يقترب الثلث الأول من المرحلة الانتقالية الطويلة التي حدّد سقفها الزمني الرئيس أحمد الشرع من نهايته، ومع ذلك لا تلوح في الأفق، حتى الآن، بوادر توحي بأن الإدارة الانتقالية ستتمكّن من تهيئة الشروط والموجبات المطلوبة للتوجه نحو مرحلة الاستقرار والأوضاع الطبيعية في ظل حكومة مستقرة منتخبة بإرادة السوريين.
والجدير بالإشارة إليه في هذا السياق، هو أننا لم نكن في يوم من الأيام من الواهمين المتوهمين بأن المرحلة الانتقالية في سوريا ستكون سهلة سلسلة ، تُنْجَز مهمامها عبر الوعود والتطمينات غير المقرونة بالإجراءات العملية والإنجازات الفعلية، أو من خلال المهرجانات الاحتفالية الدعائية التي ثبت أنها لم تساهم في تحول نوعي إيجابي على صعيد المطلوب.
المراحل الانتقالية في سائر الدول عادة تكون صعبة. ومن بين ما يُفسّر ذلك هو أنها تجسّد انتقالا من توجه سياسي إلى توجه سياسي آخر مغاير؛ بل من عقلية معهودة إلى أخرى لها هواجسها وتطلعاتها وأولوياتها المتباينة، ومن مجموعة حاكمة إلى مجموعة أخرى مختلفة من ناحية التكوين والتمثيل والتوجه.
مشكلة، بل مصيبة، المفاسد المصاحبة للسلطة هي مشكلة قديمة جديدة، تناولها الفلاسفة والكتاب والفنانون والفقهاء والمفكرون بصورة عامة منذ أقدم الأزمنة.
أما المرحلة الانتقالية في سوريا فقد كنا على وعي بأنها ستكون صعبة للغاية، وقد تنبهنا ونبهنا على ذلك منذ بدايات الثورة. وبناء على ذلك أكدنا باستمرار أهمية القطع مع كل أنواع التعصب، واحترام الآخر المختلف، وفهم هواجس مختلف المكونات المجتمعية والتوجهات السياسية السورية، وطالبنا بتبديدها من خلال عقود مكتوبة، وعبر إجراءات تعزيز الثقة على الأرض.
لقد عرفت سوريا الدولة المعاصرة التي شهدت النور بعد الحرب العالمية الأولى إبّان معظم مراحل تاريخها، خاصة المرحلة البعثية الأسدية الطويلة جداً (1963-2024) سلطات عسكرية مخابراتية مستبدّة فاسدة، كرّست الأخلاقيات الإنتهازية الوصولية، والسلوكيات المرضية الانتهازية، والمعايير النفاقية على مختلف المستويات.
لذلك كان من الطبيعي أن نكون على استعداد لتحمّل أعباء المرحلة الانتقالية بهدف التمكّن من تجاوز حصيلة تراكمات الحقبة البعثية الأسدية السوداء باقل الخسائر الممكنة. وذلك لن يكون في دائرة الممكن، ولن يتحقّق، ما لم تكن هناك خطط شاملة تأخذ بعين الاعتبار مخاوف وهموم السوريين بكل انتماءاتهم وتوجهاتهم. خطط تأخذ التنوع السوري بعين الاعتبار، وتراعي الحساسيات التي تراكمت وتفاعلت نتيجة سياسات وممارسات السلطات، وانشغالها بضمان مقومات استمراريتها على حساب الوطن والشعب.
المرحلة الانتقالية التي يعيشها السوريون راهناً هي بالغة التعقيد بفعل سياسات وممارسات سلطة آل الأسد ضد السوريين على اختلاف انتماءاتهم وتوجهاتهم، ونتيجة حرب السلطة المعنية الطويلة ضد السوريين الذين ثاروا على استبدادها وجرائمها وفسادها. فالجروح التي أحدثتها تلك السلطة في الجسم الوطني السوري عميقة بالغة الخطورة تستوجب عناية شديدة، وصبراً وحرصاً واستشفافاً بعيد النظر، وسمواً فوق الأحقاد والنزعات الثأرية بكل أنواعها؛ هذا مع الحرص الشديد في الوقت ذاته على محاسبة المجرمين، واعادة الاعتبار الإنساني قبل كل شيء للضحايا.
مشكلة، بل مصيبة، المفاسد المصاحبة للسلطة هي مشكلة قديمة جديدة، تناولها الفلاسفة والكتاب والفنانون والفقهاء والمفكرون بصورة عامة منذ أقدم الأزمنة. فالسلطة تفسد أصحابها ما لم يكونوا على قدر كاف من الحصانة الأخلاقية والنزاهة والتمسك بالمصالح الوطنية العليا. لهذا كان هناك اجماع بين الذين تناولوا هذه المشكلة في سياق حرصهم على سلامة المجتمعات وتوفير السبل لتنميتها وتقدمها، وسداً لباب المفاسد، على ضرورة الفصل بين السلطات وتوزيعها، وضمان امكانية المحاسبة العادلة.
أما أن تتم إدارة أمور الناس العامة وحتى الخاصة، واتخاذ القرارات بشأن واقعهم ومستقبلهم، بعيداً عن علمهم ورأيهم وإرادتهم، فهذا سيؤدي، بفعل مفاسد السلطة والتسابق بين المتسلقين والانتهازيين الذين يركبون الموجة عادة في المراحل الانتقالية، إلى تراكم السلبيات، وتفاعلها مع السلبيات السابقة، ليتشكل مركب معقد من التراكمات الكابحة العصية على المعالجة.
لقد تحدثوا كثيراً في الإدارة السورية الجديدة عن الإعجاب بالتجربة السنغافورية، وتم الاعلان عن النية في استلهام تلك التجربة في الواقع السوري، ولكن من دون الإشارة إلى مقومات ومستلزمات تلك التجربة، ومن دون بذل الجهود لتوفيرها؛ وفي غياب الالتزام بما تستوجبه تلك المقومات والمستلزمات من آليات ومبادىء حتى تنجح ضمن البيئة السورية؛ لن يكون هناك أي نجاح، وإنما نسخة مشوهة تسوق على أنها نجاح.
فعماد تجربة سنغافورا هو محاربة الفساد بكل قوة؛ وعدم التهاون معه بأي شكل من الأشكال؛ والالتزام الصارم بمبادى الشفافية والنزاهة والقوانين الواضحة الميسرة التي تجذب المستثمرين، وتشجّع المبادرات الاستثمارية من خلال ضمان الحقوق وتوفير البيئة الجاذبة.
أما أن يسود التكتّم وعدم الوضوح، وتُعقد الصفقات التي يدور حولها ألف تساؤل وتساؤل بخصوص الجدوى والأولوية والمستفيد والنتائج، فهذا مؤداه تآكل المصداقية، وانحسار الثقة، وارتفاع منسوب الخطاب المتنشج بين الموالين غير النقديين من جهة، والمعارضين العدميين من جهة أخرى.
لقد تعلم السوريون كثيرا من كيسهم؛ كما أنهم ازدادوا تجربة وخبرة بفعل ظروف الهجرة والاحتكاك مع ثقافات مختلفة، سواء تلك التي تخص مجتمعات ودول المنطقة، أم المجتمعات والدول الأخرى في مختلف انحاء العالم لا سيما في أوروبا والولايات المتحدة وكندا وغيرها. وقد مكّنتهم الخبرة والدراسة وإتقان اللغات العالمية من الاطلاع والمقارنة والتحليل، والقدرة على تقديم الحلول الإبداعية والقيام بالمبادرات؛ وكل هذه الأمور لا بد أن تكون في الحسبان إذا كانت هناك نوايا صادقة، وإرادة جادّة لإنجاز عمليات إعادة بناء الاجتماع والعمران السوريين، ووضع مؤسسات الدولة على السكة المؤدية التي الأهداف التي تنسجم مع تطلعات السوريين وترتقي إلى مستوى تضحياتهم.
الوضع السوري بالغ التعقيد من جهة التداخل بين الصعوبات والإشكاليات الداخلية والمشاريع الإقليمة والدولية، كما أن الوضع الإقليمي والدولي يعاني هو الآخر من تعقيدات ومشكلات كبرى في أجواء الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران؛ وحرب إيران على دول الجوار؛ والحرب الروسية على أوكرانيا؛ والتنافس العنيد بين الصين والولايات المتحدة؛ وهناك احتمالات كبرى بأن تتبدل أولويات الدول المؤثرة خاصة الولايات المتحدة والدول الإقليمية نتيجة تفاعلات الصراع والتنافس بين القوى الدولية الكبرى وبين دول الإقليم. وهذا فحواه أنه ليس من المضمون أن يستمر الاهتمام الدولي بسوريا كما كان هو الشأن في بدايات تحرير الشعب والبلاد من سلطة آل الأسد الباغية الفاسدة المفسدة.
جميع السوريين هم شركاء في الوطن والمصير. ولن يكون هناك نهوض لسوريا من دون تفاهم وتوافق الجميع على أولوية الانتماء الوطني، وهو الانتماء الذي لابد أن يكون فوق سائر الانتماءات الفرعية.
والحكمة تقتضي في مثل هذه الظروف أن يتم التركيز على الوضع الداخلي خاصة من ناحية ضرورة تحسين الظروف المعيشية للسوريين الذين يعانون ظروفا بالغة الصعوبة. ورغم كل ما يقال عن موارد سوريا المحدودة، هناك إمكانية واعدة لمعالجة الجانب الاقتصادي بشكل مقبول إلى حد كبير؛ هذا إذا ما تم التواصل بين السوريين في مختلف المناطق، وتحقق التفاهم بينهم، واُعتمد شعار الرجل المناسب في المكان المناسب على أرض الواقع، ووضعت الحدود لتدخلات من لا يفهمون في الإدارة وشؤون التنمية، بل يساهمون بخطابهم المتشنج في تكريس واقع التباعد بين السوريين من الانتماءات وفي الجهات المختلفة.
سوريا في هذه اللحظة التاريخية هي في أشد الحاجة إلى خطاب وطني جامع، وإجراءت عملية تعيد الثقة بين السوريين. فما جرى في الساحل والسويداء بغضّ النظر عن الروايات والتفسيرات والتسويغات المتبانية قد أحدث شروخا عميقة في الجسم الوطني السوري، علينا أن نقر ونعترف ونبذل الجهود من أجل المعالجة. والمعالجة لن تتحقق أبداً بالمجاملات السطحية العامة التي لا تُلزم أصحابها بأي شيء. وإذا كنا نؤمن فعلا أن سوريا هي للجميع. بغض النظر عن أحجام مكوناتهم المجتمعية التي لم تكن كتلاً صلبة صماء متجانسة على الصعيد الأفكار والتطلعات والمواقف والسلوكيات في أي يوم من الأيام، وهي ليست كذلك حاضراً، ولن تكون مستقبلاً.
جميع السوريين هم شركاء في الوطن والمصير. ولن يكون هناك نهوض لسوريا من دون تفاهم وتوافق الجميع على أولوية الانتماء الوطني، وهو الانتماء الذي لابد أن يكون فوق سائر الانتماءات الفرعية. فالانتماء الوطني هو الذي يوحّد عبر بوّابة الإقرار بالتنوع، واحترام الاختلاف؛ وفتح الآفاق أمام مشاركة الجميع للمساهمة في بناء سوريا ونهضتها؛ وتعزيز دورها في ميادين التمازج الحضاري والتواصل الثقافي والتعاون المفيد المثمر مع الجوار الإقليمي والمحيط الدولي، وكل ذلك على أسس احترام حقائق التاريخ والجغرافيا والسيادة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية، والتركيز على المصالح الاقتصادية المشتركة.
- العربي الجديد






















