يمثّل مشروع النظام الداخلي لمجلس الشعب، بصيغته المطروحة، محاولة لإعادة إنتاج البنية التقليدية للمؤسسة التشريعية، مع ترسيخ هيمنة الرئاسة وتقييد الدور النيابي المستقل. فبدلاً من أن يكون النظام الداخلي أداة لضبط العمل البرلماني وترسيخ الفصل بين السلطات، يظهر في كثير من مواده كآلية لضبط النواب أنفسهم، وتقييد صلاحياتهم، وإتاحة مساحات واسعة للتأويل والتدخل الرئاسي في كل تفصيل من تفاصيل العمل التشريعي والرقابي. ومن هنا تأتي الحاجة إلى مراجعة نقدية دقيقة، تكشف مكامن الخلل وتقدّم تعديلات تضمن الحدّ الأدنى من المعايير البرلمانية الحديثة، وتنسجم مع متطلبات مرحلة انتقالية يفترض أن يكون فيها المجلس سلطة رقابية وتشريعية حقيقية لا واجهة شكلية.
أول ما يلفت الانتباه هو غياب مفهوم تعارض المصالح بوصفه التزاماً قانونياً ملزماً، إذ يرد في النص الحالي بصيغة إنشائية لا تفرض واجباً ولا تُرتّب مسؤولية. إن تحويل هذا المبدأ إلى إجراء إلزامي وامتناع عن التصويت عند وجود مصلحة مباشرة شرطاً أساسياً لنزاهة العملية التشريعية ومنع تضارب المصالح الذي لطالما شكّل أحد أبواب الفساد في الحياة العامة السورية. وفي السياق ذاته تظهر مسألة تلاوة أيات قرآنية في افتتاح الجلسات كإشكال دستوري ومدني، إذ يحوّل مؤسسة يفترض أنها تمثّل جميع المواطنين إلى فضاء ذي طابع ديني محدّد، بما يتعارض مع مبدأ حياد الدولة تجاه المعتقدات ويقوّض فكرة المواطنة المتساوية.
تتكرر مشكلة تركيز السلطة في يد رئيس المجلس في مواد عديدة، أبرزها ما يتعلق بالدورات الاستثنائية، حيث يمنح النص الأصلي الرئيس سلطة تحديد جدول الأعمال، وهو ما يفرغ فكرة “الاستثنائية” من مضمونها ويحوّلها إلى دورة عادية بجدول أعمال مفروض من الأعلى.
التعديل المقترح، أن يربط جدول الأعمال حصراً بطلب الانعقاد، وهذا يعيد الاعتبار لدور النواب ويمنع الالتفاف على القضايا الطارئة. الأمر ذاته ينطبق على صلاحية طلب تفسير الدستور، التي لا يجوز أن تبقى أداة بيد الرئيس وحده، بل يجب أن تخضع لقرار الأغلبية أو لطلب نيابي جماعي، منعاً لاستخدامها كوسيلة لشرعنة إجراءات جدلية أو الضغط السياسي.
وتبرز مشكلة أخرى في علاقة الرئيس باللجان، إذ يمنحه النص الحالي سلطة دعوة أي لجنة للانعقاد، ما يفتح الباب لتوجيه أولويات العمل الرقابي والتشريعي. والمفروض هنا حصر الدعوة بمكتب اللجنة، للحفاظ على استقلالية اللجان ويمنع التدخل الرئاسي في عملها. كما أن معالجة تنازع الاختصاص بين اللجان عبر مكتب المجلس تمثّل ثغرة خطيرة، إذ تتيح توجيه مشاريع القوانين الحساسة نحو لجان “موالية”. والأفضل إحالة النزاع إلى لجنة الشؤون الدستورية ثم إلى الهيئة العامة عند اللزوم لضمان الحياد ومنع التلاعب السياسي.
التعديل المقترح، أن يربط جدول الأعمال حصراً بطلب الانعقاد، وهذا يعيد الاعتبار لدور النواب ويمنع الالتفاف على القضايا الطارئة. الأمر ذاته ينطبق على صلاحية طلب تفسير الدستور، التي لا يجوز أن تبقى أداة بيد الرئيس وحده، بل يجب أن تخضع لقرار الأغلبية أو لطلب نيابي جماعي، منعاً لاستخدامها كوسيلة لشرعنة إجراءات جدلية أو الضغط السياسي
وفي باب التمثيل الخارجي، يظهر النص الأصلي وكأنه يرّسخ “المكافأة السياسية”، إذ يمنح مكتب المجلس سلطة تسمية الوفود من دون معايير واضحة. إن اعتماد معايير الكفاءة والتمثيل النسبي يضمن عدالة المشاركة ويمنع تحويل السفرات البرلمانية إلى امتيازات شخصية. كما أن دمج لجنة جودة القوانين ضمن لجنة الشؤون الدستورية يمثّل خطوة ضرورية لتوحيد المرجعية القانونية وتجنب تضارب الاختصاصات الذي يبطئ الدورة التشريعية ويخلق بيروقراطية غير مبررة.
وأخطر في ما في هذا المشروع هو المادة 85 المتعلقة بالنصاب القانوني التي تسمح بخفض النصاب إلى الثلث بعد ساعتين من انعقاد الجلسة، ولا تعتبر مغادرة الأعضاء مؤثرة في صحة الجلسة. وهذا يفتح الباب أمام تمرير قوانين مصيرية بحضور عدد محدود، ويقوّض مبدأ التمثيل الشعبي.
وفيما يتعلق بوضع جدول الأعمال، فإن مكتب المجلس هو من يختص بوضعه، وهذا الأمر يهمّش دور النواب، ويحوّل الجلسات إلى مساحة لتمرير مشاريع الحكومة فقط. ولا بد هنا من تخصيص جلسة دورية لمقترحات النواب حتى يعيد التوازن ويمنحهم دوراً تشريعياً فعلياً.
كما تبرز مشكلة تنظيم حق الكلام للكتل أو النواب، حيث يمنح المشروع الرئيس سلطة شبه مطلقة في منح الإذن، ما يتيح التضييق على الأصوات المعارضة. وهنا يفضل اعتماد كشف تسجيل مسبق وتوزيع الوقت بالتساوي يضمن عدالة النقاش. كما أن الإجراءات التأديبية، التي يملك الرئيس اتخاذها من دون رقابة، يجب أن تخضع للطعن أمام الهيئة العامة منعاً لاستخدامها لإسكات النواب. وفي باب تدوين المحاضر، فإن السماح بحذف العبارات يشكّل مساساً بالأمانة التاريخية، ويتيح رقابة لاحقة على آراء النواب، وهو أمر يجب منعه بشكل قاطع.
ويفرض المشروع التصويت العلني برفع الأيدي كخيار يعلو على التصويت الإلكتروني الذي يجب أن يكن الأصل كضرورة لحماية النواب من الضغوط السياسية التي يفرضها التصويت العلني برفع الأيدي، مع حصر الوسائل التقليدية في الحالات الإجرائية البسيطة. كما أن الرقابة على الأسئلة البرلمانية لا يجوز أن تبقى بيد الرئيس، بل يجب أن تخضع للجنة مختصة، مع حق العضو في عرض السؤال على المجلس. وفي باب رفع الحصانة، يجب منع الرئيس من تعطيل الإحالة، عبر اعتبارها واقعة حكماً بعد 48 ساعة.
أما الأمانة العامة، فلا يجوز أن تبقى جهازاً تابعاً للرئيس، بل يجب أن تخضع لمكتب المجلس لضمان حياديتها وتوفير المعلومات لجميع النواب. ولا بد من النص على اقتراح سحب الثقة من رئيس المجلس كضرورة ديمقراطية، إذ لا معنى لمنح الثقة من دون إمكانية سحبها. كما أن إقرار الذمة المالية يمثّل خطوة أساسية لتعزيز النزاهة ومنع الإثراء غير المشروع.
وأخيراً، يثير غياب لجنة العلاقات الخارجية عن المشروع تساؤلات جدية حول فهم دور البرلمان في السياسة الخارجية، كما أن عدم منح لجنة الشؤون الدستورية اختصاصاً صريحاً بمراجعة تشريعات السلطة القضائية يخلق فجوة خطيرة في الرقابة التشريعية.
إن مشروع النظام الداخلي، بصيغته الحالية، يعيد إنتاج مركزية السلطة داخل المجلس، ويرّسخ هيمنة الرئاسة، ويضعف الدور التشريعي والرقابي للنواب ويذكرنا بمجلس التصفيق الذي كان سائداً في عهد الرئيس المخلوع.
التعديلات المقترحة ليست مجرد تحسينات تقنية، بل شروط أساسية لبناء مؤسسة برلمانية حديثة، مستقلة، وفاعلة، قادرة على تمثيل السوريين في مرحلة انتقالية تحتاج إلى أعلى درجات النزاهة والشفافية.
- تلفزيون سوريا























