يشير الخطاب الأممي الأخير في اجتماع مجلس الأمن حول سوريا إلى تحول عميق في طبيعة المقاربة الدولية للملف السوري، إذ لم تعد القضية تختزل في توصيف الحرب ومساراتها العسكرية، إنما أصبحت مرتبطة بإدارة مرحلة ما بعد الحرب بكل ما تحمله من تعقيدات قانونية وسيادية واقتصادية وإنسانية، في لحظة انتقالية تتداخل فيها محاولات إعادة بناء الدولة مع استمرار مظاهر التفكك التي خلفتها سنوات الحرب الطويلة. تأتي هذه الأفكار لكون سوريا اليوم أمام مشهد سياسي جديد اختفت فيه المعارك الواسعة النطاق لصالح صراعات محلية مناطقية مرتبطة بإعادة إنتاج الشرعية، وإدارة الانهيار الاقتصادي، وتنظيم العلاقة بين السلطة الجديدة والمجتمع الدولي، إضافة إلى التعامل مع تركات الحرب الثقيلة على مستوى المؤسسات والهياكل الاجتماعية والجغرافيا الأمنية.
هنا تبرز مسألة المساءلة بوصفها أحد أبرز عناوين المرحلة الجديدة، خصوصاً مع بدء محاكمات رموز نظام الأسد وهي خطوة تحمل دلالات تتجاوز البعد القضائي المباشر نحو محاولة تأسيس سردية سياسية وقانونية مختلفة لسوريا الجديدة، تقوم على بناء الشرعية انطلاقاً من العدالة الانتقالية وربط السلطة المستقبلية بمفهوم المحاسبة القانونية وحقوق الإنسان. يمنح هذا المسار القانوني المرحلة الانتقالية بعداً مؤسساتياً نحو بناء مرجعية قانونية جديدة للدولة نفسها. يعكس استناد لائحة الاتهام إلى القانون السوري والقانون الدولي توجهاً نحو دمج الالتزامات الدولية ضمن الهيكلية الدستورية والقضائية السورية، الأمر الذي يمنح هذه المحاكمات وظيفة سياسية تتعلق بإعادة تموضع سوريا ضمن النظام الدولي، ووظيفة داخلية مرتبطة بإعادة تشكيل العلاقة بين السلطة والمجتمع بعد عقود من تغول الأجهزة الأمنية وتحويلها إلى مركز فعلي للحكم.
انفتاح دولي على سوريا الجديدة
ويتزامن هذا الطرح مع انفتاح دولي وإقليمي متزايد على سوريا الجديدة، حيث تعكس الإحاطات الأممية لغة مختلفة عن السنوات السابقة، تتحدث عن التعافي، وإعادة الإعمار، وعودة اللاجئين، وتحسين الوصول الإنساني، ومحاربة الجريمة المنظمة ومكافحة الإرهاب والنزعات الانفصالية في سبيل الاستقرار ومكافحة تهريب الكبتاغون ضمن نسق إقليمي ودولي شامل. لكن هذا الانفتاح يجري ضمن بيئة مرهقة، إذ ما تزال الدولة السورية تعاني من أزمة بنائية وإدارية وسياساتية تظهر ملامحها في الخدمات والبنية التحتية والقدرة الاقتصادية والقرارات الإدارية على مستوى الإدارات ما دون الرئاسة، في وقت تعتمد فيه شريحة كبيرة على المساعدات الإنسانية والتحويلات الخارجية، الأمر الذي يجعل أي حديث عن الاستقرار مرتبطاً بشبكات دعم دولية أكثر من ارتباطه بقدرات داخلية مستقلة. هنا تكشف تقديرات الأمم المتحدة المتعلقة بحاجة أكثر من 15 مليون سوري إلى المساعدة الإنسانية عن حجم الفجوة بين التحولات السياسية الجارية وبين الواقع الاقتصادي والاجتماعي الفعلي ، حيث تتقدم العملية السياسية بوتيرة أسرع من قدرة الاقتصاد والمؤسسات على التعافي؛ وبالتالي من الضرورة فهم الواقع والقدرات والإمكانيات لتلافي الفجوة بين المسار السياسي والأمني والدبلوماسي والاقتصادي؛ والأخير الأهم في هذه المرحلة لكسب الجمهور. هذا الطرح متبوع بقلق دولي عمومًا، إذ يبقى ملف عودة اللاجئين والنازحين الأكثر تعقيداً في المرحلة السورية الحالية، وترتبط زيادة أعداد العائدين بضغوط متصاعدة على الخدمات والإسكان والبنية التحتية وسوق العمل، في ظل محدودية الموارد وضعف القدرة الحكومية على الاستيعاب. كما تحوّل ملف العودة إلى قضية اقتصادية واجتماعية وسياسية ترتبط بإعادة دمج ملايين السوريين داخل بيئة مدمرة ومحدودة الفرص، مع تصاعد المخاوف من توترات اجتماعية ناتجة عن التنافس على العمل والخدمات والسكن، خاصة مع استمرار عودة أعداد كبيرة من السوريين من دول الجوار تحت عنوان “العودة الطوعية”، بفعل الضغوط الاقتصادية والأمنية هناك، ما يضيف أعباءً جديدة على الداخل السوري في مرحلة تعافٍ هشّة. تشير التقديرات الأممية إلى عودة أكثر من مليون و700 ألف لاجئ سوري إلى البلاد، في وقت ارتفعت فيه أسعار الديزل بنحو 17%، وتكاليف الكهرباء بمئات النسب المئوية في بعض المناطق، مع تراجع حجم أرغفة الخبز المدعوم بنسبة 12%. كما تضرر نحو 13 ألف شخص جراء الفيضانات في الشمال السوري منذ أواخر إبريل/ نيسان. وعلى مستوى التمويل، لم تتجاوز الاستجابة الإنسانية 16% من الاحتياجات المطلوبة، إذ جرى توفير نحو 480 مليون دولار فقط من أصل 2.9 مليار دولار، فيما يأتي قرابة 90% من التمويل من الولايات المتحدة، والدول الأوروبية ،واليابان، وكندا.
ماذا عن الجنوب السوري؟
يعكس نقاش مجلس الأمن حول الجنوب السوري نموذجاً واضحاً لأزمة السيادة التي ما تزال تحكم المرحلة الحالية في سوريا، إذ إن الحديث الأممي المتكرر عن التوغلات الإسرائيلية في القنيطرة ودرعا وريف دمشق الغربي، وعمليات القصف، والحواجز العسكرية، واعتقال واحتجاز المدنيين من قبل إسرائيل، يوضح أن الجغرافيا السورية ما تزال مفتوحة أمام تدخلات إقليمية مباشرة ترتبط بحسابات الأمن الحدودي الإسرائيلي وإعادة رسم التوازنات العسكرية في مرحلة ما بعد الأسد. وتكشف هذه التطورات عن طبيعة الدولة السورية الجديدة بوصفها دولة تسعى إلى إعادة بناء مؤسساتها ضمن فضاء سيادي لكنه منقوص، إذ تتحرك داخله قوى إقليمية ودولية متعددة، الأمر الذي يجعل ملف السيادة مرتبطاً بموازين القوى الخارجية بقدر ارتباطه بإعادة بناء مؤسسات الدولة نفسها. كما أن استمرار النشاط العسكري الإسرائيلي في الجنوب يرسخ تحول هذه المنطقة إلى مساحة أمنية حساسة تتقاطع فيها الحسابات الإسرائيلية مع ترهل البنية العسكرية السورية بعد سنوات الحرب.
أما اقتصادياً، فإن تخفيف بعض العقوبات وتحسن الوصول الإنساني لم ينعكسا بصورة مباشرة على الواقع المعيشي، حيث ما تزال سوريا تواجه أزمة اقتصادية عميقة مرتبطة بنقص التمويل وارتفاع أسعار الطاقة والغذاء وتدهور القدرة الشرائية، في وقت تتراجع فيه مساهمات المانحين الدوليين بوتيرة أسرع من تراجع الاحتياجات الإنسانية. وتشير بيانات الأمم المتحدة إلى أن تمويل خطة الاستجابة الإنسانية لم يتجاوز نسبة محدودة من الاحتياجات المطلوبة، مع اعتماد أساسي على الولايات المتحدة والدول الأوروبية واليابان وكندا، وهذا ما يكشف استمرار تشكل الاقتصاد السوري ضمن نموذج الاقتصاد الإنساني القائم على المساعدات الخارجية أكثر من اعتماده على دورة إنتاج وطنية مستقرة. كما أن اضطرار برنامج الأغذية العالمي إلى تقليص مساعداته وتعليق دعم الخبز يوضح حجم الضعف المرتبط بالأمن الغذائي داخل البلاد، ويؤكد أن أي تراجع في التمويل الدولي ينعكس مباشرة على الحياة اليومية للسكان.
تأثير إغلاق مضيق هرمز
وفي الإطار نفسه، تكشف النقاشات الأممية عن تأثير إغلاق مضيق هرمز على أسعار الوقود والغذاء داخل سوريا عن مدى الترابط بين الأزمة السورية والتحولات الجيوسياسية الإقليمية، حيث أصبحت البلاد شديدة التأثر بأي اضطراب في حركة الطاقة والتجارة الإقليمية نتيجة اعتمادها الكبير على الاستيراد وضعف قدرتها الإنتاجية المحلية، وهو ما يجعل الاقتصاد السوري جزءاً من شبكة تحديات إقليمية أوسع تتداخل فيها الأزمات الأمنية والطاقة والتجارة. كما أن ارتفاع أسعار الديزل والكهرباء وتراجع القدرة الشرائية يعكس استمرار تشكل الاقتصاد السوري ضمن منطق اقتصاد الطوارئ، الذي تدار فيه الحياة اليومية عبر حلول مؤقتة ومساعدات محدودة وقدرات إنتاجية ضعيفة.
على أرض الواقع ، يشهد الملف السوري تحولاً متزايداً من مقاربة تركز على الحرب والصراع العسكري إلى مقاربة تقوم على إعادة توظيف الموقع الجغرافي السوري ضمن مشاريع الربط الإقليمي والدولي، خاصة مع تصاعد الحديث الأميركي والخليجي والتركي عن تحويل سوريا إلى ممر استراتيجي يربط الخليج والعراق وتركيا وشرق المتوسط بأوروبا، في ظل التحولات التي تشهدها طرق التجارة والطاقة العالمية بعد اضطرابات البحر الأحمر ومضيق هرمز نتيجة الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران وهجوم إيران على دول الخليج العربية وارتفاع أهمية الممرات البرية البديلة.
وفي هذا السياق، برزت تصورات يقودها المبعوث الأميركي توم باراك تقوم على ربط الاستقرار السياسي في سوريا بمشاريع البنية التحتية والطاقة والنقل، عبر إعادة تأهيل الطرق الدولية وخطوط السكك الحديدية والموانئ وخطوط الأنابيب، بما يسمح بإعادة دمج سوريا ضمن شبكات التجارة والطاقة الممتدة من الخليج إلى أوروبا. وتستند هذه الرؤية إلى الموقع الجغرافي السوري الذي يربط العراق والخليج بشرق المتوسط وتركيا، ما يمنح دمشق فرصة للتحول إلى عقدة عبور إقليمية بعد سنوات طويلة من العزلة والحرب.
كما عاد الحديث عن مشاريع قديمة توقفت خلال الحرب، مثل خط كركوك ـ بانياس، إضافة إلى مشاريع غاز ونقل إقليمي تربط الخليج وشرق المتوسط بتركيا وأوروبا عبر الأراضي السورية، وهو ما يضع سوريا مجدداً في قلب التنافس الجيوسياسي المرتبط بالطاقة والممرات التجارية. ويترافق ذلك مع توجهات لدمج مناطق شمال شرق سوريا ضمن الاقتصاد الوطني الجديد، نظراً لأهمية تلك المناطق في ملفات النفط والغاز والمعابر البرية.
وتعكس هذه المشاريع، وهذا التوجه الدولي، محاولة لإعادة إنتاج الدور التاريخي لسوريا بوصفها نقطة وصل بين آسيا وأوروبا والخليج، ضمن نموذج اقتصادي جديد يقوم على الخدمات اللوجستية والطاقة والنقل الإقليمي، في وقت تسعى فيه القوى الدولية والإقليمية إلى ربط الاستقرار السوري بمصالح اقتصادية عابرة للحدود، تجعل من إعادة إعمار سوريا جزءاً من إعادة تشكيل خرائط التجارة والطاقة في المنطقة بأكملها.
- المدن


























