يبدو أن الفترة القريبة المقبلة تحمل معها علاقة من نوع أكثر تقدماً بين دمشق وواشنطن على الصعيد الأمني، وإن لم تكن عبر اندفاع دبلوماسي مفتوح، لكنها قد تكون عبر ملفات محددة تفرض نفسها على الطرفين، وفي مقدمتها مكافحة “تنظيم الدولة” (داعش)، وضبط الحدود، ومتابعة مصير الأميركيين المفقودين في سوريا.
وتمنح إفادة قائد القيادة المركزية الأميركية (سنتكوم)، الأدميرال براد كوبر، أمام لجنة القوات المسلحة في مجلس الشيوخ، مؤخراً، صورة واضحة عن هذا الاتجاه، إذ تتعامل واشنطن مع الساحة السورية كجزء مباشر من أمنها القومي، وتربط استقرارها بمنع عودة التنظيم، وتضع التعاون مع دمشق ضمن مقاربة عملية تقيس النتائج بشكل أساسي.
ويكشف هذا المسار انتقالاً أميركياً تدريجياً من إدارة سوريا كأزمة مفتوحة إلى التعامل معها كساحة اختبار لترتيب أمني جديد في الشرق الأوسط. إذ تقوم هذه المقاربة على تخفيف العبء العسكري الأميركي المباشر، وتوسيع دور الشركاء الإقليميين، وربط التعاون الأمني بمصالح أوسع تتصل بالاستقرار والتجارة والطاقة وإعادة تموضع واشنطن في المنطقة.
الأمن كبوابة نفوذ أميركي جديد
وحتى إن لم يمنح هذا التحول دمشق موقع الشريك الكامل في الحسابات الأميركية، لكنه يضعها أمام فرصة عملية لإثبات قدرة سوريا الجديدة على إدارة ملفات شديدة الحساسية، كما يضع واشنطن أمام اختبار قدرتها على تحويل التعاون الأمني المحدود إلى نموذج أقل كلفة من التدخلات العسكرية الواسعة التي استنزفت سياستها الشرق أوسطية خلال العقدين الماضيين.
ويقول الباحث في شؤون الولايات المتحدة، نبيل خوري، خلال حديثه لموقع “تلفزيون سوريا”، إن الرؤية الأميركية تجاه سوريا تتمحور ضمن محاولة أوسع لإعادة ضبط الحضور الأميركي في الشرق الأوسط بأدوات أقل كلفة وأكثر ارتباطاً بالمصالح المباشرة، حيث لا تريد واشنطن العودة إلى إدارة تفصيلية للملف السوري، لكنها لا تستطيع تركه خارج حساباتها الأمنية، لأن أي فراغ جديد في سوريا سينعكس على العراق والأردن وشرق المتوسط.
ويرى أن إدارة ترمب تتعامل مع دمشق من زاوية الوظيفة الأمنية التي يمكن أن تؤديها في مكافحة “داعش” وضبط الحدود. مضيفاً أن واشنطن تختبر في سوريا نموذجاً يقوم على تحويل الأمن إلى مدخل للنفوذ، عبر التنسيق والاستخبارات والضغط الاقتصادي والمشاريع المرتبطة بالطاقة والاستقرار.
ومن وجهة نظره، فإن هذه المقاربة تمنح الولايات المتحدة قدرة على البقاء داخل المعادلة السورية من دون تحمل أعباء إعادة الإعمار، كما تضع دمشق أمام اختبار يتعلق بقدرتها على تحويل السيطرة إلى إدارة مستقرة، وضبط السلاح، والتعامل مع الملفات التي تهم واشنطن، ضمن علاقة عملية ستتوسع أو تنكمش تبعاً لما تنتجه على الأرض.
واشنطن ودمشق أمام اختبار “داعش”
تتعامل إفادة كوبر مع سوريا من مدخل واضح، هو منع عودة “داعش” قبل تحوله مجدداً إلى تهديد إقليمي أو خارجي، فقد قال قائد “سنتكوم” إن الهجمات المرتبطة بالتنظيم في العراق وسوريا تراجعت إلى أدنى مستوياتها منذ عام 2013، لكنه ربط هذا التراجع باستمرار الضغط العسكري والأمني، وذكر أن عمليات التحالف منذ كانون الثاني 2025 أدت إلى مقتل 97 عنصراً واعتقال نحو 900 آخرين، كما أعاد التذكير بهجوم تدمر في كانون الأول 2025 الذي قتل فيه جنديان أميركيان ومترجم مدني.
وتتقدم سوريا ضمن هذا المسار داخل حسابات القيادة المركزية لأنها تجمع بين عناصر يصعب فصلها، سواء خلايا التنظيم، أو السجون، والمخيمات، والحدود العراقية، والدور الأردني، وموقع دمشق الجديد داخل التحالف الدولي ضد “داعش”. وقد نقلت “أسوشيتد برس” في وقت سابق عن مسؤولين أن سوريا التزمت بالانضمام إلى التحالف ضد التنظيم، مع توضيح سوري أن هذا الانضمام يعني التنسيق في ملفات محددة ولا يعني دخول دمشق في الهيكل العسكري لعملية “العزم الصلب”، وهو تفصيل مهم لأنه يضع التعاون في إطاره الواقعي ويمنع تحميله ما لا يحتمله سياسياً أو عسكرياً.
في حين تضع واشنطن تعاونها مع دمشق داخل حقل عملي ضيق، وتتعامل معه كمسار قابل للقياس من خلال العمليات والمعلومات والحدود. وبهذا المعنى، يكتسب التواصل بين الجانبين قيمة أمنية، لأن القيادة المركزية تحتاج إلى طرف قادر على التعامل مع خلايا “داعش” داخل الجغرافيا السورية، بينما تحتاج دمشق إلى قنوات تمنحها قدرة أكبر على ضبط ملفات ما بعد الحرب وتخفيف الضغوط الخارجية عليها.
الرؤية الأميركية الجديدة في الشرق الأوسط
تقول الباحثة السياسية منى يعقوب، خلال حديثها لموقع “تلفزيون سوريا”، إن التحول الأهم في المقاربة الأميركية لسوريا يظهر في انتقال واشنطن من إدارة الملف عبر أدوات عسكرية منفصلة إلى محاولة ربط الأمن بمسارات أوسع تشمل الاستقرار المحلي، وترتيبات الحدود.
وترى أن التعاون مع دمشق في مكافحة “داعش” يعكس إدراكاً أميركياً بأن استمرار الفراغات الأمنية سيمنح التنظيم فرصة جديدة للحركة، خصوصاً في ظل هشاشة ملف المخيمات والسجون وصعوبة ضبط شبكات التهريب والتنقل بين سوريا والعراق.
وتوضح أن أي علاقة أمنية متقدمة بين واشنطن ودمشق ستبقى مشروطة بدرجة عالية، لأن الولايات المتحدة تنظر إلى سوريا من خلال ميزان عملي يقيس قدرة المؤسسات على تنفيذ التعهدات وحماية مرافق الاحتجاز والتعاون في الملفات الإنسانية الحساسة.
وتعتبر أن إدارة ترامب قد تستخدم الملف السوري لتجربة نموذج يقوم على الأمن والتجارة والاستقرار بدلاً من التدخل العسكري المباشر، لكن نجاح هذا النموذج يحتاج إلى انتظام داخلي واضح في سوريا.
في المحصلة، تبدو سوريا اليوم ضمن عقيدة “سنتكوم” نقطة ارتكاز أساسية في معادلة الأمن الأميركي في الشرق الأوسط، إذ يمنح ملف مكافحة “داعش” واشنطن مدخلاً مباشراً للتنسيق مع دمشق، بينما يضفي ملف مخيمات عائلات التنظيم والسجون طابعاً أكثر إلحاحاً على هذا التنسيق. ومع دخول ملفات التجارة والطاقة والاستثمار إلى المشهد، تتشكل مقاربة أميركية أكثر براغماتية تجاه سوريا، تقوم على اختبار النتائج ميدانياً وسياسياً، ورفع مستوى العلاقة بقدر ما تسمح به الوقائع.
بهذا المعنى، تدخل دمشق تدريجياً في موقع مؤثر داخل هندسة الأمن الأميركي، حيث تطلب واشنطن شريكاً قادراً على تقليل المخاطر، وتطلب دمشق مساحة أكبر لتثبيت حضورها الخارجي، وبين هذين المسارين تتقدم علاقة أمنية حذرة، قابلة للتوسع إذا أنتجت نتائج ملموسة، وقابلة للانكماش إذا بقيت الملفات الثقيلة خارج السيطرة.
- تلفزيون سوريا



























