"زجل" عمل جديد للمؤلف الموسيقي اللبناني زاد ملتقى قدمه اول من امس في منطقة "الحمامات الرومانية" وسط بيروت، في ختام امسيات "مهرجان ربيع بيروت".
اختار ملتقى اشعار الزجل من كتاب "الكنز الخفي" وهو تدوين سهرة زجل في لبنان عام 1909، واخرى من "ديوان الشحرور" من اعداد نبيل فغالي الصادر عام 2000، والزجل كما نعرف، لغة العامة المحكية له اوزان تحاكي الشعر العربي الفصيح فوزن البسيط يستخدم في الموال والشروقي والوافر في العتابا والقصيد والرجز للمعنّى وهكذا، واشهر من اسس لهذا الفن الشعري شحرور الوادي ورشيد نخلة ثم اتت اجيال بعدهم اكملت المسيرة مثل اسعد الفغالي وزغلول الدامور (جوزف الهاشم) وزين شعيب (ابو علي) وطليع حمدان، موسى زغيب، جريس البستاني، السيد محمد المصطفى، أسعد سعيد، سميح خليل، جوزيف عون، علي فروخ، وغيرهم ممن صنعوا الزجل اللبناني المميز بمعالجته كل امور الناس والسياسة والوطن.
والنصوص المكثفة التي قدمت بصوت كل من فادية طنب الحاج والممثل غبريال يمين، ترجمها عباس طربيه الى الفرنسية وبثت مواكبة للسرد العربي على شاشة سوداء على يمين المسرح، وتوسطت شاشة اخرى بيضاء خلفية المسرح، حيث كان يمين يلقي اشعاره في تسجيل مسبق يبث عبر هذه الشاشة في حوار مع فادية، حيث كان التحدي المفترض بين زجالين يتحديان بعضهما بأبلغ المفردات، وأعتى المعاني والألفاظ.
الفكرة مبتكرة جداً من حيث تقديم فن شعبي يعتمد الكلمات المحكية وفي طريقه الى الانزواء مثل غيره الكثير من فنوننا وادابنا الشعبية، ومن حيث ابرازه عبر آلات النفخ الغربية النحاسية التي تقوم بعضها مقام الايقاعات المستخدمة في الزجل الشعبي من دفوف وطبلة وتصفيق مرافق بالايدي، ومن حيث توزيع سنوغرافيا متكاملة من ملتقى الذي قام بإخراج العمل ككل بشكل مستحدث ومتنوع فيه ابداع وخيال بعيد لإمكانات الفنون الشعبية والطرق التي يمكن ان نقدم فيها هذه الفنون من دون حدود كما شهدنا.
فجلوس الموسيقيين والمغنية طنب وراء طاولة بيضاء رمزت الى طريقة تقديم الزجل كما هي العادة، لكن هذه المرة من دون أطايب الطعام والشراب التي اعتدنا رؤيتها على هذه الطاولة، كما لم نعتد من قبل رؤية الساكسفون والترومبيت والتوبا والترومبون والكور او (القرن) وايقاعات النقر المتعددة الغربية بديلاً من الدفوف الآلات الاساسية لدى الزجال.
ولم ينس ملتقى القاء الضوء على بعض مشاهير الزجل مثل زغلول الدامور وغيره في بث لمقاطع مقتضبة من حفلاتهم، على الشاشة في خلفية المسرح ومزج بعض من اداءاتهم واصواتهم مع انغام الات الفرقة الموسيقية النحاسية في تأليف تعبيري لافت، في مقطع موسيقي بحت توسط فصلي الحفل.
وهنا نرغب في الابتعاد عن تصنيف وقولبة الاعمال التجريبية الحديثة مثل عنوان "اوبرا عربية" لان العمل في اعتقادنا يخرج عن اطار اوبرا، في معناها المعروف، وبالفعل يقترب اكثر من كونه تقديم فن "الزجل" وإن اختلفت الادوات، والعناصر التي تم تركيب العمل على اساسها.
ومن جهة اخرى، صحيح ان "الزجل" في جوهره هو فن تأليف الكلام الشعري، في مبارزة بين شاعرين "زجالين" يتباريان على الاتيان بأبلغ الالفاظ واجمل الافكار واغرب التركيبات، وهذا ما أبرزه ملتقى في توليفته بشكل مكثف جداً، إلا ان الزجل ايضا لا بد ان يبرز فن الغناء وبراعة صوت الزجال في تطريبه للموال وابراز معاني اشعاره من خلال "العِرب" والقفلات" والمدات الطويلة بصوته، الذي يجب ان يكون صادحاً واضحاً عريضاً لايصال الكلمة بوضوح الى الحضور، وغالباً كان الامر يتم من دون مكبرات صوت (ميكروفونات)، وكذلك يتطلب اتقان الزجال فن توقيع الكلام على آلة الدف ومشاركة مجموعة من الشباب من المرددين والموقعين على الدفوف والمصفقين يرددون الشطر الاخير من كل "رديّة" او مقاطع شعرية وهذه العناصر التي أغفلها المؤلف الموسيقي هي اركان اساسية تسهم في تصاعد حدة المبارزة بين الفريقين والتي تسبب جذب وانسجام الجمهور مع الحدث والتماهي معه، ولو كانت هذه العناصر حية على المسرح لتمكنت من خلق جو من المرح والحرارة والحميمية ابلغ من محاولة بث بعض التصفيق والتهليل والضحك من تسجيلات قديمة تم تضخيمها عبر الآلات الالكترونية في الموقع.
بالطبع هناك هدف من القاء بعض الاشعار بسرعة يتطلبها الموقف، مثلاً، وتركيب الجمل، وتحدي الطرف الاخر وغير ذلك، لكن وجدنا في مواقع اخرى سرعة قياسية غير مبررة في إلقاء بعض الاشعار خاصة بصوت الفنانة فادية بحيث خسرنا الكثير من ابداع الفنانة وطاقات الصوت لم يبرز منها شيء يذكر وضاعت جمالياته إلا فيما ندر في خضم الكلمات السريعة المرصوصة كالرصاص وفي ثوان معدودة، وكان بالامكان اختيار اشعار اقل وغناء اكثر لأن الامر لم يتعب الفنانة فحسب بل اذن المستمع ايضا الذي بالكاد كان يركز ويتابع الكلمات.
وتمنينا لو ان ملتقى استعان بزجال اصيل الى جانب فادية في اداء الازجال وهنا لا ننتقص من امكانات الفنان غبريال يمين الذي ادى دوره كزجال متحدي وكوميدي ببراعة، لكن في رغبة منا في اداء الجانب الغنائي في الزجل وكفاءة التحدي بين الطرفين غناء.
يبقى ان نعود الى التنويه بالفكرة والمحاولة والتأليف لها بسياقات اخرى مختلفة وهذا مطلوب وضروري، وطالما اننا نقدم اعمالنا الى الغرب ايضاً وبالتعاون معه عبر موسيقيين ومنظمين، وكان من الضروري ترجمة الشعر لكي يتوضح الفن بشكل اكثر، الا ان العمل بحاجة الى ابراز جوانب هذا التراث بكل اركانه، لكي لا تصل الصورة مجتزأة او ضبابية.
"المستقبل"




















