هل تعود ظاهرة الاعتصامات الفئوية للمحتجين على تدني أوضاعهم المعيشية الى تدهور أمور الحياة في مصر الى درجة جعلت هؤلاء يفضلون المبيت على الأرصفة، أم الى زيادة مساحة الحرية وأن ما كان محظوراً أصبح مسموحاً؟ يبقى السؤال قائماً طالما بقي الرصيف المواجه لمقر البرلمان مزدحماً بالمحتجين المحتاجين للعون أو الإنصاف والعدل. صحيح أن الحكومة المصرية سعت في بعض الأحيان الى حل مشاكل بعض هؤلاء لكن يبدو أن قدرتها على حل مشاكل الجميع باتت محدودة، واللافت أن الغاضبين الفئويين رفضوا جميعاً الانصياع لمحاولات استغلالهم من قبل قوى سياسية، لكن موقفهم هذا لم يشفع لهم ولم تحسبه الحكومة جميلاً عليها أن ترده فأبقت عليهم في أماكنهم على الرصيف. لكن الظاهرة أوضحت أن أحاديث المسؤولين وتصريحاتهم عن تحسن أحوال الاقتصاد المصري والأرقام التي يطلقونها عن ارتفاع معدلات التنمية أو تحسن ميزان المدفوعات أو تضاعف الناتج القومي كلها مجرد أرقام، وإن صحت فإنها لم تنعكس إيجابياً على المواطن، وأن المسكنات لم تعد تكفي لعلاج أمراض اجتماعية واقتصادية جعلت بعض فئات الشعب تفضل البقاء في الشوارع وعلى الأرصفة لأيام أو أسابيع أو شهور من دون أن تعود الى منازلها الخاوية من الأكل والشرب أو لأنها لا تحتاج أصلاً للمسكن.
اللافت أن المعتصمين أمام وحول البرلمان ليسوا فقط الذين تعرضوا لأضرار بفعل برنامج التخصيص وبيع الشركات والمصانع الحكومية، أو هم من موظفي الدولة الذين تحولوا الى فئات تكاد تكون معدومة، وإنما أيضاً المهمشين من أصحاب الإعاقات أو المطرودين من أراضيهم أو مساكنهم بفعل الإجراءات الإدارية التي لا ترحم. يقول الناس في مصر إن الحكومة لا تريد أن ترحمهم ولا ترضى بأن تهبط عليهم رحمة الله ويلاحظون أن كثيراً من المعضلات التي سببت غضباً للناس كانت بفعل قرارات متسرعة مارس بعدها هذا المسؤول أو ذاك تعنتاً وعناداً لمجرد أنه صاحب القرار ولا يرضى بالعدول عنه على رغم الضرر البالغ الذي ألحقه قراره بالناس، وحين تمارس الضغوط عليه ويتراجع ينتظر الشكر من الذين أضرهم.
في بداية حزيران (يونيو) المقبل ستجرى انتخابات التجديد النصفي لمجلس الشورى وصورة الحزب «الوطني» بين الناس ليست جيدة، خصوصاً أن اللاجئين على رصيف البرلمان صاروا مادة خصبة للصحف والفضائيات، وأصبحوا هدفاً لقوى سياسية تعمل على إقناع الشعب المصري بأن الوقوف في وجه الحزب «الوطني» هو أول خطوات القضاء على ظاهرة المبيت في الشوارع. وفي الخريف ستجرى انتخابات مجلس الشعب (البرلمان) وتلجأ الحكومة عادة الى تقديم الخدمات التي تصفها المعارضة بأنها رشاوى الى الناس بحثاً عن أصواتهم وإرضائهم. فكيف سيروّج الحزب لبرنامجه الانتخابي ولمرشحيه ليدخلوا المقر الذي يحيط به الفقراء والمعدمون والنائمون على الرصيف؟ يحتاج «الوطني» الى سياسات بديلة ليس فقط لتحسين صورته وإنما لتحسين أحوال المعيشة بالنسبة الى الناس الذين فاض ببعضهم الكيل من دون أن يمارسوا السياسة وإن كانوا يريدون العيش الكريم في أبسط صوره.
"الحياة"




















