صمم مهندسونا مباني حديثة بشرفات أنيقة مستوحاة من مباني فيرونا وقصة روميو وجولييت، مخصصة للجلسات وشرب القهوة. لكن المواطن “المفتح بالمازوت” لم تنطل عليه هذه الحيلة، بل رآها عبارة عن «أرض الديار» التي صعدت عمودياً إلى مكعبات الإسمنت.
فيبدأ صاحبنا بتصحيح شطحات المهندس وإعادة تأهيل العمارة المستوردة بإضافة سطل مربوط بحبل كأول نظام توصيل هوائي في العالم، ثم يتطور بتركيب شادر بلاستيكي أخضر أو واجهة ألمنيوم محولاً الشرفة إلى غرفة نوم إضافية مع ركن لتجفيف الملوخية. ثم يقوم بالزحف إلى خارج حدود المساحة بإنشاء محطة توليد طاقة، عبر تركيب ألواح الطاقة الشمسية المتصلة ببطاريات حُشرت في الأماكن المتاحة.
ومن بلاكينهم تعرفونهم؛ فرويداً رويداً يتشكل الأرشيف البلكوني من خلال العقيدة المتوارثة: «أوعك تكبها.. بلكي بتلزم!». هناك ستجد شتلة ياسمين تناضل للبقاء داخل تنكة سمنة صدئة تجثم فوق أحلام روميو وجولييت، يقبع بجانبها إطار سيارة مهترئ لعائلة لا تملك سيارة ولا حتى بسكليت! وكرسي خيزران كُسرت رجله في ثمانينيات القرن الماضي، وبيدونات فارغه تنتظر دورها في التدوير، وشيءٌ ما ملفوف بعناية وموضوع في زاوية الشرفة بوقار كتمثال لبوذا يراقب هذا العالم السائر إلى الفناء، ولا تكتمل المنظومة إلا بوجود المفاعل بالغ الخطورة لتخصيب المكدوس ضمن حدود السيادة الوطنية.
أما حبل الغسيل، فهو التقرير الأكثر شفافية وفجاجة؛ فالأقمشة الباهتة ومراييل المدارس مع البيجامات المقلمة ليست مجرد غسيل منشور بجانب قلائد الباذنجان الذي يجري تحنيطه، بل لوحة بيانات تفضح أعمار الساكنين، وعدد الطلاب وعدد الصبيان والبنات، وأذواقهم، وميزانيتهم.
ومن بلاكينهم يعرفونكم؛ فالبلكون هو المقر العام للاستطلاع، ومنه تُدار شبكة التنصت. تحليل روائح القلي يكشف طبخات الجيران، والأكياس تفضح مشترياتهم، ومنه يمكن رصد الموظفين المتسربين قبل نهاية الدوام. وقد تجد أحدهم مادّاً ذراعه إلى أقصاها لالتقاط إشارة واي فاي من الجيران، تحت شعار: «الجار للجار حتى آخر ميغابايت»، ومن ذات الموقع تواصل “أم صطيف” إدارة خلية الأزمة لحل لغز “الشب أبو الأفانتي يلي صف ثلاث مرات قدام بيت أبو سعيد وكل مرة شايل بأيدو كيس أو صندوق”، بينما تدير “أم فادي” لجنة تقصي الحقائق لمعرفة “مين عم يدخن بالسر ومين عم يبصبص على مين”.
لكن هذا الحيز لا يعيش دائماً بسلام؛ فتشهد الشرفات جولات من الحروب المائية. ففي صباحات يوم الجمعة تبدأ طقوس الشطف؛ حيث يتطاير الماء الممزوج بالمنظفات عبر مزراب توتياء مهترئ فوق رؤوس عابري السبيل، ويلوث غسيل الجارة في الطابق السفلي، فتُنسى الوصايا بسابع جار وتشتعل الرديات النسائية، ومع سحب الغسيل، يبدأ «نفض السجاجيد» كإجراء عقابي على المارة وسكان الطوابق المنكوبة.
هذه المعارك البلكونية ليست مجرد نزاعات جيران، بل هي صورة حقيقية للاشتباك اليومي بين المواطن والواقع؛ فإن أردت أن تجري بحثاً عن الأنظمة التي تضبط مسيرة هذه البلاد وتطبيقها وعن واقعها الاجتماعي والاقتصادي، فلا تعوّل على مراكز الأبحاث ولا تصدق التقارير الاقتصادية التي ترفع الضغط أكثر مما ترفع الاقتصاد؛ بل ارفع بصرك نحو الأعلى، وتفادَ بحذر الماء المخلوط بالكلور الهابط من البلاكين، لترى هذا الإنسان الذي لا يريد أن يكون رقماً في علبة كبريت يقوم بتحويل مترين إلى عالم معلق بين السماء وقوانين البلديات، يرفرف فيه حبل الغسيل كراية لشعب لم يكتفِ بإعادة تدوير أشيائه القديمة فحسب، بل ألجأته المعاناة إلى إعادة تدوير حتى الفراغ ذاته كأسلوب حياة.
- الثورة السورية












