هي أكثر من 60 عاماً، زمن بداية هروب النخب السورية، الاقتصادية، والسياسية، واشتد الهروب مع مطلع الثمانينيات. تكثفت هذه الظاهرة، بعد 2011، مع الثورة السورية، وهُجرت الملايين، وانتهجت السلطة الأسدية سياسة وحيدة مع الشعب، الثورة: الاعتقال، القتل، التهجير. مع هروب الأسد الصغير، تقاطرت النخب للعودة، و”انتعشت” الحياة السياسية والثقافية والعائلية، وشاهدنا مناضلين وقد شاخوا، باستقبالات عائلية وسياسية، وكانت مقهى الروضة في دمشق أحد تلك الأماكن، وزارت بعض تلك النخب قيادات السلطة الجديدة، محاولة الحوار معها، وراغبة في وضع خبراتها المتراكمة في خدمة النهوض بسورية.
لم يستمر الأمر طويلاً، وتراجعت الحماسة بالتدريج؛ تراجعت مع توطيد السلطة الجديدة سيطرتها على النظام السياسي والاقتصادي والعسكري، الذي راحت تبنيه. النخب التي راكمت عمراً وعملاً وخبرات ودراسة في الخارج شعرت بأن الحكم الجديد لا يرحب بها، ويريدها فقط وفقاً لرؤيته لشكل الحكم، الاقتصاد، الجيش، التعليم…، ووفق ذلك تُعقد العلاقات وتفتح الفرص. سوى هذا، هناك أشكال عديدة من الرفض الهادئ. وقد شهدت سورية، تباطؤاً، فتراجعاً، فمغادرة، لتلك النخب بينما تمركزت السلطة والاقتصاد والجيش والأمن والتعليم بيد النخبة القادمة من إدلب أولاً، ومن المعارضة السابقة، وجماعات بيروقراطية من العهد البائد أبدت المقبولية الكاملة لرؤية “نخبة إدلب” لإدارة السلطة والدولة.
تعبت تلك النخب ولا شك من “المقاومة” مع نظام الأسدين، وما قبلهما. أرادت أن تشعر بالإنصاف مع العهد الجديد. التعب حق كذلك، ولهذا بدأت تغادر سورية، وصار الأمر في إطار التداول والنقاش السوري. لدى تلك النخب حياتها، وعاداتها اليومية، وهناك من صار هرماً، وهناك العائلات، ونمط الحياة والعمل؛ لقد صارت نخباً أوروبية، أو أميركية، أو خليجية، أو أو، ولديها حياة مريحة؟ وبالتالي أية مفاضلة، ستكون لصالح مغادرة سورية، والأسوأ غياب الأمل بواقعٍ أفضل، وعدم تلمسها استراتيجية وطنية، تنهض بسورية، ويكون لها، على اختلاف أشكالها، دورٌ في النهوض بالبلاد. أتحدث هنا، عن الفرص السياسية، الاقتصادية، التعليمية، ولا أتكلم عن الجيش، الأمن فقط، والسؤال أين تلك الفرص التي تدفع النُّخب المهاجرة أو التي هُجرت إلى العودة؟
كانت هناك أوهام كثيرة لدى هذه النخب، ترى أنّه بالخلاص من الأسد، الأول والثاني، واستبدادهما، تزول كل المشكلات، وتقفز سورية إلى الديمقراطية!، وقد تبيّن أن ذلك التفكير كان خاطئاً. ومنذ التحوّلات في 1963، تبيّن أن الأسد، الذي بنى مملكته وصار حاكماً مطلقاً، قد أغلق كل بوابات الإصلاح السياسي، ومارس النهب وتطييف المجتمع، وسبَّب هذا ثورةً شعبيةً عارمة 2011، ولكن المعارضات السورية لم تستطع الاهتداء إلى استراتيجية وطنية دقيقة لكل المشكلات. ولهذا غزتها الأوهام، وهناك المصالح. الشعور بالخيبة والمرارة يتعلق، بالدرجة الأولى، بتلك الأوهام، وبالدرجة الثانية بأوهام جديدة تتعلق بسياسات السلطة الجديدة، التي لم تذهب نحو سياسات اقتصادية تراعي مصالح الأغلبية، بل تبنّت سياسات ليبرالية جديدة، بما يقلص دور الدولة إلى وظائف عسكرية وأمنية، وسياسات احتكارية لصالح السلطة، ورفض فكرة التشاركية السياسية وتعدد الأحزاب والديمقراطية.
هناك استبعاد شبه كامل للأقليات ولِسُنة المدن والصناعيين والتّجار، وللنخب، وهناك ضررٌ كبيرٌ يقع على الفلاحين
تضمّن الإعلان الدستوري عدم الإقرار بحق الأحزاب بالعمل قبل إقرار القانون الخاص بها، وتتجه السلطة نحو أولويات ليس فيها قانون للأحزاب ضمن المرحلة الحالية، وهنا المشكلة! وقد قرأنا لشخصياتٍ من السلطة أو قريبة منها، “تنصح” الإخوان المسلمين بحلِّ نفسها، وتُبرّر غياب التعددية. تشكل سياسات السلطة الاقتصادية، استكمالاً لسياسات السلطة القديمة، التي شكّل تبنّيها لليبرالية الاقتصادية، منذ عام 2000 وتعزّز مع 2005، سبباً مركزياً في الثورة 2011، حيث برزت كتلة بشرية مهمّشة من جراء ذلك، ولا سيما في الأرياف؛ وتؤدّي هذه السياسات إلى أزمة اجتماعية واسعة، ظهرت معالمها مع احتجاجات لمختلف الفئات الاجتماعية، ولا سيما الفلاحية والعمّالية ما بعد 8 ديسمبر/ كانون الأول 2024. أيضاً هناك انغلاق السلطة تجاه رأسمال المال السوري، رغم معرفته الدقيقة بخصائص سورية الاقتصادية (موارد، خبرات، إمكانات، علاقات مع العالم) وانفتاحها تجاه الرأسمال الأجنبي، العربي أو الدولي، وهناك التركي.
هناك سياسات كثيرة أخرى، غير ما ذكر أعلاه، دفعت النخب “العاشقة سورية” إلى المغادرة من جديد، أو الاكتفاء بالزيارات السياحية والعائلية للبلد. تخطئ السلطة كثيراً حينما تُغلق الأبواب بوجه الخبرات السورية، وتستمر بانتهاجها طلب الشرعية من الخارج، أو من جماعتها الخاصة أو المتحالفين معها. ربما لا يتفق صاحب هذا النص، مع كثير من هذه الخبرات، الليبرالية (الاقتصادية والسياسية)، الإسلامية، اليسارية، القومية، الوطنية، النسائية، الحقوقية، ولكنها بتعدّديتها، وإضافة إلى إشراك الشعب في المشاركة السياسية، تتشكل الإمكانية الفعلية، وربما الوحيدة، للمساهمة بنهوض سورية، بل بتدعيم السلطة تجاه التحدّيات التي تواجهها، داخلياً وخارجياً، ولا سيما من الدولة الصهيونية. الأخيرة تضع يدها على الجولان وتتمدّد إلى كل الجنوب السوري وبدعمٍ من الإدارة الأميركية، التي اعترفت بضم الجولان إليها في 2019 وتكرّر الأمر في 2026، وهي من تدعم سياسات هذه الدولة في المنطقة وطبعاً في سورية (هناك خلافات بينهما يجري تضخيمها)، والإدارة نفسها من تُشرف على كل علاقات السلطة في دمشق مع الخارج. وبالتالي، هناك ضرورة، وكي تتفادى السلطة الضغوط والتحدّيات، للانفتاح على الخبرات السورية وإشراك الشعب. هناك استبعاد شبه كامل للأقليات ولِسُنة المدن والصناعيين والتّجار، وللنخب أعلاه، وهناك ضررٌ كبيرٌ يقع على الفلاحين، فهل تُوقف السلطة سياساتها هذه.
المشكلة الحقيقية في ضعف المجتمع، وتشتّت النخب، وغياب المعارضة المنظّمة، وبروز أشكال جديدة للمعارضة الطائفية
النخب التي مارست دوراً قبل الثورة وفي أثنائها، ومع كل الملاحظات أعلاه، وحقها في المغادرة، عليها أن تلعب دوراً وطنياً من جديد، فالسلطة الجديدة تُرسخ نفسها يومياً، وما زالت تواجه تحدّيات واسعة، وهي ضعيفة بدرجة كبيرة، ولكن المشكلة الحقيقية في ضعف المجتمع، وتشتّت النخب، وغياب المعارضة المنظّمة، وبروز أشكال جديدة للمعارضة الطائفية، وردّاً على سياسات السلطة الطائفية، وتهميش الأقليات. الجماعات التي ادعت أنها نخبٌ، معنية بالتخلص من أوهامها، وذكرنا بعضها أعلاها، ولكنها معنية كذلك بالعودة، وطبعاً إن أمكن ذلك، ومعنية بالتخلص من شلليتها ونخبويتها الفارغة، والانخراط في مشاريع سياسية، وبما يُنقذ سورية من سلطةٍ تُرسّخ نفسها مستبدّة من جديد، ومن مشروعٍ اقتصاديٍّ يُفاقم المشكلات المتوارثة ويضاعفها، وقد تنفجر بشكلٍ يفكّك سورية (المفكّكة أصلاً) ومن خطرٍ صهيونيٍّ وتركيٍّ، يتقاسمان سورية.
لن تعود النخب ما لم تشعر بالأمل والأمان والاستقرار، ما لم تشعر بأن لها دوراً في بلادها، وأن لديها فرصاً حقيقية للمشاركة في النهوض ببلدها، وأقسامٌ واسعة غادرت من جديد؛ لقد شاخت النخب كما البلد أيضاً، وربما هذا سببٌ كافٍ لتفسير الرغبة في العودة، والشعور بالخيبة والمغادرة.
- العربي الجديد













