لم تنظر موسكو إلى سوريا بوصفها حليفاً سياسياً فقط، فمنذ أن بدأت علاقتها العسكرية بدمشق، كانت الجغرافيا حاضرة في خلفية هذه العلاقة. سوريا بلد على الساحل الشرقي للبحر المتوسط، قريب من تركيا والاحتلال الإسرائيلي ولبنان والعراق، وعلى مسافة استراتيجية من قناة السويس وشمال إفريقيا. هذه الجغرافيا هي التي جعلت التعاون في السلاح والتدريب يتحول، بالتدريج، إلى مشروع نفوذ عسكري طويل الأجل.
كانت طرطوس أول موطئ قدم للروس. ثم جاءت حميميم لتمنح موسكو، بعد عام 2015، ما لم تكن تملكه من قبل، قاعدة جوية قادرة على إدارة حرب كاملة، وإسناد انتشار بحري وجوي يمتد من شرق المتوسط إلى ليبيا وإفريقيا. ومع الوقت، لم تعد القاعدتان مجرد وسيلة لمساعدة نظام بشار الأسد، بل أصبحتا جزءاً من طريقة موسكو في تقديم نفسها قوةً عالمية قادرة على التحرك خارج حدودها.
لهذا دعمت روسيا نظام الأسد المخلوع سياسياً وعسكرياً، واستخدمت حق النقض لحمايته في مجلس الأمن، ثم تدخلت بقواتها عندما اقترب من الانهيار. ولهذا أيضاً لم تغادر بعد سقوطه في 8 كانون الأول 2024، بل دخلت في مفاوضات طويلة مع الحكومة السورية الجديدة بحثاً عن صيغة تبقي لها حضوراً على الساحل.
الاتفاق المعلن في 9 آب الجاري هو آخر فصل في هذه القصة، فهو يقلص الامتياز الروسي ويعيد إدارة المرافق المدنية إلى الدولة السورية، لكنه لا يثبت حتى الآن خروج روسيا عسكرياً بصورة كاملة. لفهم أهميته، لا بد من تتبع المسار الذي أوصل موسكو إلى طرطوس وحميميم، والأسباب التي جعلتها تتمسك بهما حتى بعد سقوط النظام الذي منحها هذه الامتيازات.
البدايات.. استقلال سوريا قبل أن يبدأ التحالف
بدأت العلاقة قبل وصول حزب البعث وقبل أن يصبح الجيش السوري مبنياً على السلاح الشرقي. اعترف الاتحاد السوفييتي باستقلال سوريا في تموز 1944، فيما كانت البلاد لا تزال تحت الانتداب الفرنسي، ثم أيد في مجلس الأمن مطلب إنهاء الوجود الفرنسي والبريطاني، وفق دراسة “المعهد السويدي للشؤون الدولية” عن 75 عاماً من العلاقات.
وفي دمشق الخارجة حديثاً من الاستعمار، منح ذلك موسكو رصيداً سياسياً، لكنه لم يصنع تحالفاً فورياً، فقد بقيت سوريا في سنوات الاستقلال الأولى مرتبطة اقتصادياً وثقافياً بالغرب، ومتقلبة سياسياً بفعل الانقلابات التي أعقبت حرب 1948.
وجاء التحول من بوابة الأمن لا من بوابة العقيدة، إذ كان الاحتلال الإسرائيلي يحصل على أسلحة غربية، وكان “حلف بغداد” الذي تأسس عام 1955 يضم تركيا والعراق ويُنظر إليه في دمشق باعتباره محاولة لربط المنطقة بالاستراتيجية الغربية. في المقابل، رفضت قوى غربية بيع سوريا ما تطلبه من سلاح أو ربطت التسليح بشروط سياسية، وعندها أصبح الاتحاد السوفييتي مورداً بديلاً لا يسأل دمشق أن تنضم إلى حلف تقوده واشنطن أو لندن.
تكشف وثيقة للخارجية الأميركية مؤرخة في حزيران 1956 تفاصيل البداية، أول صفقة عسكرية سورية مع الكتلة الشرقية جرى التفاوض عليها بعد شهرين من إنشاء الحلف التركي العراقي عام 1955، وشملت 45 دبابة ألمانية من مخلفات الحرب العالمية الثانية. وفي آذار 1956 وُقعت صفقة سورية تشيكوسلوفاكية بقيمة 23 مليون دولار للأسلحة الثقيلة والشاحنات والتجهيزات الطبية، ووصلت دبابات “T-34” ومدافع مضادة للطائرات، وبدأ ضباط سوريون التدريب في تشيكوسلوفاكيا.
كانت الأرقام في البداية محدودة قياساً بما سيأتي لاحقاً، لكن أثرها المؤسسي كان كبيراً. فالجيش الذي يدخل منظومة سلاح جديدة يحتاج إلى ذخائر وقطع غيار ومدربين ومترجمين وخبراء صيانة وعقيدة تشغيل. منذ منتصف الخمسينيات بدأت تتشكل داخل القوات المسلحة السورية طبقة من الضباط والفنيين تدربت على طائرات “MIG” ودبابات ومدفعية سوفييتية، وأصبح استمرار جاهزية وحدات كاملة مرتبطاً بعلاقة طويلة مع موسكو وعواصم الكتلة الشرقية.
أزمة 1957 والوحدة مع مصر
بلغ التوتر ذروته عام 1957، عندما وقعت دمشق اتفاقاً اقتصادياً واسعاً مع موسكو. حشدت تركيا، العضو في حلف شمال الأطلسي، قوات قرب الحدود، وحذّر الاتحاد السوفييتي من أنه سيتخذ “الإجراءات اللازمة” إذا تعرضت سوريا لهجوم. وتوضح دراسة “المعهد السويدي للشؤون الدولية“، أن الأزمة وصلت إلى درجة وضعت فيها الولايات المتحدة قواتها النووية في حالة تأهب لفترة قصيرة، وللمرة الأولى أصبحت سوريا ساحة مواجهة جدية بين المعسكرين، واكتشفت موسكو قيمة الدفاع السياسي عن دمشق حتى من دون نشر قوات فيها.
مع ذلك، رفض الكرملين طلباً سورياً قُدم خلال أزمة السويس عام 1956 لنشر سربين جويين سوفييتيين مع طياريهما في سوريا، بحسب بحث لمركز “وودرو ويلسون“. وكان الاتحاد السوفييتي مستعداً للبيع والتدريب والتهديد الدبلوماسي، لكنه لم يكن يريد الانجرار إلى حرب مباشرة مع الغرب وإسرائيل. هذه القاعدة سترافق العلاقة طويلاً، دعم كبير، لكن مع سقف تحدده مصالح موسكو.
في عام 1958 دخلت سوريا في الجمهورية العربية المتحدة مع مصر، وأيد ضباط بعثيون الوحدة جزئياً لكبح تمدد الشيوعيين داخل السياسة والجيش. استقبلت موسكو قيام دولة يقودها جمال عبد الناصر بمزيج من الترحيب والقلق؛ فعبد الناصر كان شريكها العربي الأهم، لكنه حظر الأحزاب واعتقل الشيوعيين. وحتى بعد انهيار الوحدة بانقلاب 1961، بقيت الترسانة والتدريب الشرقيان داخل الجيش السوري، أي إن البنية العسكرية للعلاقة عاشت أطول من الحكومات المتعاقبة.
البعث والاتحاد السوفييتي.. تحالف بين مشروعين مختلفين
استولى حزب البعث على السلطة في آذار 1963، ثم أطاح جناحه العسكري اليساري بالقيادة التاريخية للحزب في شباط 1966. هنا دخل التعاون مرحلة جديدة. تبنى النظام التأميم والاقتصاد الموجه وخطاباً حاداً ضد الغرب وإسرائيل، فبدا أقرب إلى موسكو من الحكومات السابقة.
بعد ذلك تسارع الدعم العسكري والاقتصادي، ووصل خبراء ومدربون وأسلحة، وساعد اقتصاديون سوفييت في خطط التأميم، وبدأ مهندسون سوفييت عام 1968 بناء سد الفرات قرب الطبقة، كما توثق الدراسة نفسها. كان السد مشروعاً تنموياً ضخماً لتوليد الكهرباء والري، لكنه حمل معنى سياسياً أيضاً، موسكو لم تعد مورداً للسلاح وحده، بل شريكاً في بناء مؤسسات الدولة التي يقودها البعث.
كشفت حرب حزيران 1967 الفجوة بين الخطاب والقدرة، وخسرت سوريا الجولان وتكبد سلاحها الجوي وقواتها البرية خسائر كبيرة، وبدأت موسكو برنامجاً واسعاً لتعويض خسائر حلفائها، فبالنسبة إلى النظام البعثي، لم تعد الأسلحة السوفييتية خياراً بين خيارات، بل أساس إعادة بناء الجيش والدفاع الجوي. وبالنسبة إلى موسكو، أصبحت استعادة الجيش السوري لقدرته مسألة هيبة، فالأسلحة الغربية كانت قد هزمت جيشاً يعتمد على العتاد السوفييتي.
طرطوس وحرب تشرين.. من تسليح الجيش إلى موطئ قدم بحري
عندما أطاح حافظ الأسد بالجناح اليساري عبر الانقلاب الذي اسماه “الحركة التصحيحية” عام 1970، خشي السوفييت أن يبتعد النظام الجديد عنهم. إلا أن حافظ الأسد لم يقطع العلاقة مع موسكو، بل أعاد صياغتها، وزارها بعد أسابيع من استيلائه على الحكم، وطمأنها إلى استمرار التعاون، إذ كان يحتاج إلى السلاح لإعادة بناء الجيش، وإلى دعم قوة عظمى يوازن به إسرائيل والولايات المتحدة. واحتاجت موسكو إلى نظام مستقر بعد سنوات الانقلابات، وإلى شريك يمنحها منفذاً بحرياً ويُبقيها داخل معادلة الصراع العربي الإسرائيلي.
في الداخل، سمح الأسد للحزب الشيوعي بالعمل ضمن “الجبهة الوطنية التقدمية” التي أُنشئت عام 1972، لكنه وضعها تحت قيادة البعث ومنعها من منافسته على الجيش والسلطة. هذه الصيغة أرضت موسكو شكلياً من دون أن تمنح حلفاءها المحليين استقلالاً حقيقياً.
وبحسب ما رواه السفير الأميركي السابق ريتشارد مورفي خلال قمة معهد بيروت عام 2018، أخبره نظيره السوفييتي نور الدين محيي الدينوف أنه قال عند وصوله إلى دمشق عام 1974: “صحيح أن سوريا تقبل من الاتحاد السوفييتي المساعدات والقروض وبرامج التبادل الطلابي والبرامج العسكرية؛ فهي، في الواقع، تقبل منا كل شيء ما عدا النصيحة”.
وفي عام 1971 سمح الأسد للبحرية السوفييتية باستخدام مرفأي اللاذقية وطرطوس، وكانت منشأة طرطوس نقطة دعم فني وتموين وإصلاح للأسطول الخامس العامل في المتوسط، لا قاعدة ضخمة مستقلة كالتي ستبنيها روسيا لاحقاً. ومع ذلك، كانت الخطوة استراتيجية، حيث منحت موسكو موقعاً دائماً على الضفة الشرقية للمتوسط في مواجهة انتشار الأسطول السادس الأميركي، ومنحت الأسد ورقة تربط أمن نظامه بمصلحة سوفييتية مباشرة.
خلال حرب تشرين الأول 1973، أعاد الاتحاد السوفييتي إمداد سوريا ومصر جواً وبحراً بالدبابات والطائرات والذخائر، وبعد الحرب أرسل مزيداً من العتاد لتعويض الخسائر، كما نشر وحدات دفاع جوي سوفييتية جاهزة للقتال قرب دمشق، وفق دراسة “المعهد السويدي“، لمنع إسرائيل من استغلال تراجع القوة الجوية السورية.
ازدادت قيمة سوريا بالنسبة إلى الكرملين عندما طرد الرئيس المصري أنور السادات آلاف المستشارين السوفييت عام 1972، ثم انتقل بعد حرب 1973 إلى المعسكر الأميركي وألغى معاهدة الصداقة مع موسكو عام 1976. وبخروج مصر، بقيت سوريا أهم “دولة مواجهة” عربية مرتبطة بالاتحاد السوفييتي. أصبح الساحل السوري أكثر أهمية للبحرية السوفييتية، وأصبح استمرار تسليح دمشق وسيلة لمنع واشنطن من احتكار التسوية الإقليمية.
لبنان يكشف حدود التحالف
دخل الجيش السوري لبنان عام 1976 في مواجهة قوى الحركة الوطنية اللبنانية وفصائل فلسطينية كان بعضها قريباً من الاتحاد السوفييتي، ولم يُبلغ الأسد الكرملين مسبقاً. بل تزامن دخول القوات مع زيارة رئيس الوزراء السوفييتي أليكسي كوسيغين إلى دمشق، فوضع الضيف أمام أمر واقع محرج.
اعترض ليونيد بريجنيف وطالب بانسحاب القوات السورية، وجمدت موسكو شحنات سلاح. وتوثق “واشنطن بوست” في مراجعة معاصرة للعلاقة أن دخول الجيش السوري لبنان فاجأ كوسيغين خلال زيارته لدمشق وأثار استياء الكرملين.
لم تصل الأزمة إلى قطيعة لأن الطرفين لم يملكا بديلاً مريحاً، سوريا لا تستطيع استبدال منظومات جيشها سريعاً، والاتحاد السوفييتي فقد مصر ولا يريد خسارة حليفه الأساسي الآخر على المتوسط. وبحلول نهاية السبعينيات أعادت معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية، وتصاعد التوتر في لبنان، الطرفين إلى التقارب.
معاهدة 1980.. تحالف رسمي بلا ضمان دفاعي
في 8 تشرين الأول 1980 وقّع حافظ الأسد ورئيس الاتحاد السوفيتي ليونيد بريجنيف معاهدة الصداقة والتعاون لمدة عشرين عاماً، لكن المعاهدة لم تكن حلف دفاع مشترك على غرار حلف شمال الأطلسي، بل نصت على التشاور والتعاون العسكري والاقتصادي، ولم تتضمن التزاماً بأن تدخل موسكو الحرب إذا تعرضت القوات السورية لهجوم. وتشير قراءة تاريخية للعلاقة في مجلة “MERIP” إلى أنها كانت تسوية بين حاجتين، دمشق لم تحصل على الضمان الأمني الكامل الذي أرادته، وموسكو حافظت على حليفها من دون أن تسلمه قرار الحرب والسلم السوفييتي.
ظهر هذا السقف بوضوح في حرب لبنان عام 1982. دمّرت إسرائيل خلال الأيام الأولى قسماً كبيراً من منظومات الدفاع الجوي السورية في البقاع وأسقطت عشرات الطائرات، لكن الاتحاد السوفييتي لم يدخل الحرب إلى جانب سوريا. وبعد وصول يوري أندروبوف إلى السلطة، أرسلت موسكو منظومات “SA-5” بعيدة المدى وطواقم سوفييتية لتشغيلها، إلى جانب شبكة دفاع جوي أكثر كثافة.
كان الانتشار عامي 1983 و1984 أقرب نقطة، قبل تدخل 2015، إلى وجود عسكري سوفييتي مباشر داخل سوريا. قدرت تقارير صحفية معاصرة عدد العسكريين السوفييت بنحو أربعة إلى خمسة آلاف، فيما تذكر دراسة “المعهد السويدي” أن العدد المعلن أو المقدر لمستشاري دول الكتلة الشرقية بلغ ذروة تقارب 13 ألفاً عام 1984. لم يكونوا جميعاً مقاتلين، لكن وجود طواقم تدير منظومات حساسة جعل أي هجوم إسرائيلي واسع يحمل خطر إصابة سوفييت ورفع مستوى التصعيد مع قوة عظمى.
إلى جانب التدريب والدفاع الجوي، توسع التعاون الاستخباري. استخدمت موسكو طرطوس لإسناد سفنها في المتوسط، وأقامت مع دمشق مواقع تنصت ومراقبة على إسرائيل والتكنولوجيا العسكرية الأميركية الموجودة لديها. وفي المقابل ترسخ الجيش السوري بوصفه مؤسسة سوفييتية التجهيز، مثل طائرات “MIG” و”Sukhoi”، دبابات “T-55″ و”T-62” و”T-72″، ومدفعية وصواريخ ودفاع جوي تحتاج كلها إلى سلسلة توريد وتدريب شرقية.
غورباتشوف ونهاية المظلة السوفييتية
بدأت المعادلة تتغير مع وصول ميخائيل غورباتشوف عام 1985. أراد الزعيم الجديد تخفيف أعباء الحرب الباردة وتحسين العلاقة مع الولايات المتحدة وفتح قنوات مع إسرائيل. رأى أن هدف الأسد المعلن بتحقيق “توازن استراتيجي” مع إسرائيل مكلف وغير واقعي، وأن إرسال السلاح بالدين لا يمكن أن يستمر بلا نهاية. تأخرت صفقات، وتراجع تدفق بعض الأنظمة المتقدمة، وبدأت موسكو تطلب الدفع نقداً بدلاً من الائتمان المفتوح.
استمر التعاون ولم ينقطع، ووصلت مقاتلات “MiG-29” وأسلحة أخرى، لكن الصورة الرمزية اللامعة أخفت خلافاً سياسياً يتسع. فقد رصدت “واشنطن بوست” في أيلول 1987 تراجع حجم ونوعية الإمدادات، كانت موسكو تضغط للمشاركة في تسوية سياسية ولتحسين العلاقة مع إسرائيل، وتطالب سوريا بالانسحاب من لبنان والمصالحة مع خصوم عرب وفلسطينيين، فيما رأى الأسد أن حليفه يقلص السلاح في الوقت الذي تتفوق فيه إسرائيل.
فهم حافظ الأسد أن المظلة السوفييتية تتراجع. بين 1989 و1991 انفتح على الغرب، وشارك في مؤتمر مدريد للسلام، وأرسل قوات سورية ضمن التحالف الذي قادته الولايات المتحدة لإخراج الجيش العراقي من الكويت. وعندما انهار الاتحاد السوفييتي في نهاية 1991، لم تسقط العلاقات الدبلوماسية، لكن النظام الذي موّل التسليح بالدين وحوّل سوريا إلى شريك في صراع عالمي اختفى.
بوتين يعيد بناء النفوذ
بدأت العلاقة تستعيد زخمها مع وصول فلاديمير بوتين وبشار الأسد إلى الحكم عام 2000. كانت الديون السوفييتية العقبة الأكبر. وفي عام 2005 وافقت موسكو على شطب 73 في المئة من دين قُدر بنحو 13.4 مليار دولار، مع ترتيبات لتسديد واستثمار الجزء الباقي.
لم يكن شطب الدين خطوة مالية منفصلة عن السياسة. فقد فتح الباب أمام عقود سلاح وطاقة وبنية تحتية جديدة، وأعاد تثبيت روسيا مورداً رئيسياً للجيش السوري. واستأنفت دمشق شراء منظومات دفاع جوي وصواريخ مضادة للسفن، وبدأت موسكو تحديث منشأة طرطوس. كان الوجود العسكري ما يزال محدوداً، لكنه وضع الأساس للانتشار الواسع الذي سيأتي بعد عام 2011.
في تلك المرحلة كانت روسيا تعمل على استعادة موقعها الدولي بعد سنوات الضعف التي أعقبت انهيار الاتحاد السوفييتي. ومنحها التعاون مع سوريا ثلاثة أشياء في وقت واحد، سوقاً للسلاح، وحليفاً سياسياً في الشرق الأوسط، وموطئ قدم بحرياً يسمح لها بالعودة إلى المتوسط.
2011.. حماية نظام الأسد وحماية المصالح الروسية
مع اندلاع الثورة السورية في آذار 2011، لم تتعامل موسكو معها بوصفها شأناً داخلياً سورياً فقط، فسقوط نظام بشار الأسد كان سيعني خسارة حليف قديم، وعقود سلاح، وشبكات عسكرية، وموقع طرطوس، إضافة إلى ضربة لسياسة بوتين القائمة على رفض إسقاط الأنظمة الحليفة له.
لذلك قدمت روسيا للنظام غطاءً سياسياً في مجلس الأمن، واستمرت في تسليحه وإرسال الخبراء إليه، واستخدمت موسكو وبكين حق النقض ضد مشروع قرار في تشرين الأول 2011، ثم كررتا الفيتو في شباط وتموز 2012. وتوثق سجلات الأمم المتحدة الموقف الروسي الذي منع صدور قرارات ضاغطة على النظام.
لكن حماية نظام الأسد لم تكن دفاعاً عن مبدأ السيادة، بل كانت دفاعاً عن المكاسب التي بنتها روسيا خلال عقود، فالنظام كان الجهة التي ضمنت لها طرطوس، واشترت سلاحها، ومنحتها نفوذاً في قلب الشرق الأوسط، وإذا سقط من دون ترتيب بديل، كانت موسكو تخشى أن تخسر كل ذلك لمصلحة حكومة أقرب إلى الغرب أو تركيا ودول الخليج.
حميميم.. حين تحولت روسيا إلى طرف في الحرب
بحلول صيف 2015 كان النظام قد فقد مساحات واسعة، وأصبحت مراكزه الرئيسية مهددة، ولم يعد الفيتو والسلاح والخبراء كافيين، وفي 30 أيلول من العام نفسه، وافق مجلس الاتحاد الروسي على استخدام القوة بعد طلب رسمي من رئيس النظام بشار الأسد، وانطلقت الطائرات من مطار حميميم قرب اللاذقية، الذي تحول سريعاً إلى قاعدة تضم مقاتلات وطائرات هجومية ومروحيات ودفاعاً جوياً ومراكز قيادة واستطلاع.
وقالت موسكو إن عملياتها تستهدف “التنظيمات الإرهابية”، لكن الطائرات الروسية استهدفت مناطق واسعة تسيطر عليها فصائل الثورة، وساعدت قوات النظام وحلفاءها على تثبيت الساحل ودمشق، ثم السيطرة على حلب ومدن وطرق رئيسية، ويشرح مركز “CSIS” كيف جمعت روسيا بين الطيران والقوات الخاصة والمستشارين والمتعاقدين وربطت العمل العسكري بمسارات تفاوض تقودها أو تؤثر فيها.
كانت حميميم مركز هذه الحرب، وبحسب أرقام جمعها مركز “كارنيغي“، نفذت القوات الجوية الروسية نحو 44 ألف طلعة بين أيلول 2015 وتشرين الثاني 2020، واكتسب نحو 63 ألف عسكري ومتعاقد روسي خبرة ميدانية بحلول 2018. وقال وزير الدفاع الروسي لاحقاً، بحسب وكالة “تاس“، إن أكثر من 320 نوعاً من السلاح اختُبرت في سوريا.
من الناحية العسكرية، وفرت روسيا لنظام الأسد ما لم يكن يستطيع تأمينه وحده، تفوقاً جوياً، واستطلاعاً، وقيادة عمليات، وخبراء، وقوات خاصة، ودعماً بحرياً. وفي المقابل، حصلت موسكو على حرية استخدام قواعدها وعلى فرصة لتحويل سوريا إلى مختبر للأسلحة والعقيدة القتالية، وواجهة لتسويق صناعتها الدفاعية.
اتفاقات طويلة الأجل.. تثبيت القواعد بدلاً عن ابقاء النظام
سبق التدخل اتفاق في آب 2015 أتاح لروسيا استخدام حميميم، ثم جاء بروتوكول عام 2017 ليثبت وجودها في القاعدة لمدة 49 عاماً قابلة للتمديد، مع امتيازات وحصانات واسعة، وفي طرطوس منح اتفاق منفصل موسكو حق توسيع المنشأة واستخدامها لمدة 49 عاماً، واستقبال ما يصل إلى 11 سفينة، وفق التفاصيل التي نشرها الكرملين.
هنا تحولت العلاقة من تعاون عسكري بين دولتين إلى وجود روسي طويل الأجل على الأراضي السورية، فموسكو لم تعد تحتاج إلى التفاوض مع دمشق بشأن كل مهمة أو تحرك، كانت تملك بنية عسكرية متكاملة على الساحل، وقوة جوية وبحرية تعمل بامتيازات واسعة، ونظاماً يعتمد على حمايتها للبقاء.
وبالمقابل، كانت روسيا تحمي النظام وتمنع سقوطه، والنظام يمنحها قواعد تثبت نفوذها في المتوسط، لهذا لا يمكن فصل التدخل العسكري عن اتفاقات حميميم وطرطوس، إنقاذ الأسد كان هدفاً عاجلاً، لكن تثبيت الوجود الروسي كان مكسباً استراتيجياً يتجاوز بقاء شخص أو حكومة.
ماذا أعطت القاعدتان موسكو؟
أولاً، منحت طرطوس البحرية الروسية نقطة صيانة وتموين داخل المتوسط. من دونها تضطر السفن إلى العودة إلى موانئ أبعد أو الاعتماد على ترتيبات مؤقتة، وازدادت أهمية الموقع بعد إغلاق تركيا المضائق أمام مرور السفن الحربية المرتبطة بحرب أوكرانيا وفق اتفاقية مونترو. ولا تملك روسيا بديلاً جاهزاً يساوي طرطوس؛ فالمواقع المحتملة في شرق ليبيا أو السودان أقل استقراراً وتحتاج إلى بنية واتفاقات وطرق إمداد جديدة، كما يوضح تحليل للمعهد الملكي للخدمات المتحدة.
ثانياً، جعلت حميميم روسيا قوة جوية حاضرة بصورة دائمة في شرق المتوسط، منها أدارت حملة جوية كثيفة، ونشرت منظومات دفاع جوي واستطلاعاً وحرباً إلكترونية، واستخدمت القاعدة محطة للحركة الجوية نحو ليبيا، لتصبح سوريا جسراً بين روسيا وشبكة نفوذها في شمال إفريقيا والساحل.
ثالثاً، منحت القاعدتان موسكو قدرة على التأثير في ملفات تتجاوز سوريا، وجودها قرب تركيا وإسرائيل ولبنان والعراق جعلها طرفاً يجب التواصل معه، وبعد تدخل 2015 لم يعد من الممكن مناقشة الحرب السورية من دون روسيا، واضطرت الولايات المتحدة وتركيا وإسرائيل وإيران ودول الخليج إلى إبقاء قنوات معها، وأسست موسكو مع أنقرة وطهران مسار أستانة لتجمع دور المقاتل والوسيط في الوقت نفسه.
سقوط النظام.. القواعد تفقد غطاءها السياسي
أنقذ التدخل الروسي نظام الأسد عام 2015، لكنه لم يبن دولة قادرة على الاستمرار من دون حماية خارجية، بقي الاقتصاد منهاراً، والجيش متآكلاً، والفساد واسعاً، والحل السياسي معطلاً، وبعد غزو روسيا لأوكرانيا عام 2022 أصبحت الجبهة الأوكرانية أولويتها.
عندما بدأت فصائل الثورة هجومها في 27 تشرين الثاني 2024، نفذت الطائرات الروسية غارات، لكن موسكو لم تحشد تدخلاً يوازي تدخل 2015، انهارت قوات النظام خلال أيام، وفرّ بشار الأسد عبر حميميم إلى موسكو في 8 كانون الأول، وتقدم دراسة “كارنيغي” عن السقوط العسكري صورة عن التآكل الداخلي الذي سبق الانهيار.
بسقوط النظام خسرت روسيا الغطاء السياسي الذي منحها الامتيازات، الاتفاقات كانت موقعة مع دولة سورية ما زالت قائمة قانونياً، لكن الحكومة السورية الجديدة لم تكن مدينة لموسكو ببقائها، بل خرجت من قوى قاتلت النظام الذي دعمته روسيا، لذلك تغير ميزان التفاوض، من قوة تفرض شروطها على حليف محتاج إلى طرف يطلب من السلطة الجديدة السماح له بالبقاء.
الحكومة السورية الجديدة والاتفاق الأخير
لم تقطع الحكومة السورية الجديدة العلاقة مع موسكو، لكنها رفضت استمرارها بالشروط القديمة، بعد سقوط نظام الأسد، سحبت روسيا قواتها من مواقع داخلية عدة وركزتها في حميميم وطرطوس.
فرقت دمشق بين المرفأ التجاري والملف العسكري، وألغت في كانون الثاني 2025 عقد شركة “ستروي ترانس غاز” الروسية لإدارة مرفأ طرطوس، بحسب “رويترز“، ثم وقعت اتفاقاً بقيمة 800 مليون دولار مع “دي بي ورلد” الإماراتية لتطوير المرفأ وتشغيله لمدة ثلاثين عاماً. وفي كانون الثاني 2026 سحبت روسيا قواتها من مطار القامشلي، وفق “رويترز“، في إشارة إضافية إلى تقلص انتشارها خارج الساحل.
بعد نحو 18 شهراً من المفاوضات، أعلنت سوريا وروسيا في 9 آب الجاري مذكرة تفاهم تنص، وفق المعلومات المنشورة، على أن تتولى الدولة السورية إدارة المرافق المدنية في مطار حميميم والرصيف التجاري الرابع ومستودعاته في طرطوس، أما المنشآت العسكرية في الموقعين فستتحول إلى مراكز مشتركة للتدريب والتأهيل، مع فترة انتقالية مدتها ثلاثة أشهر.
بالنسبة إلى سوريا، يمثل الاتفاق خطوة لاستعادة القرار على الأرض والمجال الجوي والموانئ. كما يسمح باستخدام المرافق المدنية وفق احتياجات النقل والتجارة السورية، ويمنح الحكومة الجديدة هامشاً أوسع في علاقتها مع الولايات المتحدة وأوروبا ودول الخليج وتركيا، من دون قطع كل القنوات مع موسكو.
بدأ التعاون السوري الروسي بالاعتراف السياسي وصفقات السلاح، ثم تحول إلى اعتماد عسكري ومشاريع وبنية تدريب وصيانة. استثمر الاتحاد السوفييتي في الجيش السوري، واستثمرت روسيا لاحقاً في حماية نظام الأسد، إلى أن حصلت على قاعدتين منحتاها حضوراً جوياً وبحرياً طويل الأجل على البحر المتوسط.
لم يكن دعم موسكو للنظام منفصلاً عن أطماعها الاستراتيجية، فبقاء الأسد كان يحمي طرطوس وحميميم، ويحفظ عقود السلاح، ويمنح روسيا منصة للتأثير في الشرق الأوسط والوصول إلى إفريقيا وإثبات مكانتها الدولية، وعندما سقط النظام، حاولت موسكو إنقاذ ما يمكن إنقاذه من هذا المشروع، حتى لو اضطرت إلى قبول وجود أصغر وتحت رقابة الحكومة السورية الجديدة.
- تلفزيون سوريا























