من المُقترحات المفيدة ربط تجديد ولاية المسؤول الحكومي بمدى قدرته على تحقيق تقدم ملموس في مؤشرات الأداء العالمية في المجالات الاقتصادية أو الخدمية أو الأمنية بذات الصلة. يمكن تقييم مستوى أداء المجتمعات والحكومات عبر وسائل ومعايير مختلفة. قد تكون تقييمات كمية أو نوعية، ذاتية أو موضوعية، على المستوى الوطني أو على المستوى العالمي.
إنّ تقييم أداء الحكومات والإدارات يعكس عموماً حال المستوى الحيوي للمجتمعات وإمكاناتها، حيث أن السلطة أو الإدارة السياسية تشكل قمة الهرم الاجتماعي– الثقافي، وهنا يشمل التقييم كذلك طبيعة وأداء قوى المجتمع المدني والمعارضة، كونها مشمولة في السياسة والاجتماع السياسي.
الإنسان العادي المتوازن لا يدعم حكومة لا تقدم الخدمات التي يحتاجها وبما قد ينعكس سلباً في واقع معاشه. بالمقابل، إن افتراض أن موقف الموالاة والمعارضة للسلطة الحاكمة يأخذ طابعاً موضوعيا هو بحد ذاته غير دقيق في كثير من الحالات، فقد يكون الموقف السياسي ناتجاً عن أسباب عاطفية أو اجتماعية- ثقافية، حيث قد يوالي فقراء وأشخاص لا تهتم السلطة بمعاشهم، بناء على دوافع طائفية أو قومية أو مناطقية أو عائلية، وهذا ما قد يعكس خللاً في طبيعة السلطة و ثقافة الشعب أيضاً.
إنّ المجتمعات والأشخاص الذين يغلب عليهم التقييم الموضوعي للأداء الحكومي هم أناس يحترمون حريتهم واستحقاقاتهم الوجودية. ينبغي نزع صفحة الشَّخصنَة عن مؤسسات الدولة والإدارات السياسية، فرئيس الجمهورية أو الوزير أو المحافظ ينبغي أن يكونوا موظفين مؤتمنين بتفويض محدد يتعلق بتقديم الخدمات والإنجاز. في العموم، القاعدة هي دعم الحكومات بناء على مستوى الأداء وتقديم الخدمات، ويمكن النظر إلى أشكال المناصرة الأخرى كحالات تعكس قصوراً وخللاً قابلاً للتصحيح من خلال التوعية والنضج السياسي.
لا يمكن الحديث عن تقييم علمي موضوعي بدون استخدام المؤشرات الكمية أو شبه الكمية، ومن مزايا ذلك تقليص مساحة الانحيازات الثقافية – العاطفية، وكذلك الانحيازات الفئوية السياسية المؤدلجة، وكذلك الخروج من ثنائية المُحبّ – الكاره. كما أن حضور سوريا في لوائح التصنيف العالمية ومؤشرات التقييم يعزز فكرة المُنافسة والمقارنة مع أداء حكومات ومجتمعات أخرى.
خلال الحقبة الأسدية كانت سوريا تعيش تقريباً في جزيرة معزولة، حيث أن أحد أسس بناء واستمرار الاستبداد هو الانغلاق ومنع المقارنة مع الآخرين، بحيث يألف الإنسان الحالة المُزرية التي عاش ويعيش فيها ويعتبرها حالة طبيعية. المهم هنا أن تتمتّع الجهة المُصدرة للتصنيف والمُشرفة على التقييم بالحياد النسبي والمصداقية، وهذا متوفر على الصعيد العالمي من خلال مؤسسات تابعة للأمم المتحدة أو جهات بنَت مصداقيتها خلال عقود طويلة.
لا ينبغي النظر إلى تصنيف دولة ما ضمن القائمة كمجرد نطاق أو رقم فقط، حيث أن هذه التصنيفات تستند وتغطي عدة مجالات تفصيلية، عادة ما تكون مُتضمنة في التقارير نفسها. مثلاً، التقرير الصادر عن مجلس حقوق الإنسان للأمم المتحدة يغطي مجالات: التعذيب، الاختفاء القسري، جرائم الحرب، حقوق اللاجئين، حرية الاعتقاد. بينما مؤشر حرية الصحافة العالمي يستند إلى خمسة محاور رئيسية في التقييم تشمل: السياق السياسي، الإطار القانوني، سلامة الصحفيين، الوضع الاجتماعي، الوضع الاقتصادي. وبالتالي نستطيع معرفة نقاط الضعف و النقاط التي ينبغي تحسينها.
من مصلحة الحكومة السورية – وأي حكومة أخرى – الاهتمام ومتابعة التقارير العالمية للتصنيف لكونها تصلح كمؤشرات موضوعية لدعم مشروعيتها وتحسين سمعة سوريا عالمياً.
لا ينبغي استخدام مؤشرات تقييم دولية بشكل انتقائي كأجندات تسويقية ، مثلاً في سوريا قبل اندلاع الثورة السورية كان الناتج الإجمالي المحلي GDP كمؤشر حول حجم الاقتصاد يحقق ارتفاعاً ملحوظاً، وقد حقق الاقتصاد السوري في تلك المرحلة نسباً جيدة للنمو عالمياً.
ولكن بالمقابل ترافق هذا النمو مع زيادة التفاوت الطبقي ضمن المجتمع السوري نفسه مع زيادة معدلات الفساد. لذلك، من المهم ربط مؤشرات من قبيل الناتج المحلي الإجمالي ونسب نمو الاقتصاد بمؤشرات أخرى كمؤشر الشفافية الدولية ومؤشر الفقر متعدد الأبعاد مثلاً.
بناء على ما سبق، يصبح من السهولة بمكان تقييم أداء وزارة الصحة مثلاً من خلال مراجعة مؤشرات من قبيل : متوسط العمر المتوقع، معدل وفيات الأطفال الرضع، معدل وفيات الأمهات المرتبط بالحمل والولادة، نسبة تغطية اللقاحات، عدد أسرة المستشفيات بالنسبة لعدد السكان، مؤشر التغطية الصحية الشاملة، والذي يهتم بتقييم إمكانية وصول الإنسان للخدمات العلاجية والوقائية مثلاً.
بنفس المنطق، يصبح من السهولة بمكان تقييم أداء وزارة التربية والتعليم من خلال مراجعة مؤشرات جودة التعليم PISA، نسب الأمية، نسبة التسرب من المدارس، نسبة المعلمين إلى الطلاب، متوسط عدد الطلاب في الصف الدراسي، التصنيفات العالمية للجامعات.. إلخ.
في عام ،2026 حققت سوريا تقدّماً مُهماً في مؤشر حرية الصحافة العالمي الصادر عن منظمة “مراسلون بلا حدود”، حيث صعدت 36 مرتبة، ومن البداهة أن هذا الإنجاز لم يأتي من تلقاء نفسه، فهناك وزارة ومؤسسات إعلامية وشرط سياسي-أمني ساعد على تحقيق ذلك.
كسوريين، ننتظر تقدماً مماثلاً في مؤشرات عالمية أخرى تشمل على سبيل المثال لا الحصر: مؤشر سيادة القانون، مؤشر الشفافية الدولية، مؤشر الحوكمة العالمية، مؤشر الأمن الغذائي العالمي، مؤشر معدلات الجريمة، مؤشر الحريات الدينية، مؤشر الفقر متعدد الأبعاد، معدلات البطالة، متوسط دخل الفرد.
- الثورة السورية























