فاجأني جاري الفرنسي، الذي نتبادل أنا وإياه عادةً أحاديث عن الرياضة، والطقس، وغلاء الأسعار، بسؤال خارج السياق المعتاد تمامًا، حين قال لي: هل أنت سني أم علوي؟
بصراحة، أصبت بالصدمة أول الأمر، لأن هذه النوعية من الأسئلة تُعتبر غير مستحبة في المجتمع الفرنسي، ثم تمالكت نفسي قليلًا، وأبديت استغرابي مما يقوله، فأضاف أنه تابع برنامجًا عن سوريا على إحدى القنوات التلفزيونية، وكان يتحدث عن السنة والعلويين والدروز والمسيحيين والكرد، فلم يفهم منه شيئًا، ولأني لم أشاهد البرنامج الذي شاهده، فقد حاولت أن أشرح له بتبسيط بعض الشيء ما الذي تعنيه كل طائفة من هذه الطوائف. ولأن جاري رجل لا ديني، كما أخبرني بنفسه، فحتى محاولة تقريب الفكرة من خلال الاستشهاد بالكاثوليك والأرثوذكس لم تُجدِ نفعًا، فالرجل يعيش حياته «كل يوم بيومه»، ويؤمن تمامًا أن ما يفعله السياسيون هو فقط إفساد حياة الناس، من خلال الضرائب والقوانين التي تقيد حرية البشر.
إن ما يحدث على الواقع الافتراضي هو حرب موصوفة، فلماذا نرفض الحديث عن الطوائف في حين لا مانع لدينا من الخوض في الطائفية؟
بعد ذلك أُتيحت لي الفرصة لأراجع ردة فعلي، وصدمتي من سؤاله: لماذا اعتبرت سؤاله خطأً، بينما، ومن خلال جولة سريعة على وسائل التواصل الاجتماعي، سأجد عشرات وربما مئات المنشورات التي تمجد طائفة على حساب الأخرى، وتتهم طائفة دون الأخرى، وتحقّر طائفة وتمدح الأخرى، وستظهر أمامي مع كل صفحة جديدة مقالات ولقاءات ومقتطفات، كلها تضج بالطائفية، وتنضح بالكراهية؟ في حين كان سؤال جاري في سبيل المعرفة، فإن ما يحدث على الواقع الافتراضي هو حرب موصوفة، فلماذا نرفض الحديث عن الطوائف في حين لا مانع لدينا من الخوض في الطائفية؟
طوال عقود، ظل الحديث عن الطوائف خطًا أحمر، ورغم أننا كنا نستشعر، في كل خطوة نخطوها، الحالة الطائفية التي تميز مجتمعنا، الذي ندّعي كاذبين بأنه كان مجتمعًا متماسكًا، فإننا كنا نتجنب مجرد الإشارة إلى ذلك الخلل البنيوي الحاد. كان النظام المخلوع حريصًا كل الحرص على إبقاء هذا الباب مغلقًا، والحفاظ على تماسك وهمي في المجتمع، وقد اعتقل الكاتب والصحفي الراحل ميشيل كيلو عام ٢٠٠٦ بسبب مقالته «دعوات طائفية»، التي تجرأ من خلالها على فتح ذلك الباب ولو مواربة، واعتقل صديق كان يعمل في التلفزيون السوري عام ٢٠٠٧ لأنه قال ممازحًا أحد زملائه في العمل: «ما شاء الله، التلفزيون كله من ضيعتكم». لأن كاتب التقرير فسّر المزحة وقتئذ على أنها إشارة طائفية، لكن النظام نفسه، الذي كان يتظاهر بالحرص على إبقاء ذلك الباب مغلقًا، كان أول من فتحه على مصراعيه بعد أقل من أسبوعين فقط من بدء الثورة السورية، حين أطلت مستشارته الإعلامية بثينة شعبان لتعلن أن «ما يحدث يندرج ضمن مشروع طائفي يحاك ضد سوريا». وقد اجتهد السوريون طوال سنوات الثورة على نفي تلك التهمة، التي بدأ النظام ينسج خيوط دفاعه من خلالها، فكان شعار «الشعب السوري واحد» يرتفع عاليًا، رغم أن الشعب السوري لم يكن واحدًا أبدًا، وبصراحة كان ذلك الشعار مثيرًا للشفقة؛ لأن النظام البائد نفسه كان يستخدمه، وتجهد وسائل إعلامه بطريقة هزلية في إثبات وحدة ذلك الشعب الممزق، الذي بات نصفه خارج البلاد مهجرًا منفيًا، ودُمرت نصف مدنه.
سوريا لن تصير دولة علمانية، في المدى المنظور على الأقل، فإن السلطة ملزمة بأن تدير هذا التنوع، كيلا أقول التمزق، بطريقة ذكية، لا على مبدأ «الشعب السوري واحد»، بل من خلال فتح تلك الأبواب التي كانت مغلقة طوال عقود..
حين وقعت أحداث الساحل في آذار من العام المنقضي، كتبت معاتبًا أولئك الذين يصرون على توصيف الضحايا طائفيًا، وحذرت بأن هذا التصنيف سيقود إلى تصنيفات أخرى ومقارنات نحن في غنى عنها، لكن كثيرين حاولوا الاستثمار في هذه الجزئية تحديدًا، وانتشرت عبارات من مثل «قتلوا لأنهم علويون»، ليرد الطرف الآخر بعشرات أو ربما مئات الصور والأسماء والشهادات: «قتلوا لأنهم سنة»، والمثير للسخرية أن أولئك الذين كانوا يصرون على وسم الضحايا طائفيًا، كانوا يختمون منشوراتهم بعبارة «الشعب السوري واحد». فأين هو ذلك الشعب الواحد؟
ولزيادة الاستغراب أكثر، فحين تم الإعلان عن تشكيل الحكومة السورية، ثمة من أحصى التمثيل الطائفي في تلك الحكومة، ضاربًا عرض الحائط بكل ما كان يطالب به من أن تكون الدولة علمانية، وأن تفصل الدين عن الدولة، هكذا حرفيًا.
وبما أن سوريا لن تصير دولة علمانية، في المدى المنظور على الأقل، فإن السلطة ملزمة بأن تدير هذا التنوع، كيلا أقول التمزق، بطريقة ذكية، لا على مبدأ «الشعب السوري واحد»، بل من خلال فتح تلك الأبواب التي كانت مغلقة طوال عقود؛ لأن التشخيص الصحيح يقود بالضرورة إلى إيجاد علاج ناجع، والنقاش المجتمعي المفتوح يزيل الصدأ عن القلوب، لعله، في قادمات الأيام، ينتج مجتمعًا متنوعًا طائفيًا، لكنه ليس طائفيًا.
- تلفزيون سوريا























