هل تضطر منظمة الفيفا الى البحث عن بديل لجنوب افريقيا لإجراء دورة بطولة العالم بكرة القدم المقررة في شهر حزيران القادم؟
منذ أن جرت عملية اغتيال أوجين تيرا بلانش (الأرض البيضاء) زعيم الحركة العنصرية البيضاء في جنوب افريقيا، فرضَ هذا السؤال ذاته على المنظمة. ذلك ان الحركة طالبت بالانتقام. والانتقام يعني إشعال حرب عنصرية جديدة بين الأفارقة السود والبيض، الأمر الذي يعني أن تنظيم مباريات بطولة العالم في هذا الجوّ المشحون والمضطرب قد يصبح أمراً مستحيلاً.
قد تجد الفيفا دولة أخرى. وقد تؤجل المباريات بعض الوقت حتى تتمكن الدولة البديل من إعداد ذاتها. ولكن ماذا عن جنوب افريقيا؟
عندما سقط نظام "الأبارتيد" – التمييز العنصري قبل 16 عاماً، ساد الاعتقاد بأن مجتمع جنوب افريقيا تمكّن من التغلّب على أمراضه العنصرية التي فتكت به طويلاً. حتى ان الرئيس الافريقي نيلسون مانديلا الذي قاد حملة المسامحة تمكّن من إعادة بناء الوحدة الوطنية على قاعدة المساواة بين السود والبيض. وطوى بما كان يتمتع به من احترام، صفحة الانتقامات التي كان يُخشى أن يقوم بها الأفارقة الذين عانوا طويلاً، وكثيراً من وحشية نظام "الأبارتيد" ومن عنصريته المتوحشة.
وقد كشفت عملية اغتيال "تيرا بلانش" على يد اثنين من الصبية الأفارقة اللذين كانا يعملان في مزرعته (تبلغ أعمارهما 16 و 21 عاماً فقط) وردود الفعل على هذه الحادثة، أن "المسامحة" في جنوب افريقيا كانت استجابة لقرار سياسي وليس نتيجة لثقافة وطنية. وانه بمجرد أن تقلص وهج الرئيس نلسون مانديلا الذي بلغ من العمر عتياً، حتى عادت ثقافة الكراهية تطغى على قرار المسامحة !!
وكان نجم أوجين تيرا بلانش قد سطع عندما تولى عملية الردّ على أستاذ التاريخ في جامعة جنوب افريقيا. فخلافاً لما يعتقده العنصريون البيض فان انتصار أسلافهم في عام 1838 على قبيلة الزولو أكبر القبائل في جنوب افريقيا وأصلبها عوداً رغم الفرق الهائل في العدد بين الجانبين، كان، كما وصفه أستاذ التاريخ، انتصار البندقية (سلاح البيض) على السهام الخشبية (سلاح الأفارقة السود). أما اعتقاد العنصريين البيض فهو ان الانتصار جاء نتيجة تدخل إلهي، (وهو ما ادّعاه الاسرائيليون أيضاً في حربي 1948 و 1967). وقد اعتبر تيرا بلانش كلام الأستاذ الجامعي تشويهاً لعلاقة البيض بالذات الإلهية. ولذلك عمد الى صب كمية من القطران الأسود فوق جسده، ثم نثر فوقه كمية من ريش الدجاج والطيور. وقال ان هذا جزاء من يشوه العلاقة بين الله والأبارتيد (التميير العنصري) !! حدث ذلك في عام 1979. ومنذ ذلك الوقت أصبح الرمز الأول للحركة العنصرية في جنوب افريقيا.
واذا كان البيض قد دعوا الى الثأر والانتقام، فان الأفارقة السود رددوا الأناشيد الحماسية التي كانوا ينشدونها أثناء مقاومتهم لسلطة "الأبارتيد".. بما فيها من عبارات تعكس كراهية البيض وتدعو الى التخلّص منهم.
لقد أسس تيرا بلانش حركته العنصرية "حركة المقاومة الافريقية" في عام 1973، وعمل جاهداً لاستقطاب البيض على أمل استعادة النظام العنصري. وبالفعل أدت هذه الحركة دورها في الدفاع عن النظام العنصري، حتى أن مؤسسها نفسه اعتُقل وحوكم بتهمة ضرب وتعذيب عدد من العمّال الأفارقة، وصدر بحقه حكم بالسجن ونفذ العقوبة بالفعل. ثم أُطلق سراحه في عام 2004.
وخلافاً لما كان يتوقع، استمرت حركته حتى بعد سقوط النظام. وفور اغتياله رفعت هذه الحركة شعار الانتقام ووجهت نداء الى الرأي العام العالمي قالت فيه أن جنوب افريقيا تحولت الى عاصمة للجريمة، وان الجماهير التي ستحضر من مختلف دول العالم لمشاهدة مباريات كرة القدم لن تكون آمنة. ودعت الى نقل المباريات الى أي دولة اخرى حرصاً على سلامة اللاعبين وعلى سلامة الجماهير التي سترافقهم.
في الأساس، تدعو الحركة في برنامجها السياسي الى تقسيم جنوب افريقيا وفقاً لحجم ولمواقع انتشار القبائل المتعددة. كما تدعو الى اعتبار البيض الذين يشكلون 9 بالمائة فقط من السكان بمثابة "قبيلة" متميزة لها هويتها وعَلَمها ونشيدها الوطني. وبموجب ذلك يتم تقسيم جنوب افريقيا الى عدة دويلات قبلية وعنصرية، الأمر الذي يعني التخلي عن النظام السياسي الاجتماعي الذي اعتُمد منذ عام 1994 حتى اليوم !
حالياً يعيش البيض في شبه كانتونات داخل المدن. وهم يتحصنون في المزارع الواسعة التي يملكونها على النحو الذي مارسه من قبل أقرانهم في زيمبابوي روديسيا- سابقاً. ولكن كراهيتهم للأفارقة وانعزالهم عنهم لم يغنِ عنهم من الأمر شيئاً. فتضخم حجم الكراهية المتبادلة الى حد يخشى معه انفجار الوضع من جديد.
فالأفارقة وهم سكان البلاد الأصليين يشكلون 80 بالمائة من السكان، ولكنهم لا يملكون سوى 13 بالمائة فقط من حجم الاقتصاد الوطني. انهم يعملون أُجَراء لدى أصحاب المصانع وأصحاب المزارع البيض. ولم يتغير هذا الوضع بعد سقوط النظام العنصري الا بنسبة ضئيلة جداً. وقد أفاد من التغيير المهاجرون غير البيض الذين استوطنوا في جنوب افريقيا، ومعظمهم من الهند ومن عدد من الدول الآسيوية الاخرى.
أدى استمرار التباين في المستوى الاجتماعي والتعليمي بين الأفارقة والبيض الى استمرار المشاعر العدائية التي سادت بينهم طوال فترة الحكم العنصري. فالبيض يعتبرون الأفارقة وكأنهم دون مستوى البشر، فيأنفون من التعامل معهم الا في الحدود الدنيا كخدم وعمّال. أما الأفارقة فيعتبرون البيض عنصريين متعالين سارقين للثروة الوطنية ومستغلّين لليد العاملة الافريقية.
كانت هذه المشاعر المتبادلة قائمة أثناء نظام "الأبارتيد". وبعد سقوطه لم تتغير الا شكلا. صحيح انه سُمح للأفارقة لأول مرة بتولّي مناصب في أجهزة الدولة السياسية والادارية والأمنية، غير ان البيض ألقوا على كتف هذا التغيير وزر الفساد المالي والتدهور الأمني والتردي الاداري الذي تعاني منه البلاد حتى أن الرئيس جاكوب زوما نفسه لم ينجُ من الاتهام بسوء استخدام السلطة.
ثم ان جنوب افريقيا هي من أكثر الدول الافريقية معاناة من مرض فقدان المناعة (الإيدز) ويزعم البيض ان الوباء الفتاك شبه محصور بالأفارقة، وهم يتخذون من ذلك ذريعة لمقاطعة الأفارقة والتعامل معهم وكأنهم هم الوباء!
فلقد هاجرت أعداد كبيرة من البيض الى استراليا ونيوزيلندة منذ سقوط نظام الأبارتيد. فهم لم يصدقوا ان الأفارقة سوف يغفرون الجرائم الجماعية التي ارتبكها البيض بحقهم في ظل ذلك النظام. وبالفعل فان عدد البيض الذين قُتلوا على يد الأفارقة منذ انتهاء الحكم العنصري بلغ ثلاثة آلاف شخص. ومعظمهم من أصحاب المزارع التي يخدم فيها عمّال أفارقة.
والآن يبدو انه حتى الذين بقوا منهم في جنوب افريقيا، لم يستطيعوا أن يتكيّفوا مع النظام الجديد اللاعنصري الذي جرّدهم من كثير من الامتيازات التي كانوا يتمتعون بها. وبسبب إدراكهم استحالة العودة الى ذلك النظام من جديد، فقد رفعوا راية تقسيم البلاد. وحتى لا يكون التقسيم بين أقلية بيضاء وأكثرية افريقية، فانهم يطرحون التقسيم على قاعدة التعدد القبلي، الأمر الذي يعني تحويل جنوب افريقيا الى حوالي أربع دويلات !!.
لقد تعلّم البوير (البيض في جنوب افريقيا) من دروس زيمبابوي. ولعل من أهم هذه الدروس أن الأفارقة قد يتحملون بقائهم لسنوات محدودة، ولكن التعايش السلمي مستحيل على المدى البعيد. وتعلموا أيضاً ان السكوت على مقتل مزارع أبيض أو صاحب مصنع أو صاحب مصرف..الخ.. ليس مجرد جريمة فردية، ولكنها جريمة تستهدف البيض جميعهم. ولذلك فان أمامهم احد حلّين : إما الهجرة والتخلي عن كل شيء.. وإما الانعزال في كيان سياسي خاص بهم. وهذا ما يعملون الآن على تحقيقه إدراكاً منهم باستحالة العودة مرة ثانية الى نظام الأبارتيد. فهل ينجحون؟
للإجابة على هذا السؤال لا بد من إعادة قراءة المشروع الصهيوني الذي يقول بوجوب تقسيم الشرق الأوسط من باكستان حتى المغرب على أسس طائفية ومذهبية وعنصرية، بحيث يكون لكل جماعة دينية أو عنصرية كيان سياسي خاص بها.. وبذلك تحقق اسرائيل الأمن الستراتيجي وسط عالم معاد لها ومعادية له.
بمعنى آخر ان البيض في جنوب افريقيا يتطلعون الى إقامة "اسرائيلهم".. وان الاسرائيليين في المشرق العربي يتطلعون الى اقامة "جنوب افريقهم" العنصرية الدينية. فالتجربتان قائمتان على العنصرية.
"المستقبل"




















