تواصل قوات الاحتلال الإسرائيلي أعمال الحفر والتجريف في ريف القنيطرة ضمن مشروع “سوفا 53″، الذي أنجزت نحو 80% منه، بحسب معلومات ميدانية حصل عليها موقع تلفزيون سوريا، في وقت تتوسع فيه الخنادق والسواتر على حساب أراضٍ زراعية ومراعٍ حُرم أصحابها من الوصول إليها، ضمن ما تصفه إسرائيل بأنه “خط دفاعي” جديد بمحاذاة الجولان.
من جبل الشيخ وعين التينة شمالاً، مروراً ببريقة وتلة عكاشة وصيدا الجولان، وصولاً إلى محيط حرش كودنا الجنوبي، تتغير ملامح المنطقة مع تقدم أعمال إنشاء خنادق وسواتر ترابية على مسار يقدر طوله بنحو 70 كيلومتراً.
لكن ما تصفه إسرائيل بأنه “مشروع دفاعي” يحمل انعكاسات مباشرة على الجانب السوري، إذ دخلت مساحات من الأراضي الزراعية والمراعي ضمن نطاق الأعمال، في حين باتت أشجار مثمرة ومصادر مياه خلف السواتر أو داخل مناطق يصعب على أصحابها الوصول إليها.
وفي الوقت، الذي تتقدم فيه الآليات الإسرائيلية جنوباً، يترقّب سكان قرى جنوبي القنيطرة ما إذا كانت الأعمال ستصل إلى أراضيهم خلال المرحلة المقبلة، وحجم المساحات التي قد تدخل ضمن نطاق المشروع.
80 في المئة من مشروع “سوفا 53” أُنجزت
في ريف القنيطرة، لا ينظر الأهالي إلى الخنادق والسواتر الترابية التي تشق طريقها عبر أراضيهم بوصفها منشآت عسكرية جديدة على الحدود، بل واقعاً يقتطع من الأرض التي عاشوا منها لعقود.
مساحات زراعية واسعة، يقول سكان محليون لموقع تلفزيون سوريا إنها دخلت ضمن نطاق الأعمال الهندسية الإسرائيلية، في حين تتقدم الآليات في مناطق من ريف القنيطرة ضمن مشروع تقول إسرائيل إنه يهدف إلى “تعزيز منظومتها الدفاعية على الحدود مع سوريا”.
وبحسب معلومات حصل عليها مراسل تلفزيون سوريا، قطع المشروع حتى الآن نحو 80% من مساره، في حين وصلت الأعمال إلى محيط حرش كودنا الجنوبي، وبقيت مسافة قصيرة لإنجاز هذا الجزء، بالتوازي مع أعمال جرت من جهة بريقة وتلة عكاشة، وفي منطقة صيدا الجولان.
ووفق المعطيات ذاتها، يمتد المشروع لمسافة تقارب 70 كيلومتراً، ويقوم على إنشاء “خط دفاع جديد” يتكون من خندق وساتر ترابي، في مسار يمتد من منطقة جبل الشيخ باتجاه وادي اليرموك، لكن حجم المساحة التي تدخل ضمن هذا المسار يختلف من منطقة إلى أخرى.
ففي بعض المواقع، تقول المعلومات الميدانية إن الأعمال امتدت إلى عمق يقارب كيلومتراً داخل الأراضي، بينما تراوحت المسافة في مواقع أخرى بين 100 و400 متر. وفي أجزاء من الريف الشمالي، يصل الاقتطاع إلى نحو 700 متر.
الأرض خلف الساتر
يعد أصحاب الأراضي الزراعية ومربو المواشي من أبرز المتضررين من الأعمال، إذ طالت التحصينات -وفق السكان- مساحات كانت تستخدم للزراعة والرعي، فضلاً عن أشجار مثمرة ومصادر مياه أصبحت داخل المناطق التي شملتها الأعمال.
أبو جمال -من قرية بريقة- واحد من هؤلاء، يقول لموقع تلفزيون سوريا إنّ أرضه البالغة مساحتها نحو خمسة دونمات، والتي ورثها عن والده، مزروعة بأشجار التفاح والمشمش منذ أكثر من عشرين عاماً، مردفاً: “اليوم أصبح نصف الأرض خلف الساتر الترابي، ولم يعد بإمكاني الوصول إلى أكثر من مئة شجرة مثمرة كانت مصدر رزقي الوحيد”.
فقد أبو جمال -وفق قوله- محصول التفاح لهذا الموسم، في حين لا يعرف ما إذا كان سيتمكن مستقبلاً من العودة إلى الجزء الذي لم يعد يستطيع الوصول إليه من أرضه.
ولا تقتصر التداعيات على المزارعين. أبو محمود، الذي كان يملك نحو 60 رأساً من الأغنام ويرعى قطيعه في منطقة تلة عكاشة، يقول إنه اضطر إلى بيع نحو نصفه بعدما فقد إمكانية الوصول إلى مناطق الرعي التي اعتاد استخدامها.
ويضيف لموقع تلفزيون سوريا: “منذ أن بدأت الجرافات العمل هناك، لم يعد بإمكاني الدخول، اضطررت إلى شراء العلف من السوق بأسعار لم أعد قادراً على تحملها، فبعت جزءاً من القطيع لأن الكلفة أصبحت أكبر مما أجنيه”.
التقدم من الشمال إلى الجنوب
لم تتقدم الأعمال على امتداد المشروع بالوتيرة نفسها في جميع المناطق، فبحسب مراسل تلفزيون سوريا، بدأت الأعمال من ريف القنيطرة الشمالي، ثم اتجهت جنوباً، مروراً بمناطق ومحاور عدة، بينها محيط بريقة وتلة عكاشة وصيدا الجولان، وصولاً إلى مناطق قريبة من حرش كودنا الجنوبي.
في المقابل، ما تزال مناطق أخرى خارج نطاق الأعمال حتى الآن، بينها الأصبح والعشة والرفيد باتجاه الجنوب، إضافة إلى صيدا والمعلقة.
وتشير تقديرات محلية إلى أن نحو عشر قرى لم تصل إليها الأعمال بعد، ما يجعل المسار النهائي للمشروع غير واضح بالنسبة إلى سكان المناطق الواقعة في جنوب القنيطرة.
ويترقب الأهالي تقدم الآليات الإسرائيلية، وسط مخاوف من وصول الخنادق والسواتر إلى مزيد من الأراضي الزراعية والمراعي والممتلكات الخاصة.
الأرض في مواجهة “الخط الدفاعي”
في القنيطرة حيث عاشت مناطق واسعة من الريف لعقود على الزراعة وتربية المواشي، لا يمكن فصل الأرض عن حياة السكان، فالأرض الزراعية غير قابلة للقياس بالأمتار، إذ تعد مصدر دخل لأكثر من 90% من السكان.
لذلك يرى أهالي القنيطرة اقتطاع مئات الأمتار من الأرض، أو منع أصحابها من الوصول إليها، يمكن أن يغير طبيعة النشاط الاقتصادي في المنطقة حتى لو بقيت المنازل بعيدة عن مسار المشروع.
وبحسب المعلومات المحلية، فإن بعض الأراضي التي دخلت ضمن نطاق المشروع تضم أشجاراً مثمرة ومراعي ومصادر مياه، ما يجعل الخسارة بالنسبة إلى الأهالي متعددة الأوجه.
ماذا تقول إسرائيل عن المشروع؟
تكشف تقارير إسرائيلية عن جانب آخر من القصة، يتعلق بالهدف الذي تضعه إسرائيل لهذه الأعمال، فقد نشرت صحيفة “يديعوت أحرونوت” تقريراً ميدانياً عن الحدود مع سوريا، تحدثت فيه عن مشروع “سوفا 53″، وقالت إن هدفه تحصين المنطقة الحدودية من خلال حفر خنادق وإقامة سواتر ترابية.
وبحسب التقرير الإسرائيلي، بدأت أعمال المشروع قبل نحو عامين، ووصلت نسبة إنجاز حفر الخنادق إلى قرابة 80%، في مسار يمتد من منطقة مجدل شمس شمالاً إلى مثلث الحدود في جنوبي القطاع.
ويصف التقرير الخنادق والسواتر بأنها “جزء من منظومة دفاعية تهدف إلى إبطاء أي محاولة لعبور الحدود، وإجبار القوات التي تحاول التسلل على المرور في نقاط يمكن مراقبتها والسيطرة عليها بالنيران”.
وتقول الرواية الإسرائيلية إن هذه الأعمال تأتي في إطار “تصور أمني جديد للحدود مع سوريا”، في ظل ما تصفه تل أبيب بـ”وجود مجموعات مسلحة وتهديدات محتملة في المنطقة”، كما يشير التقرير إلى انتشار قوات إسرائيلية في مواقع داخل الأراضي السورية، وإلى وجود تسعة مواقع عسكرية تابعة للواء 474، وفق الرواية التي نقلتها الصحيفة.
“لا يهم من هو العدو”
ونقل التقرير الإسرائيلي تصريحات لضابط رفيع تعكس المنطق الذي يستند إليه الانتشار العسكري الجديد، إذ قال إن الجيش لم يعد يبني تصوره الدفاعي على هوية الطرف الموجود في الجهة المقابلة، سواء كان “حزب الله أو الجيش السوري أو جماعات جهادية”، بقدر ما ينظر إلى قدراته العسكرية وما يمكنه القيام به.
وتصف صحيفة “يديعوت أحرونوت”، المنطقة بأنها ساحة تتحرك فيها جماعات مسلحة، مشيرة إلى أن الجيش الإسرائيلي يتعامل مع الموجودين فيها من منطلق احتمال أن يشكل بعضهم تهديداً.
وتوضح هذه الرواية، من وجهة النظر الإسرائيلية، الدوافع الأمنية وراء إنشاء شبكة طويلة من الخنادق والسواتر، لكنها لا تقدم إجابات عن الأسئلة التي يطرحها سكان القرى السورية بشأن مصير أراضيهم وممتلكاتهم، وإمكانية الوصول إليها واستثمارها مستقبلاً.
قرى تترقب وصول الجرافات
في المناطق التي لم تصل إليها الآليات الإسرائيلية بعد، تتزايد مخاوف الأهالي من حجم الخسائر المحتملة، وما تزال قرى ومناطق بينها الأصبح والعشة والرفيد وصيدا والمعلقة خارج الجزء المنجز من المشروع، وفق المعلومات الميدانية المتوافرة.
ومع وصول نسبة الإنجاز إلى نحو 80%، يخشى السكان من أن تشمل المرحلة المتبقية أراضي زراعية ومراعي وممتلكات خاصة إضافية في جنوب القنيطرة.
ويطالب عدد من الأهالي بإجراء توثيق مستقل للأضرار وتحديد الأراضي التي دخلت ضمن نطاق المشروع، والمساحات التي فقد أصحابها القدرة على الوصول إليها، فضلاً عن توثيق الأشجار التي أزيلت أو تضررت ومصير مصادر المياه الواقعة على مسار الأعمال.
كذلك، يطالب الأهالي قوات الأمم المتحدة لمراقبة فض الاشتباك “أندوف” بالاستماع إلى أصحاب الأراضي وتوثيق الانعكاسات المباشرة للأعمال الإسرائيلية على حياتهم ومصادر رزقهم.
مشروع يتقدم وأرض تتراجع
من جبل الشيخ شمالاً إلى وادي اليرموك جنوباً، يرسم مشروع “سوفا 53” واقعاً جديداً في ريف القنيطرة. إسرائيل تصفه بأنه جزء من منظومة دفاعية جديدة، بينما ينظر إليه السكان بوصفه اقتطاعاً إضافياً من الأراضي التي يعتمدون عليها في معيشتهم.
فعلى امتداد مسار يقدر بنحو 70 كيلومتراً، وبينما تجاوزت نسبة الإنجاز 80% وفق المعلومات الميدانية والتقارير الإسرائيلية، لا تختصر آثار المشروع بأرقام الخنادق والسواتر.
وخلف هذه الأرقام، هناك مزارع فقد جزءاً من أرضه، وشجرة مثمرة لم يعد صاحبها قادراً على الوصول إليها، ومرعى ضاق أمام مربي المواشي، ونبع مياه أصبح داخل نطاق منطقة عسكرية.
وبينما تشرح الصحافة الإسرائيلية دوافع المشروع من منظور أمني، تبقى رواية السكان السوريين حاضرة في الجانب الآخر من المشهد، ماذا يعني أن تتحول الأرض التي عاشوا منها إلى جزء من خط دفاعي جديد؟
- تلفزيون سوريا


























