كان من الطبيعي أن تشغل العلاقات مع روسيا القيادة السورية الجديدة منذ وصولها إلى السلطة. فقد كانت أحد أعقد الملفات التي ورثتها عن حكم الأسد، إذ لم تكن ملفاً خارجياً فقط، بل من صلب المشهد الدموي الذي ولغت فيه اليد الروسية “حتى المرفق”، كما يقال بالروسية.
سنة ونصف السنة، عمر السلطة الجديدة تقريباً، دامت المفاوضات مع روسيا حتى أنتجت مذكرة التفاهم على وضع القواعد الروسية في سوريا. ولا يمكن الجزم بما سيكون عليه الوضع النهائي لهذه القواعد، إلا بعد مرور الأشهر الثلاثة التي حددتها المذكرة لتنفيذ ما نصت عليه. ومغ ذلك، وبعد مرور هذه الأشهر، لن يكون من السهل الجزم بما سيكون عليه الوجود الروسي في سوريا والمنطقة، وهل ستبقى هي نفسها المهام الإستراتيجية لهذه القواعد في إفريقيا وشرق المتوسط، أم أن المذكرة هي الصيغة التي اختارتها روسيا لتمويه صورة “الدولة العظمى” التي خرجت مهزومة من سوريا؟
إيغور سوبوتين المتابع لشؤون الشرق الأوسط في صحيفة NG (الصحيفة المستقلة) الروسية الاتحادية، وفي تواصل معه، قال لـِ “المدن” إنه، لو كانت روسيا خرجت من سوريا خالية الوفاض بعد سقوط الأسد، لكان ذلك سيبدو بمثابة هزيمة. أما الآن، فإن إعادة صياغة مهام القواعد تمنح روسيا إمكانية عدم مغادرة سوريا بخفي حنين، مع الحفاظ على الملامح الرسمية لوجودها في المنطقة.
خلال الفترة الفاصلة بين بدء المفاوضات والتوقيع بالأمس على المذكرة، كان الطرفان يكشفان في الإعلام عما يراه كل منهما بشأن مصير قاعدتي طرطوس وحميميم. في 18 شباط/ فبراير المنصرم، وفي مقابلة مع “العربية”، صرح وزير الخارجية الروسي سيرغي لافروف بالقول إن هذه القواعد لم تعد بالضرورة تؤدي “وظائف عسكرية بحتة”، كما كانت قبل سقوط الأسد، ويمكن أن تُعاد تهيئتها لتصبح “مراكز تقديم مساعدات إنسانية”. وأشار إلى أن سوريا يمكن أن تكون نقطة عبور مناسبة للمساعدات الروسية، بما فيها المتجهة إلى إفريقيا، وأن موسكو مستعدة للسماح لدول أخرى باستخدام هذه المنشآت لإرسال المساعدات والشحنات المدنية إلى القارة الإفريقية.
وفي 24 نيسان/ أبريل المنصرم نشر نيل كيربالوف (Neil Kerbalov) المتابع لشؤون الشرق الأوسط في إحدى كبريات الصحف الروسية الاتحادية kommersant نصاً رأى فيه أن “سوريا تعيد صياغة المبدأ الأساسي: دمشق تريد أن تجعل من حميميم مركز تدريب لقواتها العسكرية”.
نقل الكاتب عن مصدر سوري مطلع قوله إن قاعدة حميميم ستفقد نهائياً وظائفها العسكرية، وتصبح بإشراف مشترك من قبل موسكو ودمشق. ولا تستبعد وسائل الإعلام العربية أن تتم الاستعانة بالمدربين الروس في تدريب الجيش السوري، الذي يتكوّن في معظمه من تلك القوات التي خاضت موسكو ضدها صراعًا مسلحًا خلال عهد بشار الأسد. وهي تتكون في معظمها من أعضاء التشكيلات المتطرفة السابقة، الذين يفتقرون إلى التدريب العسكري العام. ولم يوضح مصدر الصحيفة الدور الذي سيُناط بالعسكريين الروس.
في حينها نقل الكاتب عن مصادر “المدن” في وزارة الدفاع السورية قولها إن دمشق ترغب في إشراك المدربين الروس في برامج التدريب. وأكدت المصادر للصحيفة اللبنانية بأن مشاركة موسكو في التدريب ضرورية للغاية، لأن القوات السورية تستخدم في تسليحها معدات روسية وسوفياتية الصنع. وافترضت هذه المصادر أن المساعدة الروسية قد تقتصر على تدريب القوات البرية، ولا يدور الحديث عن تدريب الطيارين السوريين أو إتاحة وصولهم إلى الطائرات الروسية.
في السياق عينه، حيث كان الطرفان يكشفان عما يريدانه من إعادة صياغة وظائف القواعد والوجود الروسي في سوريا، نشر في 12تموز/ يوليو المنصرم موقع قناة التلفزة sovanews التابعة لشبكة دويتشه فيله DW، نصاً أشار فيه إلى أن روسيا تعتزم إنشاء مركز لوجستي في القاعدة العسكرية بسوريا.
نقل الموقع عن مسؤولين سوريين تأكيدهم لوكالة رويترز بأن موسكو ودمشق قد اتفقتا على تخصيص أحد الرصيفين في القاعدة البحرية الروسية في طرطوس للاستخدام التجاري، فيما سيُبقي الرصيف الثاني مخصصًا لاحتياجات الأسطول الروسي. وكان هذا المشروع قد عُرض في وقت سابق خلال لقاء جمع قادة البلدين في موسكو نهاية كانون الثاني/ يناير من العام الجاري. وكما أوضحت مصادر الوكالة، فإن الحديث يدور عن خط بحري منتظم بين ميناء نوفوروسيسك الروسي على البحر الأسود والقاعدة الروسية في طرطوس السورية، لنقل شحنات تجارية إلى سوريا ودول الخليج العربي. ومن المتوقع أن يبلغ حجم الشحنات الإجمالي التي ستتولى شركة الخدمات اللوجستية “روس لاين” نقلها في المرحلة الأولى 250 ألف طن شهريًا، على أن يبدأ تنفيذ العمليات في منتصف تموز/ يوليو بشحنة من الحبوب تبلغ 30 ألف طن.
لم يؤكد أي مصدر أن الخط البحري هذا قد بدأ العمل به في الفترة المشار إليها. كما أن أحداً لم يؤكد أن تكون قد وصلت إلى طرطوس إحدى شحنات الحبوب الأوكرانية التي تسرقها روسيا من الإهراءات المحتلة وتشحنها إلى موانئ شرق المتوسط.
الموقع الإلكتروني الروسي topcor لم يتحدث عن المذكرة مباشرة، إذ كان قد صدر في 6 الجاري، قبل إعلانها من قبل وكالة الأنباء السورية سانا في 9 الجاري. ولم يكن قد صدر أي تعليق عليها من قبل المسؤولين الروس حتى مساء الإثنين في 10 الجاري.
عنون الموقع النص بالقول “كيف تضع سوريا الجديدة حدًّا للعمق الاستراتيجي لروسيا”. وأشار إلى أن دمشق تجري مفاوضات مع واشنطن بشأن رفع آخر القيود الرئيسية المفروضة عليها. ووفقاً لوسائل إعلام غربية، تعهّد مسؤولون سوريون بخفض الاعتماد على إمدادات النفط الروسية خلال الأيام المقبلة، مقابل إلغاء العقوبات الأميركية واستبعاد سوريا من قائمة الدول الراعية للإرهاب.
بعد أن يشير الموقع إلى حجم الواردات السورية من النفط الروسي، يقول بأن موسكو لا تواجه أي صعوبة في إيجاد سوق بديل لنفطها. لكن السؤال برأيه، هو كيف سينعكس ذلك على الوجود العسكري والجيوسياسي الروسي في شرق البحر المتوسط؟
رأى الموقع أن سوريا لا تزال تمثّل بالنسبة إلى روسيا ساحة مهمة، وإن كانت قد تغيّرت بالفعل. وتحتفظ موسكو هنا على وجود عسكري وشراكة براغماتية، وإن كان حجم التزاماتها السابقة قد تراجع بشكل ملحوظ. وبعد تبدل السلطة في هذه الدولة الشرق أوسطية، انتقلت طبيعة العلاقات بين موسكو ودمشق من علاقة قائمة على الرعاية إلى علاقة تجارية بحتة. والقواعد التي تملكها روسيا في سوريا وتوفر لها وجوداً جيوسياسياً في المنطقة، قد تغير وضعها بشكل جوهري. في عهد بشار الأسد، كانت موسكو تستخدم هذه المنشآت بوصفها عمقها الاستراتيجي الخاص، أما الآن فقد أصبح مستقبلها موضع مساومة مع حكومة الشرع، ولا سيما أن واشنطن تسعى علناً إلى تقليص الوجود العسكري الروسي.
أشار الموقع إلى أنه قبل سقوط نظام الأسد، كانت روسيا تمتلك في سوريا نحو 19 قاعدة وحوالى 100 موقع ونقطة انتشار مختلفة في أنحاء البلاد. أما الآن، فلم يبقَ سوى طرطوس وحميميم. ومع ذلك، رأى أن “إعادة ضبط العلاقات تظل أفضل من القطيعة”.
يفترض الموقع أن الولايات المتحدة قد تتمكن من تحقيق النتيجة التي تريدها. ويرى عندها أن سوريا ستتحول نهائياً بالنسبة لروسيا إلى موطئ قدم استراتيجي مفقود.

























