أعاد اقتحام منزل الوجيه الاجتماعي عاطف هنيدي في بلدة المجدل، ثم وصوله إلى دمشق اليوم، اسمه إلى واجهة الأحداث في السويداء.
وجاءت الواقعة بعد ساعات من نشره بياناً انتقد فيه تصريحات الشيخ حكمت الهجري التي اعتبر فيها الدروز في السويداء “جزءاً لا يتجزأ من دولة إسرائيل”. ورفض هنيدي في بيانه اختزال جماعة كاملة في شخص واحد “يحتكر النطق باسمها ويقرر لها اسم دولتها المتخيلة (باشان)، ويحيك لها تاريخاً هجيناً”.
وكانت مصادر محلية أكدت لموقع تلفزيون سوريا أن مسلحين من ميليشيا “الحرس الوطني” اقتادوا هنيدي من منزله وأجبروه على مغادرة السويداء، في حين زعمت الميليشيا أنها تدخّلت لاحتواء التوتر ونقله بناءً على طلبه لتأمين خروجه.
وبعيداً عن السجال الآني، تكشف مراجعة المصادر المفتوحة أن هنيدي ليس اسماً طارئاً على المشهد المحلي؛ فهو وجيه اجتماعي ارتبط اسمه بالمضافة العائلية في المجدل، وشارك في لجان تهدئة بين السويداء ودرعا، واتخذ مواقف معلنة مؤيدة للحراك ضد النظام المخلوع، قبل أن يبرز لاحقاً بخطاب يرفض الاحتلال الإسرائيلي ومشاريع الانفصال.
زعامة اجتماعية من مضافة تاريخية
يُعرف عاطف هنيدي بكنية “أبو عمر” ولقب “الباشا”، ويتولى منذ عام 2018 الزعامة الاجتماعية لآل هنيدي في بلدة المجدل، على مسافة نحو 13 كيلومتراً غربي مدينة السويداء، خلفاً لوالده فضل الله هنيدي “أبو منصور”، وفق توثيق منشور في موقع وثيقة الوطن واللقب في حالته توصيف اجتماعي محلي مرتبط ببيت زعامة تاريخي، وليس رتبة أو منصباً رسمياً في الدولة.
وتشير شهادات محلية نشرها الموقع نفسه إلى أن مضافة آل هنيدي تعود إلى منتصف القرن التاسع عشر، وأنها أدت دوراً في استقبال الوفود وعقد الاجتماعات والمساهمة في حل النزاعات. وهذا البعد الاجتماعي يساعد في تفسير حضور هنيدي في لجان المصالحة والوساطة، كما يفسر حساسية تحويل ما يجري داخل المضافة إلى دليل سياسي قاطع.
وبحسب إفادة حصل عليها موقع تلفزيون سوريا من مصدر محلي في السويداء، تمتد صلات الأسرة بين بلدتي المجدل وصمّا الهنيدات ومجتمعات محلية في درعا، واضطلعت تاريخياً بأدوار في الوساطة وحل النزاعات. ويقول المصدر إن هنيدي شارك خلال الأعوام الأربعة عشر الماضية في مفاوضات لإطلاق مخطوفين ومنع حوادث الخطف من التحول إلى مواجهات أوسع.
ما الذي يوثّق دوره في التهدئة؟
في نيسان 2020، أدان هنيدي مقاطع تعذيب مخطوفين من درعا، محذراً من استخدامها لإشعال فتنة بين المحافظتين. وبعد ذلك بشهرين، ورد اسمه في مقدمة الموقعين من السويداء على “بيان حسن الجوار بين سهل وجبل حوران”، الذي دعا إلى إنهاء ملف المخطوفين وتشكيل لجنة مشتركة دائمة لمتابعة النزاعات والتحقيق فيها.
وفي تشرين الثاني من العام نفسه، اختير هنيدي ضمن لجنة من 15 شخصاً للتفاوض وإنهاء التوتر بين القريّا في السويداء وبصرى الشام في درعا.
من الحراك ضد الأسد إلى الدفاع عن وحدة سوريا
ظهر هنيدي منذ 2011 بوصفه واحداً من الزعامات الاجتماعية التقليدية في السويداء، لا قائداً تنظيمياً للحراك. وفي عام 2023، كان من بين الشخصيات الاجتماعية التي صدرت عنها مواقف داعمة للاحتجاجات في المحافظة.
وفي نيسان 2024، أعلن دعمه “وثيقة المناطق الثلاث” ، التي انطلقت من القريّا ودرعا البلد وريف حلب، ودعت إلى الديمقراطية والمساواة ووحدة الأراضي السورية ورفض الاحتلال والتدخل الخارجي. وفي أيار من العام نفسه، وصف حراك السويداء بأنه “نقطة مضيئة في الثورة السورية ضد الاستبداد” وأشاد بمشاركة النساء فيه.
وبحسب مصادر محلية، لا يمكن اختزال مساره في خصومة دائمة مع الشيخ حكمت الهجري. ففي أيار 2024، أيّد موقف الهجري الرافض للتحركات العسكرية للنظام المخلوع حول السويداء، وفي أيار 2025 شارك معه ومع شيخي العقل يوسف جربوع وحمود الحناوي والأمير حسن الأطرش وقيادات محلية في اجتماع تناول الأمن والمؤسسات. ويشير ذلك إلى علاقة سياسية متحركة، تتقاطع في بعض الملفات وتفترق في أخرى، لا إلى صراع شخصي ثابت.
رفض إسرائيل والانفصال: موقف سابق للبيان الأخير
في آذار 2025، نشر هنيدي مقالاً بعنوان “لجبل العرب عدو واحد هو إسرائيل” في جريدة الأنباء الإلكترونية، رفض فيه تدخل الاحتلال الإسرائيلي في السويداء وربط حماية المحافظة بوحدة سوريا. وفي أيار من العام نفسه، كتب أن “الوطن خيار نهائي لجميع السوريين” ، مميزاً بين الدولة والسلطة، ومعتبراً أن معارضة السلطة حق ديمقراطي، مع رفض الخيارات المسلحة والانفصالية.
لذلك لا يبدو بيانه الصادر في 3 أيلول 2026 موقفاً منفصلاً عن خطابه السابق. ففي النص المنشور باسمه على موقع “أنباء” رفض اعتبار الموحدين الدروز جزءاً من إسرائيل، وانتقد استخدام اسم “باشان” للدلالة على كيان في جنوبي سوريا، واستحضر إرث سلطان باشا الأطرش في مواجهة مشاريع التقسيم. كما رفض أن يتحدث شخص واحد باسم الطائفة كلها أو أن يربط هوية السويداء بمشروع استيطاني إسرائيلي.
ويقول المصدر المحلي الذي تحدث إلى تلفزيون سوريا إن هذا الموقف كان السبب المباشر للحملة الأخيرة ضد هنيدي، وإن الاتهامات تصاعدت بعد البيان.
آل هنيدي يدينون الهجوم ويتمسكون بالمسار القانوني
وصدر بيان اليوم باسم آل هنيدي، قال إن أكثرية أبناء العائلة توافقوا على إدانة الهجوم على دارها وما رافقه من إطلاق نار وقنابل وترويع للنساء والأطفال. واعتبر البيان مهاجمة عاطف فضل الله هنيدي وتهجيره “سابقة خطيرة ومستنكرة”، مؤكداً متابعة القضية بالوسائل القانونية والسلمية، ورفض مواجهة الآراء بالعنف، مع التشديد على بقاء يد العائلة ممدودة إلى جميع عائلات الجبل ومكوناته.
المضافة والاتهامات: ماذا نعرف فعلاً؟
أعادت حسابات على منصات التواصل تداول تسجيلات لزوار داخل مضافة آل هنيدي، وقدمتها بوصفها دليلاً على اصطفافه مع جهات سياسية أو أمنية. لكن النسخ المتداولة لا توفر مادةً كافية للتحقق بصورة مستقلة من هوية جميع الحاضرين أو تاريخ التسجيل وسياقه، كما لا تثبت أن تقديم القهوة أو الطعام كان إعلاناً سياسياً.
وبحسب المصدر المحلي، فإن استقبال الزوار وإكرامهم داخل المضافات تقليد اجتماعي متجذر في السويداء ولا يحمل، بذاته، معنى التأييد السياسي.
أما الاتهام الأكثر وضوحاً في المصادر المنشورة، فجاء في بيان منسوب إلى “كتيبة الصمود” التابعة لـ”الحرس الوطني”، قالت فيه إن هنيدي كان يهيئ لدخول الأمن العام و”تسليم المجدل”. وذكر موقع “تأكد” أن البيان لم يقدم دليلاً على هذه المزاعم، قبل أن يصدر “الحرس الوطني” روايةً أخرى قال فيها إنه لم يعتقل هنيدي، بل أمّن انتقاله إلى أم الزيتون ثم خروجه إلى دمشق بناءً على طلبه.
في المقابل، قالت مصادر محلية لموقع تلفزيون سوريا إن قوة من “الحرس الوطني” حاصرت منزل هنيدي واقتحمته واقتادته، ثم أجبرته على مغادرة المحافظة.
وحتى إعداد هذا التقرير، لم يُنشر تصريح مباشر من هنيدي يشرح فيه ظروف خروجه، ما يبقي توصيف الواقعة بين رواية “الاعتقال والإبعاد القسري” ورواية “الحماية والخروج بطلب شخصي”.
وبين الروايات المتعارضة بشأن خروجه من السويداء، يبقى الثابت أن عاطف هنيدي راكم حضوراً اجتماعياً وسياسياً ارتبط بالوساطة والتهدئة والدفاع عن وحدة سوريا.
انتهت الحادثة بوصول عاطف هنيدي إلى دمشق، لكنها تركت خلفها أسئلة أوسع بشأن مساحة الاختلاف داخل السويداء، وقدرة الشخصيات الاجتماعية على إعلان مواقف مخالفة للقوى المسيطرة.
- تلفزيون سوريا















