ملخص
السؤال الحائر هو: هل تريد أمیرکا وإیران بالفعل التوصل إلى اتفاق نهائي أم الاكتفاء بما هو أقل؟ الاتفاق النهائي يتطلب تنازلات مؤلمة من واشنطن وطهران يصعب على أي منهما تحملها أمام جمهوره، وما هو أقل يسمح لكل منهما باستخدام سلاح الغموض والمطالبة، واللعبة مفتوحة.
في البدء كان التفاهم وسوء التفاهم في آن، وليست “مذكرة التفاهم” بین أمیرکا وإیران سوى اتفاق على التفاوض من أجل التوصل إلى “اتفاق نهائي”، فالمذكرة التي وقعها الرئيس دونالد ترمب والرئيس مسعود بزشكيان بعدما تعهد للمرشد مجتبى خامنئي بالحفاظ على “حقوق الشعب وجبهة المقاومة”، الذي كان له رأي آخر، تحوي القليل من الأمور المطروحة للتفاوض على الحل الدائم خلال 60 يوماً. وليس وراء الاتفاق على المذكرة سوى الخلافات على قضايا الاتفاق النهائي، حتى في اليوم الأول من مفاوضات الشهرين في سويسرا، فإن كل طرف رفع السقف لمخاطبة جمهوره في الداخل وإخفاء بعض التنازلات المحرجة.
الوفد الإيراني برئاسة رئيس مجلس الشورى محمد باقر قاليباف وعضوية وزير الخارجية عباس عراقجي وآخرين مارس كل البراعة الإيرانية في ألعاب التفاوض، من تأخير الموعد والامتناع والانسحاب إلى المقر للإيحاء أنه هو من يحدد جدول الأعمال ويحصره في المرحلة الأولى بتنفيذ الالتزامات الأميركية في مذكرة التفاهم ولا سيما بالنسبة إلى وقف النار في لبنان، وبزشکیان سارع من خارج قاعة المفاوضات إلى إعلان مواقف متشددة أقلها الإصرار على تخصيب اليورانيوم.
رئيس الوفد الأميركي نائب الرئيس جي دي فانس مارس، على العكس، لعبة المرونة و”مد اليد للصداقة” بتوجيهات من ترمب. وسيد البيت الأبيض هدد باحتلال إيران إن لم توافق على مطالبه، وقال إن الوفد لا يستطيع العودة إلى بلاده إذا أغلق الحرس الثوري مضيق هرمز.
والمشكلة أن كل طرف يقول إنه المنتصر في الحرب، فما قاد إلى مذكرة التفاهم في رأي ترمب هو “قوة أميركا الحاسمة”، وفي نظر مجتبى خامنئي هو “العجز الأميركي والفشل”. وإذا أخذ كل منهما بما عبّر عنه، فإن من الصعب التوصل إلى اتفاق نهائي مهما جرى التمديد للمفاوضات. والخيارات هي إما معاودة الحرب، وإما أن تكون المفاوضات الوجه الآخر للحرب، أي “الاستمرار للحرب بوسائل أخرى” حسب كلازوفيتز، ولا يبدل في الأمر أن يبدي ترمب “الأسف لإصابة مجتبى بجروح بليغة “ليلة بدء الهجوم الأميركي -الإسرائيلي”، ويتحدث عن”شجاعته” ويدعي أنه “مختلف عن والده” وأن “النظام تغيّر عملياً في إيران”، وهذه قمة الفانتازيا السياسية وتبسيط الأمور المعقدة.
ذلك أن المقياس الطبيعي للنجاح أو الفشل الأميركي هو فحص الأهداف التي من أجلها كانت الحرب، وهي، قبل أن يبدأ ترمب بالتراجع، أربعة: إسقاط النظام، وإنهاء المشروع النووي، وتقييد البرنامج الصاروخي، وإنهاء أذرع إيران المسلحة المرتبطة بالحرس الثوري في اليمن والعراق ولبنان وغزة بعد الخروج من سوريا مع نظام الأسد. فماذا تحقق من هذه الأهداف قبل وقف النار؟ النظام صامد ويفاوض من موقع الند، بصرف النظر عن الرهان الأميركي والإسرائيلي على تحرك شعبي بعد الحرب لتغيير النظام. والموقف المعلن من طهران هو أنه لا تفاوض على البرنامج الصاروخي ولا على الأذرع في الخارج باعتبار أن التخلي عنها نزع لقوة النظام في الدفاع عن نفسه والبلد، وليس تركيز ترمب على إنهاء المشروع النووي ومنع إيران من امتلاك سلاح نووي سوى تغطية للفشل في بقية الأهداف.
والتحدي أمام ترمب الذي يوحي أن بعض الأهداف الأخرى مطروح للتفاوض، هو أن يأخذ في التفاوض ما عجز عن أخذه بالقتال. ومع أنه يفاخر بكونه مهندس “فن الصفقة”، فإن الإيرانيين سادة في هذا الفن بحيث خدعوا الأميركيين على مدى ثلث قرن من المفاوضات وادعاء “سلمية” مشروع نووي أنفقوا عليه عشرات المليارات من الدولارات، وحليفهم هو المثل الشائع على ألسنة العالم كله في أية مفاوضات: “الشيطان يكمن في التفاصيل”، وما أكثر التفاصيل في ملف المفاوضات بين أميركا وإيران.
والحليف المهم الآخر هو القدرة على الصمود حتى بعد الدمار الهائل في إيران وممارسة التحمل والصبر في مواجهة الأميركي القليل الصبر والباحث عن صفقة عاجلة، وإلا انسحب. وحليف أميركا ليست القوة العسكرية بعد تجربة الحرب الحالية على إيران التي لم تعد تحاذر استفزاز واشنطن لتلافي الحرب، وليست التحالفات التي هي تقليدياً قوة لأميركا، بعدما سخر ترمب من الحلفاء ورفع الرسوم الجمركية على صادراتهم وكرر الادعاء في الحرب أنه ليس في حاجة إليهم.
ولعل الحليف الممكن حالياً لترمب هو التمسك بقول الفيلسوف هوبز “إن الحقيقة المطلقة تكمن في التفاصيل”، على عکس كون الشيطان في التفاصيل، فإما أن يأخذ ما يريده في المفاوضات بحيث تظهر الحقيقة المطلقة لما حدث فعلاً في الحرب من خلال التفاصيل، وإما أن تسهم التفاصيل في تضييع الحقيقة والأهداف.
ولا مجال للاعتماد كثيراً على الوسطاء من باكستان وقطر والشركاء من مصر والسعودية وتركيا، وهم فعلوا ما يشبه “المعجزة” في ترتيب وقف النار والتفاوض بعد حرب بدت كأنها مواجهة بين “مقاولين” في واشنطن و”مقاومين” في طهران. فالمقاول يريد نتيجة سريعة وصفقة رابحة، حتى لو كان يقود قوة عظمى ويملك آلة عسكرية هائلة، بينما يدرك المقاوم أن الوقت قد يكون جزءاً من معادلة الانتصار على خصم أقوى، كما قال هوشي منه.
والسؤال الحائر هو: هل تريد أمیرکا وإیران بالفعل التوصل إلى اتفاق نهائي أم الاكتفاء بما هو أقل؟ الاتفاق النهائي يتطلب تنازلات مؤلمة من واشنطن وطهران يصعب على أي منهما تحملها أمام جمهوره، وما هو أقل يسمح لكل منهما باستخدام سلاح الغموض والمطالبة، واللعبة مفتوحة.
- إندبندنت






















