منذ الساعات الأولى لسقوط نظام الأسد البائد كان لبنان حاضرا في الأطروحات السياسية السورية؛ بحكم التحالفات السياسية التي جعلت بعض القوى السياسية في لبنان تنخرط بقوة في أحداث الثورة السورية، وأمام ازدحام القضايا في دهاليز السياسة السورية لم تكن المسألة اللبنانية تأخذ موقع الصدارة عند السوريين إلى أن جاءت تصريحات الرئيس الأميركي “دونالد ترامب” حول إمكانية تكليف الحكومة السورية بغزو لبنان وتجريد حزب الله من سلاحه؛ لتصبح القضية حديث الشارع السوري، فما المقدمات التي تمكن المتابع من الملاحة عبر ألغاز هذه القضية؟
مسألة الأمن القومي السوري
من ينظر إلى خريطة سوريا وجوارها الإقليمي سوف تساوره بعض الشكوك بأن لبنان مجرد إقليم سوري انفصل عن بلده الأم، وعندما يبحث في طبيعة الحدود ومدى التداخل السكاني والتاريخي بين البلدين سوف يتقبل بسهولة المعلومة التي تقول إن لبنان هو بالفعل جزء من الأراضي السورية شاءت الأقدار أن يكون دولة مستقلة. وتمتد الحدود السورية اللبنانية لمسافة طويلة وتتخللها مناطق جبلية وقرى متداخلة، ما جعلها تاريخياً بيئة مناسبة للتهريب والتنقل غير المنضبط للأفراد والبضائع والسلاح. وقد شكل ذلك تحدياً أمنياً دائماً لسوريا، خاصة في فترات الاضطرابات السياسية والعسكرية. ونظرا لطبيعة النظام السياسي اللبناني؛ افتقر لبنان إلى حكومة مركزية قوية قادرة على بسط نفوذ الدولة على كامل أراضيها.
وبغض النظر عن الأسباب التي جعلت لبنان على هذه الحال، فإنه عُرف تاريخيا كساحة مفتوحة للصراعات الدولية والإقليمية، وبحكم الجوار الجغرافي فإن ظروفاً سياسية وأمنية متعددة جعلت من لبنان في بعض المراحل مصدرا لتحديات أثرت سلبا في الأمن القومي السوري، فنتيجة لهامش الحرية السياسية والإعلامية الواسع نسبياً في لبنان، تحولت الساحة اللبنانية في بعض الفترات إلى مركز لنشاط شخصيات
وتنظيمات معارضة للحكومات السورية المتعاقبة، واستُخدمت وسائل الإعلام اللبنانية ومنصات العمل السياسي الموجودة في لبنان للتأثير في الرأي العام السوري أو لممارسة ضغوط سياسية على دمشق، وهو ما اعتبرته السلطات السورية في فترات مختلفة تهديداً لمصالحها الأمنية والسياسية.
لا بد لأي حكومة سورية من أن تبحث عن أدوات ووسائل تمنحها نفوذا داخل الدولة اللبنانية يمكّنها من حماية أمنها القومي.
النفوذ السوري في لبنان
بهذا المعنى لا يمكن لأي حكومة سورية مهما كان توجهها أن تنأى بنفسها عن لبنان وعما يحصل فوق الأراضي اللبنانية، حتى ولو استثنينا الأنشطة التي يقوم بها معارضون سوريون، فمن منظور الأمن القومي السوري يعد وجود القوى الإقليمية أو الدولية المؤثرة داخل لبنان عامل ضغط على سوريا يؤثر في توازناتها الأمنية والسياسية، بل وحتى الاقتصادية. لذلك، لا بد لأي حكومة سورية أن تنظر إلى استقرار لبنان باعتباره جزءا من الاستقرار الاستراتيجي لسوريا، وأن ترى في أي اختراق خارجي للساحة اللبنانية باعتباره متغيرا خطيرا قد يمتد تأثيره إلى داخل الأراضي السورية.
وبناء عليه؛ لا بد لأي حكومة سورية من أن تبحث عن أدوات ووسائل تمنحها نفوذا داخل الدولة اللبنانية يمكّنها من حماية أمنها القومي. ولكن، هل يأتي النفوذ من خلال استخدام القوة العسكرية أو التهديد بها فقط؟ تشير الدراسات الحديثة للعلاقات الدولية، إلى أن النفوذ الاقتصادي والتكنولوجي المدعوم بالقوة الناعمة هو الأكثر جدوى واستدامة، بينما ينظر إلى النفوذ القائم على القوة العسكرية على أنه مرتفع التكلفة، ويثير المقاومة والعداء، وغالبا ما يكون مؤقتا، فالنفوذ العسكري يجبر الآخرين على الطاعة، أما النفوذ الاقتصادي والثقافي واللوجستي فيجعلهم يرون أن التعاون يخدم مصالحهم. وعلى سبيل المثال؛ تعد الأراضي السورية المنفذ البري الوحيد للبنان على باقي دول الإقليم، وهذا مصدر للنفوذ لا يستهان به.
البعد الاستراتيجي
وعلى المستوى الاستراتيجي تبدو أطروحات الأمن القومي السوري أشد تعقيدا، فالمخاطر التي تهدد سوريا من لبنان البلد الذي يفتقر إلى حكومة مركزية قوية قادرة على الالتزام بتعهداتها أمام الآخر؛ قد تبدو متواضعة إذا ما قورنت بالمخاطر القادمة من الكيان الصهيوني الذي يحتل جزءا من الأراضي السورية ويمارس شتى أشكال العربدة السياسية والعسكرية على الدولة السورية. ضمن هذا السياق وبمنظور مصلحي يضع الصراع الأزلي مع الكيان الصهيوني نصب الأعين؛ قد تجد الحكومة السورية الجديدة أنه من مصلحتها أن يبقى لبنان على ما هو عليه، ولكن مع بعض التعديلات. بمعنى أن يبقى حزب الله محتفظا بسلاحه ومشكلا مصدر تهديد وقلق للكيان الصهيوني.
هذه كانت رؤية أغلب مراكز الدراسات في الكيان الصهيوني التي كانت تصل إلى نتيجة فحواها: إن أي حكومة سوف تأتي بعد نظام الأسد سوف تجد نفسها مضطرة إلى التحالف مع حزب الله لأنه يوفر لها نفوذا إقليميا ووسيلة ضغط تكسبها المزيد من موارد القوة، سواء من أجل الحرب أو من أجل السلم.
في الوقت الراهن قد يبدو هذا الطرح مستهجنا إلى حد ما، ولكن على مستوى التفكير الإستراتيجي – كحد أدنى – يعد القضاء على عدو عدوك التاريخي عملا انتحاريا، أو حماقة لا يرتكبها إلا من يفتقرون إلى البعد الإستراتيجي في التفكير.
تُظهر المسألة اللبنانية أن العلاقة بين دمشق وبيروت ليست مجرد علاقة جوار بين دولتين، بل هي تداخل جغرافي وأمني واستراتيجي يجعل من الصعب على أي سلطة سورية تجاهل ما يجري في لبنان، كما يجعل أي تغيير في التوازنات اللبنانية حدثاً ذا انعكاسات مباشرة على الأمن القومي السوري.
السياق العام لتصريحات الرئيس الأميركي
وبالعودة إلى تصريحات الرئيس الأميركي التي أثارت هذه الضجة وفتحت الباب أمام التكهنات، فإن السياق العام لها يمكن أن يفسر في سياق الضغط على القوى السياسية اللبنانية لدفعها إلى مزيد من العمل للجم حزب الله وتجريده من سلاحه، رغم أنها في الوقت ذاته تشكل ضغطا على رئيس حكومة الكيان الصهيوني الذي سوف يرى في هذا الطرح إهانة له ولقواته العسكرية التي حاول من خلال أعماله العدوانية في المنطقة أن يوحي للعالم بأنها القوات القادرة على فعل ما تريد.
لا شك أن الرئيس الأميركي غير مرتاح لوجهات النظر الأميركية القائلة إن “نتنياهو” ورطه في الحرب على إيران، وهو في أكثر من مناسبة عبّر عن رفضه لهذه المقولة، لذلك من غير المستبعد أن يتعمد بين الفينة والأخرى أن يقلل من شأن “نتنياهو” ويحاول إحراجه ليثبت أنه القائد الفعلي، وأن “نتنياهو” مجرد تابع يأتمر بأوامره. وبكل تأكيد سوف ينظر “نتنياهو” إلى هذا الطرح من قبل الرئيس الأميركي كإهانة من الوزن الثقيل، ففي نهاية المطاف لا يحتمل تصريح الرئيس الأميركي سوى تفسير واحد: أنت وقواتك فشلتم في إنجاز المهمة، فأفسحوا الطريق لمن هو أفضل منكم.
تُظهر المسألة اللبنانية أن العلاقة بين دمشق وبيروت ليست مجرد علاقة جوار بين دولتين، بل هي تداخل جغرافي وأمني واستراتيجي يجعل من الصعب على أي سلطة سورية تجاهل ما يجري في لبنان، كما يجعل أي تغيير في التوازنات اللبنانية حدثاً ذا انعكاسات مباشرة على الأمن القومي السوري.
- تلفزيون سوريا





















