هوية المنفذين تتجاوز المسؤولية الجنائية المباشرة، إذ ستحدد ما إذا كان التفجير حادثاً أمنياً، أم يحمل هدفاً سياسياً أو طائفياً يتصل بأحد أكثر الملفات حساسية في سوريا حالياً.
واصلت الأجهزة الأمنية السورية، السبت، التحقيق في تفجير عبوة ناسفة داخل حافلة نقل صغيرة في مدينة جرمانا بريف دمشق، فيما صححت وزارة الصحة حصيلة الضحايا التي أعلنتها في الساعات الأولى، مؤكدة عدم وقوع وفيات وإصابة 14 شخصاً، بينهم ثلاثة في حالة حرجة.
وبالتزامن مع ذلك، أعلنت جهة تطلق على نفسها اسم «منبر أنصار الرسول» مسؤوليتها عن الهجوم، حسب وكالة «أسوشيتد برس»، من دون أن تؤكد السلطات السورية صحة التبني أو وجود صلة بين الجهة ومنفذي التفجير.
وكان الانفجار قد وقع مساء الخميس 6 آب/أغسطس داخل حافلة للنقل العام، وأدى إلى إصابة ركابها وإلحاق أضرار بالمركبة، قبل أن تطوق فرق الأمن والإسعاف والطوارئ الموقع وتباشر فرق الأدلة الجنائية معاينته.
وتتجاوز أهمية الحادث، في هذا السياق، طبيعته الأمنية، لوقوعه في مدينة ذات ثقل سكاني درزي في محيط دمشق، شهدت خلال المرحلة الماضية توترات مرتبطة بالعلاقة بين القوى المحلية والسلطة المركزية، في وقت تسعى فيه شخصيات دينية واجتماعية في جرمانا إلى إبقاء المدينة خارج تداعيات الخلاف بين دمشق وبعض القوى الدرزية في السويداء.
وفي التفاصيل، أكد مدير المكتب الإعلامي في وزارة الداخلية، فهد الفهد، أن المعاينة الأولية بينت أن التفجير نُفذ بواسطة عبوة وضعت داخل الحافلة، مشيراً إلى مباشرة الأجهزة المختصة التحقيق لكشف ملابساته وتحديد المسؤولين عنه.
من جهتها، نقلت وكالة الأنباء السورية «سانا» عن مصدر أمني تأكيده أن التفجير ناجم عن عبوة ناسفة داخل المركبة. وفي الساعات الأولى، تعاملت فرق الطب الشرعي مع أجزاء بشرية عثر عليها في المكان، ما أدى إلى الاعتقاد بوجود قتلى.
وفي إطار الاستجابة للحادث، دفعت وزارة الطوارئ وإدارة الكوارث بفرقها إلى الموقع للمشاركة في إسعاف المصابين ورفع مخلفات الانفجار وتأمين محيطه، فيما عملت فرق الأدلة الجنائية على جمع الأدلة ومعاينة الحافلة. ونُقل المصابون إلى مشفى دمشق ومشفى الراضي التخصصي في جرمانا.
ورغم حسم طبيعة الانفجار، لا تزال تفاصيل أساسية في التحقيق غير معلنة، بينها نوع العبوة وآلية تفجيرها، وما إذا كانت الحافلة استُهدفت بصورة عشوائية أم أن العملية كانت موجهة إلى أحد ركابها.
وفي هذا الإطار، تحدثت مصادر أمنية محلية عن وجود العبوة أسفل أحد المقاعد، من دون أن تدخل هذه المعلومة حتى الآن ضمن الرواية الرسمية النهائية.
أما على صعيد الضحايا، فقد تبدلت الحصيلة الرسمية خلال الساعات التي أعقبت التفجير. ففي إعلانها الأول تحدثت وزارة الصحة عن مقتل شخصين وإصابة 13 آخرين، قبل أن تعود الجمعة لتنفي تسجيل أي وفاة وتحدد عدد المصابين بـ14 شخصاً، بينهم ثلاثة في حالة حرجة.
وحسب توضيح الوزارة، نتج الاعتقاد الأولي بوجود قتلى عن العثور على أجزاء بشرية في موقع الانفجار، قبل أن يتبين أنها تعود إلى مصابين تعرضوا لإصابات بالغة وبتر في الأطراف وما زالوا على قيد الحياة.
وفي تحديث لاحق، أكدت الوزارة أن جميع المصابين، ومن بينهم سائق الحافلة، أحياء ويتلقون العلاج، بعدما رفعت حالة الاستعداد في المستشفيات وأقسام الإسعاف المحيطة بجرمانا فور وقوع التفجير.
تبنٍّ غامض
وفي موازاة التحقيق الرسمي، ظهر بيان منسوب إلى «منبر أنصار الرسول» أعلن مسؤولية الجهة عن التفجير، فيما لا تتوافر معلومات كافية عن بنيتها أو قيادتها أو نطاق نشاطها.
ومع ذلك، لم تعلن وزارة الداخلية السورية أن التحقيق أثبت مسؤولية الجهة عن العملية، كما لم تكشف عن توقيف مشتبه بهم أو تحديد هوية منفذي الهجوم. وبذلك يبقى التبني خيطاً من خيوط التحقيق، ولا يشكل بمفرده دليلاً على الجهة التي أعدت العبوة أو زرعتها.
ومن هنا، تكتسب هوية المنفذين أهمية تتجاوز المسؤولية الجنائية المباشرة، إذ ستساعد في تحديد ما إذا كان التفجير حادثاً أمنياً منفصلاً، أم يحمل هدفاً سياسياً أو طائفياً يتصل بأحد أكثر الملفات حساسية في سوريا حالياً، وهو العلاقة بين الدولة والبيئة الدرزية.
وفي خلفية هذه الحساسية، تحولت جرمانا منذ سقوط نظام الأسد أكثر من مرة إلى إحدى نقاط اختبار مستوى الثقة بين دمشق والبيئة الدرزية.
ففي أواخر نيسان/أبريل ومطلع أيار/مايو 2025، شهدت جرمانا وأشرفية صحنايا مواجهات مسلحة أعقبت انتشار تسجيل صوتي مسيء للنبي محمد نُسب خطأً إلى رجل دين درزي. وسقط خلال الاشتباكات قتلى من عناصر الأمن ومسلحين محليين، قبل التوصل إلى تفاهمات بين الحكومة ومرجعيات محلية بشأن ترتيبات حفظ الأمن.
وأظهرت تلك الأحداث، لاحقاً، قابلية حادث تحريضي محدود للتحول سريعاً إلى مواجهة أمنية ذات بعد طائفي وسياسي، كما أتاحت لإسرائيل التدخل تحت عنوان حماية الدروز، ما أضاف بعداً إقليمياً إلى أزمة الثقة بين دمشق وقطاعات من المجتمع الدرزي.
ثم تعمقت الأزمة مع أحداث السويداء في تموز/يوليو 2025 وما رافقها من مواجهات وخسائر بشرية واسعة وتدخلات إسرائيلية ربطتها تل أبيب بحماية الدروز السوريين.
وفي المقابل، حاولت فعاليات دينية واجتماعية في جرمانا خلال الأشهر الأخيرة إبقاء المدينة خارج مسار المواجهة المفتوحة في الجنوب، والتأكيد على ارتباطها بدمشق ومعالجة قضاياها ضمن مؤسسات الدولة.
وظهر هذا الاتجاه مجدداً قبل ساعات من التفجير، عندما أصدر مشايخ وأهالي جرمانا بياناً شددوا فيه على السلم الأهلي ورفض خطاب الكراهية ومحاولات زرع الفتنة، مؤكدين أن «وحدة سوريا خط أحمر» وأن أبناء المدينة «ليسوا صندوق بريد لأي جهة».
ورغم غياب أي دليل يربط بين ذلك البيان والتفجير، فإن التزامن بينهما منح الحادثة حساسية سياسية إضافية.
وانطلاقاً من هذه الخلفية، يمكن أن يحمل استهداف حافلة مدنية داخل جرمانا أثراً يتجاوز الخسائر المباشرة، عبر زعزعة التوازن الهش الذي تشكل بين السلطة وفعاليات المدينة خلال الفترة الأخيرة.
فمن جهة، يستطيع أي اعتداء أمني كبير في جرمانا إعادة إنتاج روايات متناقضة حول هوية المنفذين ومسؤولية الدولة عن توفير الحماية والجهة التي تستفيد من إعادة الخوف والتوتر إلى المجتمع المحلي. ومن جهة أخرى، تصبح هذه الاحتمالات أكثر خطورة إذا أثبت التحقيق وجود دافع طائفي وراء العملية.
وفي سياق أمني أوسع، يأتي تفجير جرمانا بعد سلسلة من الهجمات بالعبوات الناسفة شهدتها دمشق ومحيطها خلال فترة قصيرة. ففي 2 تموز/يوليو انفجرت عبوة داخل مقهى قرب قصر العدل وسط العاصمة، ما أدى إلى مقتل عشرة أشخاص وإصابة 21 آخرين، فيما شهدت دمشق في 7 تموز/يوليو تفجير عبوتين بالتزامن مع زيارة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى سوريا.
ومع أن وزارة الداخلية لم تعلن وجود رابط تنظيمي بين تفجير جرمانا والحوادث السابقة، ولا يمكن بالتالي التعامل معها باعتبارها عمليات نفذتها جهة واحدة، فإن تكرار الهجمات بالعبوات في مناطق مدنية مكتظة خلال أسابيع قليلة يضع الأجهزة الأمنية أمام تحد يتعلق بمنع انتقال هذا النمط من الهجمات إلى مناطق مختلفة من العاصمة ومحيطها.
في المحصلة، يبقى كشف هوية منفذي التفجير ودوافعهم حاسماً لمعرفة ما إذا كانت جرمانا أمام حادث أمني منفصل، أم محاولة لاستثمار الانقسام الطائفي وإعادة توتير العلاقة بين السلطة والدروز بعد مرحلة من محاولات احتواء الخلافات السابقة.
- القدس العربي
























