أثارت حادثة اختطاف الوجيه الاجتماعي في السويداء عاطف هنيدي، موجة من ردود الفعل بين كتاب وصحفيين وناشطين من محافظة السويداء على مواقع التواصل الاجتماعي، ركزت على تداعيات الحادثة، وحدود حرية التعبير، والخلاف المتصاعد بشأن تصريحات الشيخ حكمت الهجري المتعلقة بهوية الموحدين الدروز وعلاقتهم بإسرائيل.
واختطفت ميليشيا “الحرس الوطني” هنيدي من منزله، على خلفية بيان أصدره انتقد فيه تصريحات الهجري التي اعتبر فيها الدروز في السويداء “جزءاً لا يتجزأ من دولة إسرائيل”. ورفض هنيدي في بيانه اختزال جماعة كاملة في شخص واحد “يحتكر النطق باسمها ويقرر لها اسم دولتها المتخيلة (باشان)، ويحيك لها تاريخاً هجيناً”، قبل أن تُجبره الميليشيا على مغادرة المحافظة باتجاه دمشق.
“طفح الكيل”
ورأى الكاتب والأكاديمي فايز قنطار، وهو من أبناء السويداء، أن اعتقال هنيدي يمثل مؤشراً على طبيعة المرحلة التي تمر بها المحافظة.
وقال قنطار في منشور عبر “فيسبوك”: “باعتقاله طفح الكيل”، معتبراً أن ما جرى يعكس، بحسب رأيه، ملامح ما وصفها بـ”دولة الباشان الموعودة”، من قمع واختطاف ومصادرة للحريات واستفراد بالقرار المتعلق بالسويداء ومستقبل أبنائها.
وتأتي تصريحات قنطار في سياق الانتقادات التي يوجهها عدد من أبناء المحافظة إلى تنامي نفوذ القوى المسلحة واحتكار التمثيل السياسي والاجتماعي.
تصريحات الهجري “شقّت الصف”
من جهته، رأى الناشط أسامة الحلبي أن تصريحات الهجري حول علاقة الموحدين الدروز بإسرائيل أسهمت في تعميق الانقسام داخل السويداء.
وقال الحلبي إن تلك التصريحات “شقّت الصف نهائياً في الجبل”، معتبراً أنها قدمت، بحسب وصفه، خدمة لـ”السلطة المركزية السورية ولكل من يريد استثمار الخلاف سياسياً”.
وانتقد الحلبي محاولات تبرير تصريحات الهجري، معتبراً أنها لا تعكس، من وجهة نظره، تاريخ أبناء السويداء أو مواقفهم الوطنية.
وأكد أن الأصوات التي وصفها بـ”الوطنية الأصيلة” ستواصل التعبير عن مواقفها، مشدداً على أن قضية هنيدي، بحسب تقديره، لن تكون نهاية هذا السجال.
“عندما يصبح الصمت شرطاً للسلامة”
الناشط وائل شجاع ركز في منشوره على الجانب المتعلق بحرية الرأي، معتبراً أن ما جرى مع هنيدي يتجاوز حدود الخلاف على مضمون بيان سياسي.
وقال شجاع إن اعتقال شخص بسبب موقف مخالف يبعث، برسالة مفادها أن من يخرج عن الموقف السائد قد يدفع ثمناً لذلك.
وتساءل عن موقف الهجري، قائلاً إنه في حال كانت الجهات التي تتحرك ضد هنيدي مرتبطة به أو تستند إلى نفوذه، فمن المفترض أن يعلن موقفاً واضحاً من اقتحام المنازل واعتقال الأشخاص بسبب آرائهم.
ورأى أن احتكار الحديث باسم تاريخ السويداء أو رموزها، وفي مقدمتهم سلطان باشا الأطرش، لا يبرر استخدام القوة ضد المخالفين.
وختم شجاع موقفه بالتحذير من تحول الاختلاف إلى “تهمة”، معتبراً أن فرض الصمت تحت التهديد لا يمثل إجماعاً، بل يؤدي إلى ترسيخ الخوف داخل المجتمع.
“يا حيف يا جبل”
الصحفي رواد بلان عبّر عن تضامنه مع هنيدي، واصفاً إياه بأنه رجل من “بيت كريم” وله مواقف راسخة.
وقال بلان إن هنيدي معروف، بحسب وصفه، بارتباط مواقفه بمصالح أهله وحسن نيته، متسائلاً عن المرحلة التي وصلت إليها المحافظة، بحيث يتعرض وجهاء وشخصيات ذات تاريخ للإهانة والاستهداف.
واختصر بلان موقفه بعبارة “يا حيف يا جبل”، في إشارة إلى رفضه لما تعرض له هنيدي.
“تكرار أساليب النظام المخلوع”
الناشط مهند شهاب الدين وجه انتقادات إلى شخصيات وجهات أخرى، وربط ما يجري في السويداء بإرث نظام الأسد وأجهزته.
وقال: “لا تزال قيادة السويداء الأسدية تمارس أساليب الأسد المجرم من الخارج”.
في المقابل، قدم الصحفي أيمن الشوفي قراءة مختلفة للحادثة، إذ رأى أن بيان هنيدي، بصرف النظر عن مضمونه، لن يغير من مسار التطورات السياسية والإقليمية التي تشهدها سوريا.
وتساءل الشوفي عما إذا كان ظهور هنيدي في هذا التوقيت قد يؤدي إلى تحويله إلى رمز في معركة سياسية تتجاوز المحافظة.
وقال إن هنيدي، بحكم وجوده في السويداء وبلدته الواقعة على خطوط التماس مع القرى الغربية، يدفع ثمناً مرتفعاً لموقفه، محذراً من “المقامرة بالسلامة الشخصية”.
كما انتقد الشوفي ما وصفه بمحاولات صناعة “شهيد جديد” في سياق الصراع السياسي، داعياً إلى عدم استخدام الشخصيات الاجتماعية في معارك أكبر من قدرتها على الاحتمال.
وأكد الشوفي في منشوره ضرورة الحفاظ على سلامة هنيدي، معتبراً إياه “أسير الاختلاف بوجهة النظر والتوجه”.
خلاف يتجاوز قضية هنيدي
وتعكس ردود الفعل المتباينة حجم الاستقطاب الذي تشهده السويداء، خصوصاً بعد التصريحات المنسوبة إلى حكمت الهجري بشأن علاقة الموحدين الدروز بإسرائيل.
ففي حين يركز فريق من الناشطين على رفض أي ربط بين هوية أبناء السويداء ومشروع إسرائيلي، يركز آخرون على مخاطر تحول الخلاف السياسي إلى صراع داخلي أو إلى وسيلة لفرض موقف واحد بالقوة.
كما تكشف المواقف المنشورة عن خلاف أوسع حول طبيعة القوى التي تمثل المحافظة، وحدود نفوذها، ومدى قدرتها على فرض رؤيتها السياسية والاجتماعية على بقية أبناء السويداء.
من هو عاطف هنيدي؟
عاطف هنيدي، المعروف بكنية “أبو عمر” ولقب “الباشا”، زعيم اجتماعي لآل هنيدي في قرية المجدل، الواقعة على مسافة نحو 13 كيلومترا غربي مدينة السويداء.
وفي عام 2018 تسلم هنيدي مقاليد الزعامة الاجتماعية لآل هنيدي عن والده فضل الله هنيدي، المعروف بلقب “أبو منصور”. وبذلك، فإن وصف “الباشا” المتداول محليا يعود إلى مكانته في دار الزعامة التاريخية للعائلة.
وبرز اسم هنيدي خلال الاحتجاجات التي شهدتها السويداء ضد نظام الأسد، إذ أصدر عددا من البيانات المؤيدة للحراك. وفي أيار 2024، وصف الاحتجاجات بأنها “نقطة مضيئة في تاريخ الثورة السورية ضد الاستبداد”، وأشاد بمشاركة النساء فيها.
- تلفزيون سوريا












