كان من المفترض أن يمثل إقرار النظام الداخلي لمجلس الشعب خطوة تأسيسية، تعيد بناء المؤسسة التشريعية على أسس حديثة، تتناسب مع متطلبات المرحة الانتقالية، وتعمل على استعادة صلاحيات المجلس وموقعه الرقابي الذي سُلِب على مدى عقود. لكن النسخة النهائية التي أُقرت جاءت مخيبة للآمال، إذ اتضح أن ما أُقِرّ ليس إلا إعادة إنتاج لنصوص نظام 2017 الذي كان معمولاً به في عهد نظام الأسد المخلوع، مع تعديلات شكلية طفيفة وتراجعات جوهرية في مواضع مفصلية. ومن حيث النتيجة، شرعن النواب أدوات السيطرة الإجرائية، وكرسوا هيمنة الرئاسة على الحياة البرلمانية.
المقارنة بين النسخة المقررة ونسخة نظام الأسد المخلوع تكشف أن نسبة الاستنساخ والتشابه العالية تتجاوز 80%. فقد أعيد تبني مواد التعريفات والآليات الإجرائية الأساسية، وقواعد الإدارة، وإجراءات الانعقاد، وآليات الضبط التأديبي، التي ساهمت سابقاً في تقييد نشاط النواب المستقلين والمعارضين. فلم يشهد النظام الجديد أي قطيعة حقيقية مع المنظومة المؤسسية التي كانت تحول المجلس إلى واجهة مصادقة أكثر منها سلطة رقابية حقيقية، بل تم ترسيخها من خلال إعادة تبني مواد تضمن للسلطة التنفيذية قدرة واسعة على توجيه سير العمل النيابي وحدوده.
أخطر ما جاء في النظام الداخلي الجديد هو إدخال ما يمكن تسميته بـِ “فخّ الثلث”. إذ يسمح بعقد الجلسات بعد ساعتين فقط من موعدها بنصاب لا يتجاوز ثلث أعضاء المجلس، مع بقاء الجلسة صحيحة حتى لو غادر بعض الحاضرين. بينما كان النظام القديم يشترط الأغلبية المطلقة (50% + 1) لانعقاد الجلسات من دون أي خفض للنصاب. هذه الصيغة الجديدة تحوّل النصاب من ضمانة لتمثيل إرادة الأغلبية إلى أداة تمكّن أقلية منظّمة من تمرير تشريعات مصيرية في غياب ثلثي المجلس، وتفرغ مبدأ التمثيل الشعبي من محتواه.
مظاهر إعادة إنتاج الاستبداد لا تقف عند النصاب وحده، بل تمتد إلى تركيز غير مسبوق للسلطة في يد رئيس المجلس. فقد وسّعت المواد المتعلقة بصلاحياته من قدرته على إدارة الجلسات وتفسير أحكام النظام والدستور وتحديد جدول الأعمال، إلى التدخل المباشر في عمل اللجان وتوجيه أولوياتها، وصولاً إلى منحه صلاحية حذف عبارات من المحاضر الرسمية. وهذه الصلاحية خطيرة لأنها تعني عملياً إمكانية تعديل سجلّ الجلسات بعد وقوعها، أي تغيير الوقائع وإخفاء مواقف بعض النواب من السجل الرسمي للمجلس. والأسوأ من ذلك غياب أي آلية ديمقراطية فعّالة لسحب الثقة من رئيس المجلس أو مكتبه، وهذا ما يجعلهم سلطة محصّنة طوال الولاية النيابية.
وبالتوازي مع ذلك، جاء إلغاء “لجنة الشؤون الخارجية” واستبدالها بـِ “لجنة الشؤون الدبلوماسية والقنصلية” ليقلّص عملياً الدور السياسي للبرلمان في مراقبة السياسة الخارجية. فالتغيير نقل عمل اللجنة من مجال سياسي واسع إلى مجال إداري–قنصلي محدود، ما يعني غياب لجنة مختصة تتابع توجهات الدولة الدولية أو تناقش سياسات الحكومة الخارجية. ورغم أن المادة /34/ أسندت إلى “اللجنة الدستورية والتشريعية” مهمة التحقق من توافق المعاهدات والاتفاقيات الدولية مع الإعلان الدستوري، فإن هذا الاختصاص يبقى فنياً ودستورياً، ولا يعوّض غياب لجنة سياسية قادرة على تحليل مضمون الاتفاقيات وتقييم آثارها ومساءلة الحكومة بشأن خياراتها الخارجية. وهكذا يتحول دور المجلس في الملفات الدولية إلى دور مصادقة شكلية، بينما تبقى السياسة الخارجية بيد السلطة التنفيذية من دون رقابة برلمانية متخصصة.
ويظهر هذا النهج أيضاً في جوانب تمسّ هوية المؤسسة وآليات نزاهتها. فالنص الذي يفرض افتتاح الجلسات بتلاوة آيات قرآنية يضع المجلس في موقع انحياز ديني رسمي، ويثير إشكالاً دستورياً حول حياد المؤسسة تجاه المعتقدات المختلفة، ويقوّض فكرة المواطنة المتساوية داخل مؤسسة يفترض أن تمثّل جميع السوريين من دون تمييز.
وفي السياق نفسه، جاءت المادة المتعلقة بـِ “تعارض المصالح” بصياغة عامة تفتقر إلى أدوات تنفيذية حقيقية؛ فلا وجود لإلزام بالكشف عن الذمة المالية، ولا لمنع التصويت عند وجود مصلحة مباشرة، ولا لعقوبات واضحة. وبهذا تتحول مكافحة تضارب المصالح إلى نصوص شكلية لا تمنع النفوذ المالي من التأثير في التصويت ولا تضع حداً للإثراء غير المشروع داخل المؤسسة التشريعية.
وفيما يتعلق بالتصويت، حافظ النظام على الصيغة التي كانت معتمدة في “نظام الأسد” وهي التصويت العلني كخيار افتراضي، بينما اشترط للتصويت السري موافقة لا تقل عن ثلث الأعضاء وبأغلبية الحاضرين، وهو شرط مرتفع يجعل السريّة شبه معطّلة في القضايا الحساسة. ومنح رئيس المجلس سلطة تقرير طريقة التصويت برفع الأيدي أو التصويت الإلكتروني بحسب ما يراه الرئيس مناسباً، وهذا ما يضع آليات التصويت تحت إدارة رئيس المجلس لا تحت إرادة الهيئة العامة. ورغم أن المادة تمنح المجلس حق اختيار طريقة التصويت في مشاريع القوانين والموازنة والمعاهدات والنظام الداخلي والحصانة، فإن هذه السلطة تبقى شكلية في ظل قدرة الرئيس على التحكم بمسار الجلسة وتوجيه أدوات التصويت. والإبقاء على التصويت العلني كخيار افتراضي، مقابل تحجيم التصويت السري أو الإلكتروني، وهذا ما يضع النواب تحت الرقابة البصرية المباشرة ويحدّ من استقلالية مواقفهم، ويجعلهم عرضة للضغط والتبعات الشخصية.
باختصار، أن النسخة المقررة للنظام الداخلي لم تقطع مع الاستبداد، بل أعادت تدوير نصوص نظام 2017 بنسبة تقديرية تقارب 75–80%، مع إضافات تراجعية في بعض المواضع. هذه النتيجة ليست صدفة بل خيار سياسي يضمن استمرار سيطرة الآليات التنفيذية على المؤسسة التشريعية.
إن استعادة البرلمان كسلطة رقابية حقيقية تتطلب بذل جهود تشريعية فورية لإلغاء فخ الثلث وضمان سرية التصويت كقاعدة، وإعادة تشكيل لجان رقابية مستقلة لا سيما في الشؤون الخارجية، وتشديد نصوص تضارب المصالح وفرض كشف الذمة المالية والعقوبات، وفصل الأمانة العامة عن تبعية الرئيس، وإرساء آليات واضحة لسحب الثقة من قيادة المجلس. من دون هذه الإصلاحات سيبقى المجلس واجهة لتمرير ما تريده السلطة التنفيذية، لا جسراً لتمثيل سيادة الشعب الذي دفع ثمناً باهظاً من من حياة أبنائه وحريتهم وكرامتهم.























