تستمرّ حالة الاستعصاء السياسي في السويداء في جنوب سورية بعد عام على مجازر “تمّوز الأسود”، في ظلّ تمسّك قوى الأمر الواقع في المحافظة بطرح “حقّ تقرير المصير” الذي يطالب بالاعتراف بدولة في السويداء، تحت مسمّى “دولة الباشان”، بدعم إسرائيلي، وتأييد مشيخة العقل في دولة الاحتلال، وفي ظلّ تعنّت إدارة دمشق في تقديم حلول تتضمَّن مصالحة ترتكز على تحقيق ومحاسبة موثوق بها وشفّافة، بدلاً من الاستخفاف بالدماء التي أُهدرت في ظلّ استمرار احتلال إسرائيل الريف الغربي، وعدم الاعتراف بنتائج امتحانات طلّاب الشهادتَين الأساسية والثانوية في المحافظة للعام الثاني. نتج هذا الاستعصاء من التعاطي الأمني للسلطة في دمشق مع ملفٍّ سياسي يخصّ كيفية إدماج فصائل السويداء في المؤسّسات الرسمية تحت مسمّى “حصر السلاح” بيد الدولة، وانتهى بمشهد فزعات عشائرية رافقت العناصر التابعين لوزارتَي الدفاع والداخلية ضدّ قرى المحافظة وأحيائها، وما تبعه من قتل متبادل على أساس طائفي شمل 1707 أشخاص غالبيتهم مدنيون، بحسب تقرير لجنة التحقيق الأممية الخاصّة بسورية، منهم 1342 من الدروز و70 شخصاً من المجتمع البدوي المحلّي، وبينهم نساء وأطفال، رافق هذا تهجير وانتهاكات طائفية في حقّ مدنيين من الدروز في 36 قرية بالريف الغربي، وفي حقّ البدو بالريف الشمالي خصوصاً، فضلاً عن مقتل ما لا يقلّ عن 225 مقاتلاً من العناصر الحكومية ومقاتلي العشائر، قُتل كثيرٌ منهم في غارات إسرائيلية تدخّلت بعد وقوع المجازر، وأوقفت تقدّم القوات الحكومية.
تُطرح في السويداء مشاريع غير واقعية تستند إلى دعم إسرائيلي، تقدّم تبريراً طائفياً للسلطة لشدِّ العصب السُّنّي إليها
جاء على لسان الرئيس السوري أحمد الشرع ووزير الخارجية أسعد الشيباني أنّ ما حصل في السويداء كان فخّاً إسرائيلياً، وهذا اعترافٌ بأنّ الحكومة استبعدت تدخُّل طيران الاحتلال لوقف تقدّم القوات الحكومية في المحافظة، فكان لتدخّلها العسكري دور أساس في جلب المحتلّ وتعويم تيّاراتٍ كانت مغمورة ومرفوضة شعبياً في المحافظة (المجلس العسكري وحزب اللواء) لم تخفِ ارتباطاتها بالعدو الإسرائيلي قبل سقوط نظام الأسد، وقد تبنَّاها رجل الدين حكمت الهجري الذي بات حاكماً سياسياً إلى جانب اللجنة القانونية التي شكَّلها، بعد أن جمع غالبية الفصائل تحت لواء “الحرس الوطني”. ومنذ سقوط نظام الأسد، يُتداول مشروع “ممرّ داود” بوصفه مخطّطاً استراتيجياً إسرائيلياً توسُّعياً في الجنوب السوري وصولاً إلى العراق، وتحت ذريعة حماية الأقلّيات. يتوغّل الاحتلال بالفعل في الجنوب، إذ أخلى كامل الشريط الحدودي في محافظة القنيطرة حتّى خطّ فضّ الاشتباك من السكّان، وسيطر على مساحات واسعة تليها (أكثر من 665 كيلومتراً مربّعاً)، وهو يرتكب الانتهاكات ويعتقل المدنيين ويدمّر الأراضي الزراعية، كما يحظر السلاح في هذه المنطقة التي تضمّ مبنى المحافظة (سمح بتسليح الدروز في حضر)، ويمنع قوات الحكومة السورية (من وزارتَي الدفاع والداخلية) من الوجود هناك، فيما يسمح فقط بقوّات شرطية في الشريط الذي يليه حتّى ريف دمشق، ويقيم تسع قواعد عسكرية (سبع في القنيطرة واثنتان في درعا)، وفق اتفاق غير مُعلَن تُوصّل إليه في اجتماع باريس العسكري الاستخباراتي مطلع العام الحالي (2026)، وضمَّ مسؤولين سوريين وإسرائيليين برعاية أميركية.
وبغضّ النظر عن واقعية مخطّط ممرّ داود، تبدو التوغّلات خطوة إسرائيلية احترازية، إذ يعتقد متشدّدو حكومة نتنياهو أنَّها الأسلم، تلافياً لحصول اختراقات أمنية ضدّ مستوطنات الشمال، كما حصل في “7 أكتوبر” (2023) في غزّة، في ظلّ الفوضى الفصائلية في سورية، وانتشار عناصر متشدِّدة في كلّ الجغرافيا السورية، وخطوة استباقية لدرء خطر النفوذ التركي في سورية الذي يعتقد الإسرائيليون أنّه حلَّ محلّ النفوذ الإيراني، ومن الممكن أن يدعم أذرعاً تابعة له ضدّ دولة الاحتلال.
يستند مشروع القوى الحاكمة في دمشق إلى أولوية الحصول على الشرعية الدولية، الأميركية خصوصاً، وتقدّم التنازلات لكلّ القوى المتدخّلة في الشأن السوري، في حين أنّ مجمل مسارها السياسي الداخلي كان قائماً على توزيع الحصص على الفصائل الإسلامية السُّنّية، بعد التوافق في “مؤتمر النصر” في 29 يناير/ كانون الثاني 2025، مع خطوات سياسية شكليَّة، بدأت بالحوار الوطني السريع، والإعلان الدستوري الذي كرّس سلطة مطلقة للرئيس لا تخضع للمساءلة، واكتملت بانعقاد جلسات مجلس الشعب المُعيّن من الرئيس، بشكل مباشر أو غير مباشر، وتعيين المحكمة الدستورية، وما رافق هذا من سيطرة على الشبكات الاقتصادية التي تركها نظام الأسد، عبر لجنة الكسب غير المشروع أو عبر تسويات غير شفّافة مع رجال الأعمال المرتبطين بنظام الأسد، ومشاريع استثمار ريعية لا تخدم الحاجات السورية المُلحّة، ومصاريف تضخّم الجهازين العسكري والأمني. مشروع حكم كهذا يحرم غالبية السوريين من القدرة على النهوض. تواجه السلطة هذا العجز بالتخويف من مشاريع الأقلّيات الانفصالية لشدّ العصب السُّنّي إليها، وبذلك هي مستفيدة من استعصاء السويداء، ومن استمرار محاولات طرح مشاريع لفلول النظام.
يستند مشروع القوى الحاكمة في دمشق إلى أولوية الحصول على الشرعية الدولية، الأميركية خصوصاً، وتقدّم التنازلات لكلّ القوى المتدخّلة في الشأن السوري
كما أنَّ حالة اللا اندماج العسكري تجعل خطر المواجهة العسكرية بين الفصائل قائماً كلَّما اتَّضحت توجُّهات السلطة نحو مركزة الحكم من دون توافق مع باقي الأطراف من قوى الأمر الواقع التي تتمسّك بنفوذها خلال سنوات الحرب، فالفصائل المموَّلة تركياً تحكم في الشمال السوري، وما زالت قسد تتفرَّد بحكم الشمال الشرقي وفق اتفاق اندماج هشّ، وفصائل تحكم في التنف والغوطة الشرقية وغيرها، وتململ في المناطق الشرقية من التهميش المستمرّ. وحتّى في الساحل، كان التمرّد في مارس/ آذار 2025 بدافع اعتقاد بعض فلول النظام بأحقيتهم في حكم المنطقة، وكانت المجازر المروعة ضدّ العلويين هي أوّل تنفيسٍ للفصائل التي تمتهن العنف منذ سنوات، مع تحريضٍ مستمرّ ضدّ الدروز والأكراد. الدوافع نفسها، إضافة إلى مجازر الساحل، دفعت أطرافاً درزية بقيادة الهجري إلى رفض تسليم السلاح، ورأت أنّ للسويداء الحقّ، أسوة بمناطق سورية، أن تحصل على حكم ذاتي، ما دفع السلطة إلى التخطيط لهجوم “تموز الأسود”.
في الوقت نفسه، تعمل السلطة على حسم ملفِّ السويداء بالطريقة التي تعيد إليها ماء وجهها أمام قواعدها وحواضنها الشعبية، بعد الخسائر البشرية التي مُنيت بها قواتها في العام الماضي (2025)، وغالبيتهم من متطوّعي الأمن العام والجيش من أبناء ريف إدلب الجنوبي ذي البنية المدمَّرة. في كلّ الأحوال، يُجمع المهتمون بملفّ السويداء على عدم واقعية الاستقلال في دويلة طرفية فقيرة بالموارد، إذ تحصل المحافظة على مستحقّاتها من الطحين والمحروقات من دمشق، إضافة إلى رواتب موظّفيها، ولا قدرة لأصحاب الطروحات الانفصالية على حلّ ملفّ طلاب الشهادتَين بغير التفاوض مع دمشق (وهم من أفشلوه)، ولا قدرة لهم على إنشاء الجامعات، ولا يملكون شرعية التعاقد مع جامعات مرموقة. يحقُّ لأبناء السويداء، على وقع مجازر تمّوز، رفض السلطة في دمشق، والمطالبة بتحقيق شفّاف ومحاسبة، إلّا أنّ الرؤوس الحامية ما زالت تستغلّ وجع أبناء المحافظة الذين لم يدفنوا ضحاياهم بعد، فتطرح مشاريع غير واقعية تستند إلى دعم إسرائيلي، ولا تحقّق الاستقرار، وتقدّم تبريراً طائفياً للسلطة لشدِّ العصب السُّنّي إليها، بدلاً من تفكيكه، كما تشكِّل ورقة قوية بيد دولة الاحتلال لإضعاف قدرة السوريين على مواجهة مشروعها في المنطقة. في حين أنّ سلطة دمشق، الرافضة أي مشاركة في الحكم، تميّع مسارات العدالة الانتقالية، وتتعاطى مع المجتمع السوري بوصفه مكوّنات ما قبل وطنية، وليس على أساس المواطنة، وهي لا تملك مشروعاً وطنياً يقوم على التشاركية العابرة للطوائف والإثنيات والأقوام، في ظلّ تحريمها الديمقراطية بوصفها شكلاً حديثاً للحكم.
- العربي الجديد
























