إذا تركنا جانبا التفاصيل اليومية للمواجهة الدائرة بين إيران والولايات المتحدة، والتي ترهقنا بها وسائل الإعلام العربية، وركزنا على الأساسيات، نجد أننا بتنا أمام نمط ثابت للصراع، يحصل في دورات قصيرة متكرّرة، مع تحول مضيق هرمز إلى العنوان الأبرز له، بعدما فشلت الولايات المتحدة في تحقيق أهداف الجولة الأولى للحرب، إخضاع النظام الإيراني، وحتى إسقاطه، وفق الرؤية الإسرائيلية، وردّ إيران بإغلاق المضيق الذي صار سلاحها الأمضى (والوحيد ربما) للضغط على إدارة ترامب للتوقف عن محاولات إضعافها، ودفعها إلى الاستسلام، وحتى الخروج من الحرب، إذا أمكن، بمكسب من وزن السيطرة على أحد أهم مضائق العالم، ترمم به إيران ما فقدته من عناصر قوة في حروب ما بعد “طوفان الأقصى”.
تتكون دورة الصراع الأميركي الإيراني من مراحل عديدة سقفها عدم العودة إلى الحرب الشاملة، تبدأ بتشديد إيران حصارها على المضيق بغرض رفع أسعار الطاقة، خصوصاً في الولايات المتحدة، التي تستعد لانتخابات نصفية مهمة تمثل أسعار النفط أحد أهم محددات قرار الناخب الأميركي فيها. تقوم حسابات طهران على أن خسارة ترامب تلك الانتخابات سوف تضعفه وقد تدفع الديمقراطيين إلى البدء بإجراءات عزله، كما فعلوا أثناء ولايته الأولى. ورغم أن عزل ترامب لن ينفذ، على الأرجح، حتى لو ربح الديمقراطيون مجلس الشيوخ، لأنه يتطلب موافقة ثلثي أعضائه، فإن إيران تأمل أن يؤدي فقدان السيطرة على الكونغرس إلى إضعاف ترامب وإشغاله بمعارك داخلية ريثما تنتهي ولايته وتأتي إدارة أخرى، ديمقراطية، أو حتى جمهورية بقيادة نائب الرئيس جي دي فانس، أكثر تمثيلا لمعسكر “أميركا أولاً” الذي يميل إلى الانعزالية والتركيز على الداخل. رد ترامب يأتي بمحاولة انتزاع السيطرة على مضيق هرمز وفتحه أمام الملاحة الدولية، سواء بالدبلوماسية (مذكرة إسلام أباد) أو بالقوة، من خلال تأمين ممر بديل قريب من السواحل العُمانية، بحيث تعود إمدادات الطاقة إلى التدفق بحرية لخفض الأسعار، احتواء التضخم، وخفض أسعار الفائدة، وبالتالي كسب الانتخابات النصفية على المدى القصير، والمضي في أجندته الداخلية والاقتصادية حتى نهاية ولايته دون خشية من عرقلة من كونغرس تسيطر عليه المعارضة الديمقراطية.
أخيراً، صار الطرفان الإيراني والأميركي يتصرفان وكأنهما في سباق مع الوقت. منذ بداية الحرب، تعمل إيران في إطار ردة الفعل، حيث تستهدف دول الجوار عندما تتلقى هجمات من الولايات المتحدة. لم يعد الأمر كذلك الأسبوع الماضي، حيث صعّدت إيران على جبهتين: الأولى، المبادرة إلى ضرب الأردن والكويت من دون أن يكون هناك هجوم أميركي سابق عليها. إدخال مضيق باب المندب عاملاً آخر في الصراع، بعدما أعلن الحوثيون فرض حصار على صادرات النفط السعودية التي تخرج من موانئها على البحر الأحمر. يبدو أن إيران أدركت، أخيراً، أن الرئيس ترامب يحاول شراء الوقت حتى الانتخابات النصفية، وإبقاء أسعار النفط منخفضة (نتحدث هنا عن سقف 100 دولار) وهو ينجح في هذا عبر استراتيجية تطمين الأسواق، والتصريح يوميّاً بوجود مفاوضات واقتراب فرص التوصل إلى حل، فضلا عن تغذية الأسواق من الاحتياط الاستراتيجي الأميركي. وهذا يفسّر تغيّر السلوك الإيراني الأسبوع الماضي بغرض رفع أسعار النفط وزيادة الضغط على ترامب للقبول بالمقترحات الإيرانية لفتح مضيق هرمز. وهذا بدوره يفسّر سلوك ترامب الذي هدد بضرب إيران بقوة خلال عطلة نهاية الأسبوع الماضي، ما دفع إيران إلى التراجع وعودة أسعار النفط إلى الانخفاض. المشكلة الآن، أن دورة الصراع هذه استنفدت نفسها، إذ بات الطرفان يشعران بأنهما في سباق مع الوقت لتحقيق مكاسب قبل الانتخابات النصفية. بالنسبة لترامب، يريد فتح المضيق الآن لخفض الأسعار. بالمثل، تدرك إيران أن الوقت للضغط على ترامب أخذ ينفد، فبمجرد حصول الانتخابات النصفية سوف يتحرّر هذا الأخير من أية ضغوط داخلية، بغضّ النظر عن نتيجة الانتخابات. تقليدياً، يخسر الحزب الحاكم في أميركا الانتخابات النصفية، لكن الرئيس الذي يفقد القدرة على تمرير سياساته الداخلية بسبب خسارة الكونغرس يذهب عادة للتعويض عبر التركيز على السياسة الخارجية، التي لا يملك الكونغرس أي سلطة عليها. مشكلة إيران أنها إذا لم تتوصل إلى تسوية مع ترامب قبل الانتخابات فهي مرشّحة لأن تكون قضيته الأولى والوحيدة ربما بما تبقّى له من ولايته، حيث لا قيود داخلية يخشاها ولا انتخابات أخرى ينتظر خوضها.
- العربي الجديد





















