ثمة لحظاتٌ في حياة الدول يصبح فيها الخطأ الأكبر أن نقرأ كل خبرٍ منفرداً، خبرٌ عن القمح، وآخر عن الطاقة، وثالث عن مصنع عاد إلى الإنتاج، ورابع عن استثمار قطري بمليارات الدولارات، وخامس عن مجلس أعمال سوري إماراتي، وسادس عن البنك الدولي، وسابع عن خطوط نقل وطاقة وممرات إقليمية يجري الحديث عنها عبر الجغرافيا السورية.
كل خبر من هذه الأخبار مهم، لكن الأهم بكثير هو ما تقوله الأخبار حين نضعها إلى جوار بعضها بعضاً! فالذي يجري في سوريا اليوم لا يبدو، من منظور استراتيجي، مجموعة نجاحات قطاعية متناثرة، نحن أمام بدايات تشكّل اتجاهاً؛ والفرق كبير بين الحدث والاتجاه، فالحدث قد يكون عابراً، أما الاتجاه فيظهر عندما تبدأ مؤشرات مستقلة، في قطاعات مختلفة، ومن أطراف دولية مختلفة، في الإشارة إلى المستقبل نفسه، وهذا بالضبط ما يستحق أن نتوقف عنده.
في أيام قليلة فقط، جاء الإعلان عن تحقيق الاكتفاء الذاتي من القمح بعد استلام نحو 2.7 مليون طن، ثم توقيع ثلاثة مشاريع للطاقة الشمسية بقدرة إجمالية تبلغ 760 ميغاواطاً، مع أنظمة تخزين ضخمة، ثم عودة إنتاج عوارض السكك الحديدية في حمص بعد سنوات طويلة من التوقف، وفي المجال الزراعي، طُرح استثمار قطري بنحو 3.3 مليارات دولار ضمن رؤية أوسع يمكن أن تخلق عشرات، وربما مئات آلاف فرص العمل.
وفي الاتجاه نفسه تتوسع العلاقة الاقتصادية مع الإمارات، فقد تشكّل مجلس الأعمال السوري الإماراتي، وسبقه حراك استثماري واسع، فيما تحدث مؤسس إعمار محمد العبار عن خطط استثمارية في سوريا قد تصل إلى 18 مليار دولار. وهذه ليست مجرد أرقام مالية؛ إنها تعني أن رأس المال الإقليمي بدأ يتعامل مع سوريا باعتبارها سوقاً للمستقبل، وليست ملفاً إنسانياً من بقايا الماضي.
والتحول نفسه يمكن رؤيته في علاقة سوريا بالمؤسسات المالية الدولية، فالبنك الدولي كان قد أقر في أبريل الماضي منحاً بقيمة 225 مليون دولار لقطاعي المياه والصحة، بعد منحة أخرى بقيمة 20 مليون دولار لتطوير الإدارة المالية العامة، والمهم هنا كلمة منحة؛ لأن طبيعة التمويل نفسها تكشف انتقالاً في المقاربة الدولية من التعامل مع سوريا بوصفها أزمة ينبغي احتواؤها إلى دولة ينبغي الاستثمار في استقرارها واستعادة قدرتها المؤسسية.
لكن الصورة تصبح أكثر إثارة عندما نبتعد قليلاً عن تفاصيل المشروعات، فهناك اليوم حديث جدي عن سوريا بوصفها ممراً للطاقة والنقل بين العراق والبحر المتوسط، وعن إعادة إحياء خطوط النفط والغاز، وعن دور محتمل في ربط الخليج وتركيا وأوروبا، وقد دخلت شركات دولية كبرى في دراسات ومفاوضات تتعلق بهذه المشروعات، بما فيها شيفرون، فيما أصبحت فكرة تحويل سوريا إلى عقدة إقليمية للطاقة واللوجستيات موضوعاً يناقش في الصحافة الاقتصادية الدولية.
وهنا تبدأ القصة الحقيقية.. فالعالم لا يراهن بملياراته على المجاملات! إذ يمكن لدولة أن تصدر بياناً دبلوماسياً لطيفاً عن سوريا. ويمكن لمسؤول أن يتحدث بحماس عن مستقبلها، لكن الشركات الكبرى، والصناديق الاستثمارية، والمؤسسات الدولية، والدول التي تعيد ترتيب خرائط الطاقة والتجارة لا تبني قراراتها على العواطف.
إنها تحسب الموقع، والسوق، والاستقرار المتوقع، والعائد، والمخاطر، والديموغرافيا، والموارد، وشبكات النقل، وعلاقات الدولة الخارجية، وموقعها المحتمل بعد عشر سنوات وعشرين سنة، وحين تبدأ حسابات جهات متعددة بالوصول، بدرجات متفاوتة، إلى النتيجة نفسها، يصبح ذلك مؤشراً استراتيجياً لا يجوز الاستخفاف به.
هذا لا يعني أن سوريا أصبحت فجأة دولة مكتملة البناء، أو أن الطريق أمامها مفروش بالورود، فحجم الدمار هائل؛ والبنك الدولي يقدّر تكلفة إعادة الإعمار المادي بنحو 216 مليار دولار، وهناك تحديات في المؤسسات والبنية المالية والخدمات والاستثمار والإدارة والأمن والتشريعات، فضلاً عن الحاجة الهائلة إلى بناء الإنسان والدولة معاً.
ولهذا فإن التفاؤل الجاد لا يقوم على إنكار المشكلات، إنه يقوم على شيء آخر تماماً يتمثل في قراءة اتجاه الحركة رغم وجود المشكلات، وربما ينبغي، هنا، أن نتذكر تجارب دول كثيرة أصبحت لاحقاً قصص نجاح عالمية، ففي البدايات، لم تكن ماليزيا ولا كوريا الجنوبية ولا سنغافورة ولا رواندا صوراً جاهزة لما أصبحت عليه، وإنما كانت لكل منها أزماتها، ومشككوها، وأخطاؤها، ونخبٌ تصرخ بأن الأهداف المعلنة أكبر من الإمكانيات المتاحة.
فالدول الصاعدة لا تبدأ عندما يقتنع الجميع بأنها ستنجح، ولو حدث ذلك لما كان الصعود إنجازاً أصلاً! إنها تبدأ حين توجد قيادة ترى إمكانيةً لم تصبح مرئية بعد، ومؤسسات تتحرك نحوها، ومجتمعاً يستعيد ثقته بقدرته، وشركاء خارجيين يكتشفون تدريجياً أن الرهان على المستقبل أكثر ربحاً من إدارة خرائب الماضي.
- الثورة السورية
























