قبل أسبوع وقّع وزيرا الطاقة الأمريكي والسعودي على اتفاق للتعاون بين بلديهما في المجال النووي، يفسح المجال أمام تزويد الولايات المتحدة للمملكة بمستلزمات انتاج الطاقة النووية، بما فيها القدرة على تخصيب اليورانيوم لأغراض مدنية سلمية. وما أن مرّت أيام قليلة على توقيع الاتفاق حتى أعلن دونالد ترامب أنه مشروطٌ باعتراف المملكة بدولة إسرائيل وانضمامها إلى «اتفاقيات أبراهام» التي بادرت إليها دولة الإمارات العربية المتحدة في عام 2020. وعلى الرغم من اعتياد العالم على نزوات الرئيس الأمريكي المتقلبة، أثارت المفاجأتان المتتاليتان، أي توقيع الاتفاق ثم اشتراط التطبيع لتنفيذه، كثيراً من الاستغراب والحيرة.
وإذا كان من السهل عزو المفاجأتين إلى طباع ترامب التي غالباً ما تجري مقارنتها بطباع المراهقين المدلّعين، يبقى أن خطورة الموضوع النووي والتوقيت المفاجئ لتوقيع الاتفاق بلا سابق إنذار، يشيران إلى وجود خلفية منطقية لما جرى. وبالطبع لا يمكن النظر في أمر الاتفاق بلا أخذ سياقه الرئيسي بعين الاعتبار، ألا وهو الصراع الدائر بين إدارة ترامب والحكم الإيراني. فلو نظرنا إلى «النووي السعودي» في ضوء «النووي الإيراني» وما خصّ هذا الأخير في «مذكرة التفاهم» التي جرى توقيع واشنطن وطهران عليها في الشهر الماضي، لبان ما يمكن أن يشكّل تفسيراً منطقياً لمناورة الإدارة الأمريكية.
وبالفعل، كان ملفتاً للأنظار أن «مذكرة التفاهم»، في بندها الثامن المتعلق بالنووي الإيراني، مع تكرارها التزام «الجمهورية الإسلامية» بعدم الحصول على السلاح النووي، وهو ما لم تنفك طهران تعرب عن الالتزام به منذ عقود، ووصفها، أي المذكرة، لتدابير تصفية ما راكمته إيران من اليورانيوم المخصّب منذ طعن ترامب بالاتفاق، لم تنصّ على امتناع طهران عن التخصيب لأغراض سلمية في المستقبل، وهو ما تصرّ على أنه حقٌ لها بموجب القوانين الدولية (وهذا صحيح) ولن تتخلّى عنه بالتالي. وفي هذا الضوء، ونظراً لاصطدام إدارة ترامب بعناد الحكم الإيراني في شأن مضيق هرمز الذي لم يكن يتحكم به قبل العدوان الأخير، وإدراكها بالتالي أن إصرار الحكم ذاته على حقه في التخصيب السلمي الذي صانه الاتفاق النووي المعقود في عام 2015 مع إدارة باراك أوباما والدول الأربع الأخرى دائمة العضوية في مجلس الأمن الدولي، ومعها الاتحاد الأوروبي وألمانيا، لا بدّ أن يكون أقوى بعد من الإصرار في شأن المضيق، يمكننا أن نرجّح وجود علاقة مباشرة بين ما سبق ذكره وتوقيع الاتفاق النووي مع الرياض.
إن مصير كل من الاتفاقين النوويين السعودي والإيراني مرهونٌ في نهاية المطاف بمصير الآخر وبحصيلة الحرب
فإن هذا التوقيع الأخير يستحضر إلى ذاكرتنا الطريقة التي تخلّص بها دونالد ترامب، عند بداية العدوان الثنائي، من التزامه بأن تكون صناعة الصواريخ البالستية بين الأمور التي سوف تحرّم على إيران. والحال أن الرئيس الأمريكي، يوم نشر «مذكرة التفاهم» التي خلت من أي إشارة إلى موضوع الصواريخ (ناهيك من موضوع علاقة طهران بحلفائها الإقليميين)، برّر تراجعه بحيازة سائر دول المنطقة مثل تلك الصواريخ. وقد قال إنه «إذا كان يمكن لدول أخرى أن تحوز هذه الصواريخ، يكون من المجحف قليلاً ألا يمكنهم (أي الإيرانيين) حيازة بعضها» (تصريح في 17/6/2026).
في هذا الضوء، يظهر توقيع الاتفاق النووي مع الرياض وإبقاؤه المجال فسيحاً أمام قيام المملكة بتخصيب اليورانيوم على أراضيها، وكأن غايته التمهيد لإبرام اتفاق مع طهران يسمح لإيران بالمثل. ومن المعلوم أن المفاوضات بقيت مستمرة بين واشنطن وطهران على الرغم من إعادة اشتعال عمليات القصف بين الجانبين، لاسيما في الأيام الأخيرة حيث أدّت المفاوضات إلى هدنة جديدة والإعلان عن اتفاق وشيك يوضّح ما كان مبهماً في «مذكرة التفاهم».
أما إعلان ترامب عن اشتراط اعتراف المملكة بالدولة الصهيونية لوضع الاتفاق النووي السعودي في حيّز التنفيذ، فهو لا يتعدّى، على الأرجح، المناورة السياسية لإسكات الأصوات التي ارتفعت فور توقيع الاتفاق لتندّد بتخلّي ترامب عن شرط «التطبيع» الذي كان سلفه جو بايدن قد فرضه على عقد الاتفاق ذاته. ذلك أن ما كان شرطاً لدى بايدن لم يعد سوى كلام بلا مفعول ضروري لدى ترامب، إذ أتى الاشتراط هذه المرّة بعد التوقيع على الاتفاق وليس قبله.
وبذلك يكون ترامب قد أراد أيضاً أن يتجنّب شنّ نتنياهو لحملة على الاتفاق في الولايات المتحدة، خاصة وأن قيام أغلبية من الحزبين في الكونغرس بالتصويت على رفض الاتفاق قبل انتهاء مهلة التسعين يوماً المحددة قانونياً لدخوله حيّز التنفيذ، احتمالٌ جدّي بما يكفي للحثّ على تداركه. وبالطبع، فإن مصير كل من الاتفاقين النوويين السعودي والإيراني مرهونٌ في نهاية المطاف بمصير الآخر وبحصيلة الحرب والمفاوضات الجارية.
كاتب وأكاديمي لبناني
- القدس العربي
























