ، وأي دفع مباشر له إلى مواجهة ملف السلاح من دون تسوية سياسية داخلية قد يضعه أمام اختبار خطر. كما أن تراجع خطوط الإمداد الإيرانية لا يعني تلقائياً تفكك قدرة حزب الله، لكنه يضع الحزب أمام واقع أكثر صعوبة، خصوصاً إذا تزامن الضغط الخارجي مع تحولات داخل لبنان وسوريا. لذلك لا يقف الرهان الأمريكي عند حدود قطع الإمداد، بل يتقدم نحو محاولة تحويل الضعف العسكري النسبي للحزب إلى فرصة سياسية للدولة اللبنانية.
سوريا واختبار تراجع إيران
تحتل عملية «الغضب الملحمي» موقعاً مركزياً في عرض كوبر أمام الكونغرس، بوصفها المنعطف الذي أضعف قدرة إيران على إبراز قوتها وفتح نافذة لإعادة ترتيب ميزان القوة. غير أن القيمة السياسية للعملية تقاس بمدى قابلية نتائجها للتثبيت في الساحات التي اعتمدت عليها طهران طويلاً، وفي مقدمتها سوريا.
في هذا المعنى، لا تبدو سوريا مجرد نتيجة جانبية لتراجع إيران، بل ساحة اختبار لهذا التراجع. فإذا استطاعت دمشق تثبيت الأمن، ومنع تحوّل أراضيها إلى ممرات مفتوحة، فإن الضغط على إيران سيأخذ شكلاً مستداماً. أما إذا تعثرت، فقد تتمكن طهران ووكلاؤها من إيجاد طرق جانبية لترميم جزء مما خسروه، سواء عبر شبكات تهريب، أو عبر مناطق رخوة أمنياً، أو عبر تحالفات محلية تبحث عن حماية ومصالح.
ورغم النبرة الواثقة في إفادة كوبر، لا تتعامل واشنطن مع التحول بوصفه نتيجة نهائية. فهي تتحدث عن تراجع إيران، لكنها تطالب بيقظة مستمرة؛ وتتحدث عن انكفاء تنظيم «الدولة الإسلامية»، لكنها تجعل سوريا مركز الثقل في منع عودته؛ وتشير إلى فرصة في لبنان، لكنها تقر بأن نزع سلاح حزب الله سيبقى مساراً محفوفاً بالاحتكاك.
ونجاح الرؤية الأمريكية يتوقف على قدرة دمشق على تحويل موقعها الجديد إلى استقرار فعلي، لا إلى عبء إضافي.
- القدس العربي


























