أنهى مجلس الشعب السوري مرحلته التنظيمية بعد جلستين، الأولى عقدت في 12 يوليو/تموز الماضي بحضور الرئيس أحمد الشرع، وانتُخب خلالها عبد الحميد العواك رئيساً للمجلس، فيما اختُتمت الجلسة الثانية، التي استمرت خمسة أيام، وانتهت في 30 من الشهر نفسه، بإقرار النظام الداخلي الجديد المؤلف من 231 مادة، والذي ينظّم آليات عمل المجلس ولجانه وإجراءات التصويت، إضافة إلى العلاقة بين السلطة التشريعية ورئيس الجمهورية.
مجلس الشعب السوري يبدأ العمل الجدّي
وبانتهاء هذه المرحلة، ينتقل المجلس إلى العمل التشريعي والرقابي، وسط تحديات كبيرة تفرضها المرحلة الانتقالية في سورية، وفي مقدمتها إقرار التشريعات، والعدالة الانتقالية، وإعادة الإعمار، وإصلاح البيئة القانونية، بما يواكب متطلبات المرحلة الجديدة.
وقال عضو مجلس الشعب والأكاديمي عماد برق، لـ”العربي الجديد”، إن إقرار النظام الداخلي لم يكن مجرد خطوة تنظيمية، بل يمثّل تأسيساً لمرحلة جديدة تقوم على قواعد تشريعية أكثر مرونة وشفافية. وأضاف أن الأولوية المقبلة تتمثل في تشكيل اللجان الدائمة وتفعيلها وفق آليات حديثة تعزّز العمل التخصصي، بما يضمن دراسة مشاريع القوانين بصورة معمقة قبل عرضها على الجلسات العامة.
عماد برق: العدالة الانتقالية تأتي في مقدمة الأولويات من خلال إصدار التشريعات اللازمة لها
وأوضح أن المجلس سينتقل بعد استكمال بنيته التنظيمية إلى ممارسة دوره التشريعي والرقابي، مع التركيز على القضايا التي تمسّ حياة المواطنين، عبر تفعيل أدوات المساءلة ومراقبة أداء المؤسسات العامة بصورة أكثر فاعلية، بما يضمن استجابة السلطة التنفيذية للتوصيات البرلمانية والتشريعات التي يقرّها المجلس.
وأشار إلى أن ترتيب الأولويات لا يعني تفضيل قانون على آخر، وإنما اعتماد منهج يوازن بين الملفات العاجلة والضرورية، مؤكداً أن العدالة الانتقالية تأتي في مقدمة هذه الأولويات من خلال إصدار التشريعات اللازمة لها، إلى جانب الاهتمام بالملف الاقتصادي، ولا سيما تشريعات الاستثمار، وضبط الأسواق، ومراجعة سياسات الأجور والضرائب، بما يعزز القدرة الشرائية للمواطنين ويُسهم في تحقيق الاستقرار الاجتماعي.
كما شدّد على أهمية تحديث البيئة التشريعية لمعالجة الثغرات القانونية التي تعيق التنمية أو تزيد من البيروقراطية، وتبسيط الإجراءات الحكومية، وإصدار قوانين تتعلق بالخدمات الأساسية، وفي مقدمتها الصحة والتعليم، إضافة إلى تعزيز شبكات الحماية الاجتماعية للفئات الأكثر احتياجاً.
وأكد برق أن المجلس ينطلق من تطلعات السوريين، معتبراً أن ارتفاع سقف التوقعات يمثل مسؤولية تدفع أعضاء المجلس إلى العمل بروح تشاركية لإصدار تشريعات تستجيب لمتطلبات المرحلة.
وكان مجلس الشعب قد أقرّ نظامه الداخلي الجديد في 30 يوليو الماضي، محدداً مدة ولايته بثلاثين شهراً قابلة للتجديد وفق الإعلان الدستوري، مع عقد ثلاث دورات عادية سنوياً وإمكانية الدعوة إلى دورات استثنائية. كما نصّ النظام على تشكيل لجان دائمة متخصصة، من بينها لجان الشؤون الدستورية والتشريعية، والموازنة، والدفاع، والحرّيات، والإعلام، والعدالة الانتقالية، إلى جانب تنظيم إجراءات مناقشة مشاريع القوانين وآليات التصويت عليها.
أول اختبار
من جهته، رأى الباحث السياسي محمد المصطفى، في حديث مع “العربي الجديد”، أن المرحلة المقبلة ستحدد طبيعة دور المجلس ومدى قدرته على التحول إلى سلطة تشريعية ورقابية فاعلة. وأوضح أن المجلس سيواجه أول اختبار يتمثل في إثبات استقلاليته، قبل الانتقال إلى مناقشة القوانين الأساسية، وفي مقدمتها قانون الأحزاب والتشريعات المنصوص عليها في الإعلان الدستوري الصادر في مارس/آذار 2025، فضلاً عن رسم العلاقة بين السلطتين التشريعية والتنفيذية وآليات الرقابة الحكومية.
محمد المصطفى: أبرز التحديات الأوضاع الأمنية في السويداء، وبطء التقدم في ملف “قسد”
وأضاف أن نجاح المجلس يتطلب تقييماً دقيقاً للواقع السوري والانطلاق منه لوضع خطط زمنية قابلة للتنفيذ، في ظلّ تحديات مستمرة، أبرزها الأوضاع الأمنية في السويداء، وبطء التقدم في ملف قوات سوريا الديمقراطية “قسد”، إلى جانب محاولات زعزعة الاستقرار، ما يفرض إصدار قوانين مرنة تراعي الظروف السياسية والاقتصادية الراهنة.
بدوره، اعتبر المحامي باسل سعيد مانع، في حديث مع “العربي الجديد”، أن نجاح المجلس لن يُقاس بعدد القوانين التي يصدرها، وإنما بجودة هذه القوانين وقدرتها على معالجة المشكلات الفعلية. وأضاف أن المجلس، رغم محدودية أدواته الرقابية وفق الإعلان الدستوري، يستطيع تعزيز الشفافية عبر جلسات استماع أكثر جدية وفاعلية، وإثراء النقاش العام حول أداء السلطة التنفيذية.
وفي السياق، أوضحت عضو مجلس الشعب نور الجندلي، لـ”العربي الجديد”، أن المجلس، استناداً إلى المادة الثلاثين من الإعلان الدستوري، يتولى ممارسة السلطة التشريعية إلى حين اعتماد دستور دائم، من خلال إقرار القوانين وتعديلها أو إلغائها، إضافة إلى ممارسة الرقابة على السلطة التنفيذية ضمن الحدود التي رسمها الإعلان الدستوري. وأكدت أن نجاح النائب يُقاس بقدرته على إنتاج تشريعات تخدم المواطنين، مشيرة إلى أن مشاريع القوانين ستعرض أولاً على اللجان المختصة لدراستها قبل التصويت عليها.
وائل علوان: النقاش يدور حول مجموعة واسعة من القوانين، من بينها قانون الأحزاب، والتشريعات المرتبطة بالحريات
من جهته، قال الباحث السياسي وائل علوان، في حديث مع “العربي الجديد”، إن المجلس أنجز أولويته التنظيمية بانتخاب هيئته القيادية وإقرار نظامه الداخلي، لينتقل بعدها إلى مرحلة تحديد الأولويات التشريعية. ولفت إلى أن سورية شهدت فراغاً تشريعياً استمر نحو عام ونصف العام بعد سقوط نظام الأسد، الأمر الذي يفرض على المجلس إعادة بناء المنظومة القانونية بما يتناسب مع متطلبات المرحلة الجديدة.
وأشار علوان إلى أن النقاش يدور حول مجموعة واسعة من القوانين، من بينها قانون الأحزاب، والتشريعات المرتبطة بالحريات، وإعادة النظر في القوانين التي ورثتها البلاد عن النظام السابق، والتي لم تعد ملائمة للتحولات السياسية والاقتصادية التي تشهدها سورية.
وأضاف أن النظام الداخلي أقر تشكيل 25 لجنة متخصصة، بينها لجان جديدة مثل لجنة المنافذ والجمارك، مع تعديل اختصاصات بعض اللجان الأخرى، بما يسمح بتوزيع الملفات على نحو أكثر كفاءة. ورأى أن نجاح هذه اللجان يعتمد على مستوى التعاون بين السلطتين التشريعية والتنفيذية، بما يضمن إنجاز الملفات المطروحة دون تعطيل.
وأوضح أن المجلس سيواجه أيضاً مهمة مراجعة القوانين والمراسيم التي أصدرتها السلطة التنفيذية خلال فترة غياب السلطة التشريعية، وفي مقدمتها قانون الاستثمار، لضمان منحها الشرعية البرلمانية وتحقيق الاستقرار القانوني. وأضاف أن عدد القوانين التي تحتاج إلى مراجعة أو تعديل أو استحداث يتجاوز 800 قانون، الأمر الذي يجعل دور اللجان المتخصصة أساسياً في تسريع العمل التشريعي.
واعتبر علوان أن المرحلة الانتقالية تتطلب التركيز على قوانين تعزز السلم الأهلي والاستقرار، وفي مقدمتها قوانين النقابات، وتنظيم الحياة السياسية، والعدالة الانتقالية، بما يدعم عملية الانتقال السياسي ويعزز الاستقرار الداخلي ومكانة سورية الخارجية.
ويضم مجلس الشعب 206 أعضاء من ممثلي الكفاءات والقيادات المجتمعية، بينهم 136 عضواً منتخباً و70 عضواً معيناً، مع بقاء عدد من المقاعد شاغراً. وتشكل الرقابة على أداء السلطة التنفيذية، إلى جانب التشريع وتمثيل المواطنين، أبرز المهمات التي تنتظر المجلس خلال المرحلة المقبلة، في ظل توقعات بأن تشكل هذه المرحلة الاختبار الحقيقي لقدرته على مواكبة متطلبات التحول السياسي والتشريعي في البلاد.
- العربي الجديد






















