تشكل مسألة الديمقراطية، حقلاً جدلياً واسعاً في الحياة العامة السورية، تأخذ منحى متصاعداً على نحو خاص، منذ سقوط النظام الأسدي، وصولاً الى انعقاد مجلس الشعب، وما نجم عنه من تجاذب عميق في الأفكار والآراء المتصلة بالديمقراطية كمفهوم، وانعكاس ذلك في سياسات السلطة المؤقتة، على أرض الواقع.
برزت تلك التباينات في اتجاهين، أو تيارين أساسيين اثنين، أولاهما يدعو لحجب خطاب الديمقراطية وآلياته، معللاً ذلك بأنها منتج ثقافي غربي، لا يتوافق مع “سوريا الجديدة”، وهو اتجاه يعزز خطاب السلطة الجديدة، ويشكل مدخلاً مهماً لخلق مبررات لاستمرار الحالة الطارئة في سوريا، ونحن نقترب من عامين على التغيير الحاسم في ديسمبر 2024.
أما التيار الثاني، فيرى بأنه لا مناص من الأخذ بـ “الديمقراطية” سبيلاً لإعادة بناء الدولة، وأن نماذج الحكم الرشيد، في الدول الخارجة من حروب وأزمات وصراعات داخلية، تشير الى أنه ليس ثمة أي نهج، أو أسلوب حكم، يمكن أن يحقق الخلاص والنجاة، سوى عبر الممارسة الديمقراطية.
مؤشرات التجارب الإنسانية، لم تعد حكراً على نظام أو سلطة معينة، وكذلك الديمقراطية ومفاهيمها المختلفة، والتي تمثل نتاجاً للفكر الإنساني، ولم يعد مرتبطاً بأيٍ من مراحل التاريخ السياسي خلال القرن العشرين، والنظم السياسية التي شهدها.
السلطة والحكم
مع ظهور نظم حكم جديدة اليوم، تأخذ بالأسباب التي تقود إلى التنمية المستدامة والاستقرار، تبدو العدالة والمساواة والمشاركة في صنع القرار، هي جوهر السياسات الوطنية، والتي تتجلى في إدارة المجتمعات المحلية، والانتخابات، وفي الحياة السياسية النشطة عبر الأحزاب، ومنظمات المجتمع المدني. وهذا ما تلجأ إليه الأنظمة الحاكمة (بما فيها الدول الإسلامية) في إدارة شؤون الدولة. وتلك ليست سوى “الديمقراطية” التي لا يريد قسم كبير، ومؤثر من السوريين مقاربتها، إيماناً منه بأن ذلك يهدد بنية السلطة الجديدة، ويُضعف من قدرتها في مواجهة التحديات، وفي أن البلاد غير مهيأة بعد للانتقال الديمقراطي، في الوقت الذي يرون في انتخاب مجلس الشعب وانعقاده، إنجازاً مهماً وفريداً، وهو في الواقع واحدٌ من مؤشرات الديمقراطية “المنبوذة”.
إن تعزيز “السلطة” دوراً ومكانة، يعني تماماً، الاستمرار في الأخذ بالسياسات الاستثنائية والمؤقتة، وفي مزيد من مركزة القرار، في يدها، بما يعني الاستحواذ، بحكم القوة والنفوذ، في إدارة شؤون الدولة.
في الواقع، فإن مزاعم الموالين للسلطة، لا تشكل دعماً لها، كما يبدو، ولكنها تضع العراقيل أمام الانتقال الطبيعي والتدريجي للسلطة المؤقتة، نحو أن تكون سلطة وطنية حاكمة بالمعنى الدستوري. لم يثبت حتى الآن أن اللجوء إلى السياسات الديمقراطية في سوريا، يهدد السلطة المؤقتة أو بأنه يُضعفها. على خلاف ذلك، فإن النقاش العام، يمكن أن يكشف الجوانب الإيجابية، كما جوانب الخلل، في أي استراتيجيات تأخذ بها السلطة، أو تطمح إليها، أو أن المجتمع بتياراته المتعددة يطالب بها. لكن غياب النقاش العام، والتعمد في تجاهل ضرورته، يفسح المجال واسعاً أمام نقاش أحادي غير مجدٍ، في ظل الفوضى.
إن تعزيز “السلطة” دوراً ومكانة، يعني تماماً، الاستمرار في الأخذ بالسياسات الاستثنائية والمؤقتة، وفي مزيد من مركزة القرار، في يدها، بما يعني الاستحواذ، بحكم القوة والنفوذ، في إدارة شؤون الدولة. هذا تماماً ما تؤشر إليه السياسات المتبعة حتى الآن، في ظل النقاشات التي طالت أسلوب “انتخاب، وسير أعمال، وصلاحيات مجلس الشعب”. من هنا يطرح السؤال نفسه، عما إذا كانت السلطة الجديدة في سوريا، تريد أن تبقى “سلطة انتقالية / مؤقتة” غير محدودة الصلاحيات والنفوذ، أم أنها تتطلع نحو الانتقال الى صيغة “حكم” الدولة السورية.
الحكم الرشيد
لايبدو الحديث عن عدم جاهزية المجتمع السوري، للانتقال الديمقراطي، موضوعياً، بل على العكس من ذلك، يضمر مفهوماً غير صحيح البتة عن طبيعة المجتمع السوري، من حيث معدلات التعليم، والثقافة، والقدرة على مواجهة التحديات اجتماعيا، وسياسياً. في ذلك حكم مجحف على السوريين، ومحاولة لإخفاء قدرتهم على الانخراط في عملية إعادة بناء سوريا الجديدة.
ماهي السياسات التي تتبناها السلطة اليوم، لتجعل من المجتمع السوري، متمكناً ومؤهلاً للانخراط في التحول الديمقراطي، ولماذا دائماً يجب أن نبدأ من الصفر؟
يمكننا أن نطالب السلطة، ليس بالرشاد فحسب، بل بـ “الصلاح” في إدارة البلاد. وهذا يعني بأن تتحمل مسؤولياتها في ذلك كاملة، وفي مختلف أوجه البناء الوطني.
في اعتقادي أن السوريين، بحكم التجربة القاسية الصعبة، التي عاشوها خلال نصف قرن، مع الاستبداد الأسدي، منها السنوات المريرة منذ انطلاقة الثورة السورية في مارس 2011، والمتواصلة حتى اليوم، تمكنهم من المشاركة الحقيقية والفاعلة في بناء الدولة وفي تنميتها وتطويرها. ولكن، على الرغم من الدعم الذي تتلقاه السلطة شعبياً، والذي يعدّ اليوم أحد مصادر شرعيتها، لاتولي هذا الجانب أهمية، بالقدر الذي ينبغي أن يكون في الحدّ الأدنى، وهذا يعني أن السلطة تسعى لفرض سياساتها في إدارة الدولة والمجتمع. بمعنى آخر، لا تريد أن يشاركها أحد في ذلك. لاتريد أن تصعد الى مرحلة جديدة في “الفترة الانتقالية”، وفقاً لما أفرزته تجارب الشعوب: أن تكون سلطة رشيدة، بمقدورها أن تنجز تحولاً مدنياً في ظروف صعبة، الى “حكم رشيد” يضع البلد أمام خيار واحد: التنمية والبناء والتقدم. وهذا هو – في اعتقادي- مطلب السوريين جميعاً، على اختلاف تياراتهم، بمن فيهم “أعداء التحول الديمقراطي”.
يمكننا أن نطالب السلطة، ليس بالرشاد فحسب، بل بـ “الصلاح” في إدارة البلاد. وهذا يعني بأن تتحمل مسؤولياتها في ذلك كاملة، وفي مختلف أوجه البناء الوطني.
لا يمكن أن يتم ذلك بمعزل عن عدة عوامل أساسية، تشير إليها الأمم المتحدة، في سياق الحكم الرشيد، وهي الشفافية، والمساءلة، والمشاركة، والاستجابة (لاحتياجات الناس). الاستعانة بذلك، لا يعني استيراد أفكار، او الاستعانة بسياسات أو مفاهيم لاتتوافق مع مجتمعاتنا. بل حاجة ملحة لخلاص السوريين، ومن خلال تلك المؤشرات، يمكننا دراسة الواقع السوري، واستخلاص البدائل والسياسات التي تقود فعلياً الى إيجاد حل للمشكلات الوطنية القائمة.
لا يمكن للغموض الذي تتسم به السلطة الجديدة، أن يبقى قائماً. إن الوضوح، والشفافية، في السياسات التي تنتهجها السلطة، وفي أولوياتها، هو أمر في غاية الأهمية. يجب أن يعرف السوريون ماهي أولويات السلطة، ماهي سياساتها لحل الأزمات المتوالدة؟ وبماذا تفكر؟ وكيف تخطط من أجل المستقبل؟ يخلق الغموض بيئة ملائمة للتكهنات والشكوك، ويخلق عدم الثقة مع المواطن، ويُبقي التوّجس كرد فعلٍ أولي حيال خطط السلطة ومشروعاتها.
ما يتعلق بالغموض والشفافية، ينسحب أيضاً على المشاركة الواسعة لفئات المجتمع في صنع القرار، سواء على المستوى الوطني، أم المجتمعات المحلية، وفي ذلك، ما يعني الوقوف على احتياجات الناس، والاستجابة لمطالبهم. لدينا أمثلة مهمة، منها ما يتصل بعملية اندماج قسد، في الجزيرة السورية، من دون فتح ملف العدالة، ومنها ما يتعلق بالاحتجاجات المطلبية، من معرفة مصير المفقودين، إلى مصير المعتقلين المرحلين إلى العراق، إلى احتجاجات الرقة وعين منين.
يمكن للسلطة الجديدة، تعزيز بُنى ومقدرات الإدارة المحلية في سوريا، ولعله يكون واحداً من أنجع السياسات المتصلة بالمشاركة العامة وفي تلبية احتياجات المجتمعات المحلية، وفي حل مشكلاتها، عبر الذهاب الى انتخابات للإدارة المحلية، على غرار ما جرى بالنسبة لانتخابات مجلس الشعب (مع التحفظ).
غير أن أهم العوامل التي تؤشر على صلاح السلطة ورشادها، هو وجود آليات مؤسسية – أي القانون- تُخضع صانعي القرار، على جميع مستويات السلطة، للمساءلة، والاستجواب، والمحاسبة، وللرقابة الشعبية، في ظل القوانين الجارية اليوم، أي الإعلان الدستوري نفسه.
ليس من وصفة سحرية جاهزة للحكم الرشيد، لكن السعي إليها، بفرض القانون، هو ما يحقق نجاة البلاد، وتطويرها، ونقل السلطة من شرعية التحرير، والأمر الواقع، الى حكم وطني يستند الى العدالة والمساواة، وهذا ممكن في سوريا الجديدة، بكل تأكيد، وهذا هو الاختبار القادم!
- تلفزيون سوريا

























