عقب انعقاد الجلسة الأولى لمجلس الشعب دار نقاش حاد على وسائل التواصل الاجتماعي حول الحزبية، بعدما حذر ناشط إعلامي من تحت قبة البرلمان من خطورة التحزب والتكتل بين أعضاء البرلمان، وأغلب الظن أن المؤثر إياه يفتقر إلى المعرفة السياسية الدنيا اللازمة لفهم دور مجلس الشعب وآلية عمله في الدول الديمقراطية، ما أعاد هذا النقاش طرح موضوع التعددية الحزبية والقانون المنظم لها.
ثمة ربط شائع وشبه ميكانيكي ظهر في النقاش، بين إنشاء الأحزاب وإصدار قانون ينظم عملها، لكن هذا الربط غير صحيح، لأن الإعلان الدستوري ضمَن حرية التجمع وصان حرية التعبير السياسي، وبالتالي ليس ثمة ما يجعل قانون شرطاً لإنشاء الحزب، هو في الواقع شرط لتنظيم التنافس السياسي، وهو أمر يتعلق بالانتخابات التي ستحدث في نهاية المرحلة الانتقالية.
ظهر في النقاش أن هناك أيضاً خلط شائع بين إدارة المجال السياسي العام وتنظيمه، القانون يلعب دور التنظيم، أما الإدارة للمجال السياسي الداخلي فهي مفهوم واسع وعمل معقد قد يكون القانون أحد أدواتها، وفي ظل غياب مثل هذا القانون ثمة أدوات أخرى يمكن الاعتماد عليها، ليس هنا مجال مناقشتها، لكن يجب القول إن التشريعات المؤسِّسة للحياة السياسية مثل قانون الأحزاب تستند قيمتها من تحقيق الاستقرار للبيئة السياسية ومأسستها.
تعني إدارة المجال السياسي توجيه التفاعلات السياسية داخل المجتمع بما يحقق الاستقرار والتوازن والتنافس السلمي، وهي عملية مستمرة تشمل إدارة العلاقة بين القوى السياسية المختلفة، وتنظيم الحوار والتفاوض والتسويات في المجتمع، ومعالجة النزاعات الاجتماعية والسياسية، وبناء التوافقات الوطنية، وتحقيق التوازن بين المصالح المتعارضة، وتوجيه السياسات العامة، الإدارة السياسية تتعامل مع المجال السياسي بوصفه مجالاً حياً ومتحركاً، مليئاً بالتفاعلات والصراعات والمساومات والتحالفات.
لا ينبغي أن يحل القانون محل الإدارة السياسية للمجال العام، لأنه عندما تصبح الاستجابة الأساسية لكل مشكلة سياسية هي إصدار قانون جديد، تولد مشكلات جديدة حيث تتحول السياسة إلى إجراءات بيروقراطية، ويضيق مجال التفاوض والتوافق، وتتزايد الرقابة القانونية على الفاعلين السياسيين، وتصبح المحاكم بديلاً عن المؤسسات السياسية، وهذا ينقل المجتمع من الحكم السياسي إلى ما يسميه البعض قضائية السياسة، أي نقل النزاعات السياسية إلى المجال القانوني والقضائي، لكن القضاء يستطيع أن يحسم النزاع قانونياً، ولا يستطيع أن يحله سياسياً بالضرورة، فالقانون يحدد الحدود المشروعة للسياسة، بينما الإدارة السياسية تدير ما يجري داخل تلك الحدود.
جوهر الخلاف حول الأحزاب في التوقيت لإصدار القانون وليس في أصل التعددية الحزبية، وهذه نقطة مهمة، وحيث أن أغلب النقاش العام في المراحل الانتقالية يرى في قانون الأحزاب إحدى الخطوات الافتتاحية لمسار التحول الديمقراطي، فإن الإشارة إلى مخاطر ذلك على مرحلة الانتقال السياسي ضرورية، الحياة الحزبية لا تُستهل بالقانون، لكن القانون يأتي لاحقاً لينظّم واقعاً سياسياً بدأت ملامحه تتشكل واكتسب قدراً من التوازن والاستقرار النسبي، وحين يسبق التشريعُ نضوجَ شروطه الموضوعية، فإنه يتحول من إطار لإدارة الخلاف إلى مصدر إضافي لزيادة الخلاف.
لأن القانون هو ليس لائحة إجرائية لتنظيم الترخيص وحسب، فهو الوثيقة التي ترسم حدود المنافسة السياسية، وتضبط العلاقة بين الدولة والأحزاب، وتحدد الحقوق والقيود التي ستحكم العمل السياسي لعقود، ومن ثم فإن شرعيته تُستمد من اتساع التوافق الوطني الذي يسبقه والذي يجب أن ينعكس في الدستور الدائم، وكلما تم التبكير في إصداره قبل نضج هذا التوافق، كلما ازداد احتمال أن يكون انعكاساً لموازين القوى المسيطرة وليس عن قواعد توافقية يقبلها ويرضى عنها الجميع.
ذلك أن ما يعالجه مثل هذا القانون خيارات سياسية تُشكّل النظام الحزبي لعقود طويلة، وليس مسائل تقنية يمكن استيرادها جاهزة من تجارب أخرى، وينسحب الأمر ذاته على نسبة الحسم الانتخابي (العتبة الانتخابية) التي لا تقتصر وظيفتها على تنظيم التمثيل النيابي، وإنما أيضاً تحديد وجهة النظام الحزبي بين التعددية المفرطة والاستقرار السياسي المعقول. ومعالجة أسئلة بهذا الحجم تتطلب نقاشاً عاماً هادئاً يسمح باختبار البدائل بعيداً عن ضغط الاستقطاب والاستحقاقات الآنية، فضلاً عن ارتباطه بالنظام السياسي كما هو مثبت في الدستور الدائم.
لا ينفصل قانون الأحزاب عن البناء الدستوري للدولة، بل إنه يستمد منطقه منه لا العكس؛ فاختيار النظام الرئاسي أو البرلماني أو المختلط يحدد وظيفة الأحزاب داخل النظام السياسي وعلاقتها بالسلطتين التنفيذية والتشريعية. وإصدار قانون الأحزاب قبل استقرار هذا الخيار أشبه بإقامة بناء لم تتحدد بعد طبيعة الأرض التي سيقوم عليها، وهو ما يفتح الباب أمام تعديلات متكررة تُفقد التشريع هيبته واستقراره.
ولا يقتصر الإشكال على النصوص، فهو يمتد إلى الفاعلين الذين ستُطبَّق عليهم. فقد خرجت سوريا للتو من عقود أُفرغ خلالها المجال السياسي من مضمونه، وتراجعت الخبرة الحزبية إلى أدنى حدودها، بينما تشكلت أغلب الكيانات السياسية في ظروف استثنائية فرضتها السرية أو المنفى أو الحرب ما أدى إلى تجريف الطبقة السياسية، وفي بيئة كهذه يجب منح الحياة السياسية وقتاً إضافياً يتيح للقوى الناشئة أن تبني شرعيتها من المجتمع لا من امتيازات ظرف الانتقال السياسي ومراكز النفوذ المتولدة في المرحلة الانتقالية.
أنا أميل إلى نظرية بناء الدولة والتريث، وتكريس السنوات الأولى لإعادة بناء المؤسسات السيادية وترسيخ حيادها، إذ تتوقف قدرة الدولة على إدارة التنافس السياسي على وجود جيش وشرطة وقضاء وإدارة عامة تعمل وفق القانون لا وفق الانقسامات في المجتمع، وإدخال البلاد في تنافس حزبي واسع مبكراً قد يحوّل الصراع السياسي إلى استثمار في هشاشة المؤسسات بدل الاحتكام إليها، وهو مسار خبرته دول عديدة فانتهى إلى إضعاف الدولة وترسيخ السلطوية بدل ترسيخ الديمقراطية.
لهذه الاعتبارات مجتمعة، يبدو لي أن تأجيل قانون الأحزاب إلى السنة الأخيرة من المرحلة الانتقالية أقرب إلى منطق البناء المؤسسي السليم منه إلى التأجيل بمعناه السلبي. فالقانون في هذه الحالة لا يمثل نقطة الانطلاق، بل إحدى ثمار الانتقال السياسي، بعد أن تستقر القواعد الدستورية، وتتبلور التوافقات الوطنية، وتستعيد مؤسسات الدولة حيادها، وتنضج الأحزاب نفسها تمثيلاً للمجتمع.
أخيراً، الديمقراطية تُقيم بقدرتها على إنتاج نظام سياسي مستقر يحظى بالشرعية ويستطيع الاستمرار، وقانون الأحزاب، بوصفه أحد أهم قوانين النظام الديمقراطي، ينبغي أن يأتي تتويجاً لهذا المسار، وإلا تحول الى عبء يُحمَّل منذ البداية تعويض ما لم يُنجزه الانتقال السياسي بعد.
- الثورة السورية






















