ثمة صناعةٌ قائمة بذاتها في عالم الإعلام والبحث العربي، والسوري النخبوي، العلماني والحداثي، خصوصاً، اسمها: “رصد أسلمة سوريا”، لها أدواتها ومنصّاتها ومموّلوها، وتعمل بجدٍّ ونشاطٍ لافتَين. وهي في جوهرها ليست بحثاً علمياً ولا صحافةً استقصائية، بقدر كونها هي شيئاً أقرب إلى الانتظار المُتعجّل، انتظار أي مشهدٍ، أي حادثة، أي تغريدة لشيخ غاضب أو مسيرة عشرات المُكبّرين في شارع، لتحوّله في غضون ساعات إلى “دليل” على أن سوريا تسير نحو الظلام.
شاهدنا هذا مع حملة الشيخ الذهبي. وشاهدناه مع مقاطع التكبير في بعض الشوارع. وسنشهده مع كل ظاهرة هامشية شاذة تظهر في مجتمعٍ يعيش أجواء الحرية لأول مرة منذ عقود. المنهجُ واحد دائماً: الظاهرةُ الجانبية تُعامَل باعتبارها النمطَ، والاستثناءُ يُقدَّم بوصفه القاعدة، والهامشُ يُصوَّر على أنه المركز.
والمشكلة ليست في الرصد بحد ذاته، فالرصد النقدي واجبٌ ومشروع، بل في الانتقائية المُضمرة التي تحكمه. فهذه المواقع وتلك المراكز البحثية التي تحفر بلهفة اليائسين في كل ظاهرة دينية شاذة، هي ذاتها التي تُغادر المشهدَ السوري بصمتٍ مريب حين يتعلق الأمر بالتحولات الحقيقية الكبرى التي تجري منذ التحرير، تحولاتٌ لا تناسب الروايةَ المُعدَّة سلفاً.
ما الذي لم يُرصد، ولا يُرصدُ، في سوريا إذاً؟ ما يزيد الأمر إثارةً للاستغراب أن هذه المنصات ذاتها لم تُنتج، طوال عقود الأسد، عُشرَ هذا الزخم البحثي في رصد أسلمة الاستبداد، وتوظيف الدين خدمةً للطاغية، وتجنيد المشايخ لتبرير القتل والتهجير. وهكذا، لاتستحق الأسلمةُ حين تكون في خدمة الطغيان دراسةً، أما حين تظهر في شارع حرٍّ على شكل تكبير، فهي كارثةٌ تستوجب عشرات التقارير.
فوق ذلك، تجري في سوريا، منذ سقوط نظام الأسد، عمليةٌ لا نظير لها في المنطقة، تتمثل في ظهور وتطور عملية مصالحة عضوية تدريجية بين الدين والحياة، وبين المجتمع والدولة، وبين السياسة والواقع اليومي للناس. وهي ليست مصالحةً مفروضةً من فوق بمراسيم، ولا مُوجَّهةً من خلف الكواليس بأجندات، وإنما تنبع من ضغط التجربة الوجودية التي عاشها السوريون، ومن طبيعة القيادة التي تحكم اليوم، وهي قيادةٌ إسلامية الخلفية مضطرةٌ بحكم الواقع ومتطلبات الدولة إلى أن تُفكّر بأدواتٍ لم تُدرَّب عليها في خطابات المعارضة.
فالرئيس أحمد الشرع وقيادته يواجهون يومياً معادلاتٍ لا تحلّها الشعارات: ملف الأقليات، وإدارة التعددية، والانفتاح على العالم، والتعامل مع مؤسسات دولةٍ هشّة ومجتمعٍ مُثقل بجراح عميقة. وكل قرارٍ يُتّخذ في هذا السياق هو – شاء أصحابه أم أبَوا- إسهامٌ في إعادة تعريف العلاقة بين الإسلام والحكم، وبين الدين والسياسة، بطريقةٍ أكثر عمقاً وأثراً من أي خطاب فكري مكتوب.
والأهم من ذلك كله: أن هذه القيادة تتعلّم علناً وأمام الناس. تتراجع حين تُخطئ، وتُعدّل حين يضغط الواقع، وتتحاور حين كان المتوقع منها -وفق النموذج التفسيري القديم- أن تفرض وتُصادر. هذه المرونة العملية في ذاتها ظاهرةٌ تستحق عشرات الدراسات، لأنها تعني أن الممارسة تُعلّم أكثر مما علّمت السنواتُ الطويلة من الخطاب الحركي المغلق.
هذا هو الحدث. هذا هو ما يستحق الدراسة والتحليل والمتابعة. لكنه -للأسف- لا يُنتج ترندات ولا يُغري حُفّاري اليأس! والحقيقة أن ما يُسمّى في كثيرٍ من الأحيان “مراكز بحث” أو “منصات تحليلية” معنية بالشأن السوري، باتت تفتقر بشكلٍ لافتٍ إلى ما يُميّز البحثَ عن الرأي المُسبَق: القدرةُ على مفاجأة النفس بما تجده. فحين يذهب الباحث إلى الميدان وهو يعرف ما سيجد قبل أن يبحث، وحين تكون النتيجةُ مُقرَّرةً قبل الشروع في الدراسة، فنحن لسنا أمام بحث.. وإنما أمام توثيقٍ للتحيّز.
والفارق بين الاثنين فارقٌ حضاري قبل أن يكون منهجياً. والواضحُ أن النخب العلمانية والحداثية التي تحتكر هذا الخطاب -في سوريا وفي المنطقة- تعاني من أزمةٍ فكرية حقيقية لم تعترف بها بعد: لقد أفلس نموذجُها التفسيري أمام الوقائع السورية. فهي لم تتوقع ما حدث في كانون الأول ولم تُحسن قراءة مآلاته، ولم تملك الأدوات المفاهيمية للتعامل مع ظاهرةٍ كأحمد الشرع، لا هو الملّا الكلاسيكي الذي يعرفونه، ولا هو الزعيم العلماني الذي يرتاحون إليه. فكان الحل الأسهل: الانتظار حتى تنزلق سوريا إلى ما يألفونه، أو -حين لا تنزلق- التكبيرُ من ظاهرةٍ هامشية وتضخيمها حتى تملأ الفراغ الذي يتركه غيابُ الفهم الحقيقي.
والأخطر في هذه المعادلة أن هذا الخطاب لا يكتفي بالتشويه، وإنما يُنتج أثراً عملياً مزدوجاً ومُدمِّراً، فهو من جهة يُضخّم الهامشيين ويمنحهم أهميةً لا يستحقونها، فيُشعرهم بأنهم يمثلون شيئاً ويمنحهم زخماً لم يكن لهم. ومن جهةٍ أخرى يُضيق الهامش أمام القيادة السورية، ويُعقّد خياراتها أمام الرأي العام الداخلي والخارجي، في الوقت الذي تحتاج فيه أكثر ما تحتاج إلى فضاءٍ من الثقة والوقت لإنضاج تجربتها. إنه خطابٌ يُسهم في إنتاج ما يدّعي أنه يحذّر منه.
إن سوريا تعيش اليوم -بكل ما في الأمر من فوضى وهشاشة وتعقيد- تجربةً من أكثر التجارب إثارةً للتأمل في علاقة الإسلام بالحكم في العصر الحديث. وهذه ليست تجربةً مثالية، وليست نموذجاً جاهزاً للتصدير، لكنها حيّةٌ ونابضة وتنتج يومياً وقائع وسوابق وتحولات تستحق أن يُكتب عنها بعيونٍ مفتوحة وعقولٍ خاليةٍ من الأحكام المُسبَقة.
أما من يُفضّل أن يرى سوريا من نافذة مسيرة عشرات المُكبّرين، ويُعرض عن رؤيتها من نافذة قرارٍ دولة وتحوّل مجتمع، فهو حرٌّ في اختياره. لكنه ليس باحثاً، وما يكتبه ليس تحليلاً. إنه فقط يائسٌ يحفر بحثاً عن تأكيدٍ لما قرّره قبل أن يبدأ. وتلك -للأسف- مهنةٌ رائجة هذه الأيام!
- الثورة السورية






















